.jpg)
لم يكن أزيز الرصاص الذي سُمع في بلدات جنوبية، منها عربصاليم، كفرحتى، موجهًا ضد العدو الإسرائيلي أو إحدى دورياته. إطلاق النار الذي حصل في بلدتين بإقليم التفاح كان اشتباكًا بين أبناء البيت الواحد، جمهورا «حركة أمل» و«حزب الله» كانا في مواجهة بعضهما.
الرواية التي يُجمع عليها كثيرون من أبناء المناطق الجنوبية تكاد تكون واحدة: رفض جماعي لتحويل المنازل إلى مخازن سلاح واستقدام شبان من خارج القرى للإقامة فيها، خوفًا من تحوّلها إلى هدف للقصف الإسرائيلي. وعليه بدأت الإشكالات بالظهور وقد اتخذت في بداياتها طابعًا فرديًّا قبل أن تتطور إلى اشتباكات مسلحة في بعض الحالات.
ما يجري في بعض قرى وبلدات الجنوب ليس خلافات على موقف سيارة أو على حدود أرض، بل شرخ علني داخل «تحالف الضرورة». وربما ذلك ما دفع نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب إلى التحذير في خطبة الجمعة في ٣ تشرين الأول الماضي من «عمل حقيقي لتفكيك البيئة الشيعية»، داعيًا لـ«درء الفتنة الداخلية» ومؤكدًا أن «الوحدة الشيعية مطلوبة أكثر من أي وقت مضى»، في إشارة، هي بمثابة التحذير المبكر من انزلاق التوترات المعيشية والسياسية إلى مناوشات داخلية.
وبديهي أن كلام الشيخ الخطيب لم يأتِ من فراغ بل على خلفية انقسام واضح في مقاربة المرحلة، فـ«حركة أمل» تريد تجنيب استهداف القرى، فيما يصر «حزب الله» على أن المعركة لم تنتهِ، وربما لا تزال في بداياتها. فهل نحن أمام حوادث فردية عابرة، أم بداية لتمرد بيئة من داخل الثنائي نفسه عنوانه: أبعدوا الحرب عن منازلنا.
ما شهدته عربصاليم في ٦ أيلول الماضي كان امتدادًا لتوترات سابقة في قرى أخرى ومنها كفرحتى (كانون الثاني). ويروي أحد الشهود أن الخلاف في البلدة بدأ بعد وصول مجموعة شبان من خارج البلدة للإقامة في أحد المنازل، ما أثار حفيظة الجيران، وتطوّر التلاسن إلى إطلاق نار. غير أن «حركة أمل» و«حزب الله» تمكّنا من تطويق الحادثة ووأدها في مهدها، مع توجيهات مباشرة للمشتبكين بعدم تناول الحادثة في أي تصريح لوسائل إعلام أو سواها وإضفاء طابع الخلاف الفردي عليها «حرصًا على وحدة الصف». وعلى هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
ولا تقتصر الظاهرة على قرى وبلدات إقليم التفاح، إذ تكررت في بلدات أخرى. ففي بلدة زفتا الجنوبية قام الأهالي بطرد عناصر من «حزب الله» حاولوا المكوث في قريتهم، بحسب ما يقول شاهد عيان. وفي عرمتى تعمّد بعض السكان تسييج منازلهم والمواقف أمام محالهم التجارية بالحجارة حتى لا تتوقف فيها سيارات «غريبة» بحسب أحد أبناء القرية.
ويسلط ما يحدث في عدد من البلدات الجنوبية الضوء على ولادة توجه عام لدى أبناء القرى والبلدات الجنوبية لمنع استخدام منازلهم في أي حرب مزعومة. وهو توجه يقول معنيون إنه يتم بطريقة شعبية عفوية لا منظمة وليست بإيعاز من أي طرف سياسي حزبي.
وفي هذا السياق، يشير مصدر ديني فاعل من أبناء المنطقة إلى أن الأهالي في غالبية القرى الجنوبية بدأوا باتخاذ إجراءات فردية خاصة بهم تحسّبًا لأي تحركات قد تعود عليهم بالدمار، وذلك خوفًا على منازلهم وأرزاقهم. وما عزّز هذا التوجه لديهم هو التقصير من جانب الدولة في تعويض خسائرهم، فولّد لديهم شعور بأن أي أذى يتعرضون له لن يعوّض.
ويضيف المصدر الذي رفض ذكر اسمه، أنه لو ترك الأمر للجنوبيين لخرجوا في تظاهرات تطالب الدولة بتحمل مسؤولياتها وفرض سيطرتها في قراهم وبلداتهم لكن «هم يتعرضون للقمع ولا يجرؤون على التعبير عما يجول في نفوسهم... فـ"حزب الله" يُحكم قبضته في بعض الأماكن ولا يترك لهم متنفّسًا يعبّرون من خلاله عما يجول في نفوسهم».
لكن من أين جاءت ظاهرة رفض تخزين السلاح؟ يردّ مصدر ديني جنوبي ثانٍ بالتوضيح أن ما يحصل في الجنوب هو حالة ضياع نتيجة الصدمة التي نتجت عن شراسة الحرب وخسائرها غير المتوقعة من قِبل الناس والقوى السياسية القائمة عليها. وبرأيه فإن ما جرى في الجنوب هو «نكبة تاريخية لم تحصل منذ أيام أحمد باشا الجزار في معركته مع ناصيف النصار، وترميد القرى والمدن الجنوبية العتيقة شاهد على هذه النكبة، وأنها واقعة تاريخية غير مسبوقة منذ واقعة الجزار».
وحول ما إذا كان هذا الرفض قرار أهالي أم أن هناك توجيهًا من «حركة أمل» لتجنيب القرى القصف، يرى المصدر أنه من الطبيعي أن يرفض الناس في أي حرب تخزين السلاح والذخائر في داخل وبين بيوتهم، حيث إن الحرب - خصوصًا إذا كانت بعنوان الدفاع والمقاومة - هدفها حماية الناس من العدوان والضرر وليس التسبب به، ووضع السلاح داخل المنازل وبينها زل وفي الأحياء السكنية، ينقض الغرض المعلن، وهو الدفاع عن الناس وأرزاقهم، لأنه سيعرّضهم ويعرّضها للهلاك والدمار، وهذا ما جرى في واقع الأمر.
ويعتقد المصدر نفسه أن هذا الرفض للسلاح بين المنازل، ليس منطلقًا من قرار مركزي من أي جهة سياسية، بل هو تصرف شعبي من الناس بعدما خبروا نتيجة هذا الأمر على أرواحهم وأرزاقهم. وبحسبه، هذا تصرف فطري وطبيعي وحقٌّ لهم، لأن الحروب الصحيحة والشريفة ليس مكانها الأحياء السكنية، بل الجبهات والأماكن المخصصة لها، لتحمي الناس وليس لتجلب عليهم الضرر الذي يُفترض أن القتال يحصل لدرئه عنهم.
أما من الناحية الشرعية وعما إذا كان تخزين السلاح بين المدنيين يجوز شرعًا إذا كان يعرّض حياتهم للخطر، يردّ المصدر الديني الأول بالقول إن هذا لا يصحّ من الناحية الدينية لما يتضمنه من مخاطر على حياة المدنيين خصوصًا الأطفال والمسنين.
أما المصدر الديني الجنوبي فيذهب أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن الموقف الشرعي الديني متوافق مع هذا المنطق العقلائي، ويحرّم ممارسة أي فعل يكون سببًا لإلحاق الضرر بالناس، ويحوّل المجتمع المدني من جهة يُقاتَل للدفاع عنها ومنع وصول ضرر العدو إليها، إلى جهة تتلقى الخسائر الأكبر في قتال يفترض أنه لمنع هذا الضرر عنها.
ويستند المصدر إلى قواعد فقهية تندرج في هذا الخصوص، الأولى بأن دفْع الضرر أولى من جلب المنفعة، بمعنى أنه عندما يكون ضرر أي فعل أكبر من نفعه، فإنه يصبح محرّمًا. والثانية: «الناس مسلطون على أموالهم»، والتي تمنع أي فرد من التصرف بمال أي فرد من دون إذنه. والثالثة: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، وهي من أكبر القواعد الفقهية في هذا الخصوص، والتي تحرّم على أحد أن يتسبب بإلحاق الضرر بأحد ولو على مستوى كشف وهتك حرمة منزله، ولو عبر المرور بقربها مما يكشف حرمات الساكنين فيها، فكيف بالتسبب بقتلهم ودمار بيوتهم.
ويختم بالقول: «بل قد قررت الشريعة أنه يحرّم النظر إلى داخل بيوت الآخرين، وأنه يحق لصاحب المنزل منع الناظر وصولًا إلى جواز قتله إذا أصرّ. فكيف بدخول هذه المنازل بغير إذن أهلها ووضع السلاح فيها، مما يؤدي إلى تعرضها للاستهداف وسفك دم أهلها وتدميرها؟!».





