.jpg)
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة.
فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
وحين استُنزفت الخصومات لم يتّعظوا من نتائج خياراتهم بل انتقلوا إلى التناحر في ما بينهم ليُدفَع أبناء البيئة نفسها مجدّدًا إلى تحمّل أثمان الدم والدمار والانهيار.
أيّها الفقراء، لا تسمحوا لأحد أن يحمّلكم أوزار منظومة لم تكونوا يومًا شركاء في قراراتها ولا مستفيدين من امتيازاتها. أنتم لم تنهبوا المال العام، ولم تُصادروا حقوق المودعين ولم تحوّلوا مؤسسات الدولة إلى مزارع للمحاصصة ولم تحتكروا وظائف الفئة الأولى والثانية لحساب الولاءات السياسية. أنتم الذين دفعتم الثمن من أرزاقكم ومستقبل أبنائكم وكرامتكم فيما حوّلت الزعامات مواقع النفوذ إلى حصصٍ مغلقة وتركت للشباب خيارين قاسيين الخضوع أو الهجرة.
إنّ الفساد الأخطر ليس سرقة المال فقط بل سرقة المستقبل وتدمير فرص النهوض ومصادرة حق الناس في الاعتراض والمساءلة. والأخطر من ذلك أن يُشهَر سلاح التخوين في وجه كل صوت حرّ يفضح الفشل، وأن تُستَخدم تهمة العمالة لإسرائيل لإسكات المعارضين وكمّ الأفواه وكأنّ الوطنية صكّ احتكار تمنحه الزعامات لمن تشاء وتسحبه ممّن تشاء.
كفى استثمارًا في الخوف وكفى ابتزازًا باسم الطائفة والمقاومة والكرامة. فالطائفة ليست ملكًا لحزب، ولا الشعب قطيعًا في مزرعة زعيم، ولا المعارضة خيانة لمجرّد أنّها ترفض الوصاية. إنّ الخيانة السياسية الحقيقية هي أن تُجوّع أبناء بيئتك وتُبدّد طاقاتهم وتُغلق أمامهم أبواب الدولة ثم تطلب منهم التصفيق لمن أوصلهم إلى حافة اليأس. ستبقى الحقيقة أقوى من التخوين وسيبقى حق الناس في المحاسبة أقوى من كلّ منظومات الترهيب، فالتاريخ لا يبرّئ من صنعوا الخراب لمجرّد أنهم رفعوا فوقه رايات مقدّسة.





