30・10・2026
من العدد ٣٩
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها


لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. 
فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة. 

وحين استُنزفت الخصومات لم يتّعظوا من نتائج خياراتهم بل انتقلوا إلى التناحر في ما بينهم ليُدفَع أبناء البيئة نفسها مجدّدًا إلى تحمّل أثمان الدم والدمار والانهيار. 

أيّها الفقراء، لا تسمحوا لأحد أن يحمّلكم أوزار منظومة لم تكونوا يومًا شركاء في قراراتها ولا مستفيدين من امتيازاتها. أنتم لم تنهبوا المال العام، ولم تُصادروا حقوق المودعين ولم تحوّلوا مؤسسات الدولة إلى مزارع للمحاصصة ولم تحتكروا وظائف الفئة الأولى والثانية لحساب الولاءات السياسية. أنتم الذين دفعتم الثمن من أرزاقكم ومستقبل أبنائكم وكرامتكم فيما حوّلت الزعامات مواقع النفوذ إلى حصصٍ مغلقة وتركت للشباب خيارين قاسيين الخضوع أو الهجرة.

 إنّ الفساد الأخطر ليس سرقة المال فقط بل سرقة المستقبل وتدمير فرص النهوض ومصادرة حق الناس في الاعتراض والمساءلة. والأخطر من ذلك أن يُشهَر سلاح التخوين في وجه كل صوت حرّ يفضح الفشل، وأن تُستَخدم تهمة العمالة لإسرائيل لإسكات المعارضين وكمّ الأفواه وكأنّ الوطنية صكّ احتكار تمنحه الزعامات لمن تشاء وتسحبه ممّن تشاء. 

كفى استثمارًا في الخوف وكفى ابتزازًا باسم الطائفة والمقاومة والكرامة. فالطائفة ليست ملكًا لحزب، ولا الشعب قطيعًا في مزرعة زعيم، ولا المعارضة خيانة لمجرّد أنّها ترفض الوصاية. إنّ الخيانة السياسية الحقيقية هي أن تُجوّع أبناء بيئتك وتُبدّد طاقاتهم وتُغلق أمامهم أبواب الدولة ثم تطلب منهم التصفيق لمن أوصلهم إلى حافة اليأس. ستبقى الحقيقة أقوى من التخوين وسيبقى حق الناس في المحاسبة أقوى من كلّ منظومات الترهيب، فالتاريخ لا يبرّئ من صنعوا الخراب لمجرّد أنهم رفعوا فوقه رايات مقدّسة.

 

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
28・10・2026
واشنطن تطرق باب الشيعة: هل تفصل الطائفة عن الحزب؟ من زيارة السفير عيسى للمجلس الشيعي إلى خطاب «الجنوب لا ينتمي لميليشيا»
أدهم جابر
لم تكن زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية بروتوكولية، فهي حملت في شكلها ومضمونها رسالة مباشرة إلى البيئة الشيعية وكأنها تشي بولادة مسار أميركي جديد. تعليقًا، وصفت مصادر المجلس الزيارة بـ«الصريحة للغاية»، وهذا توصيف يعكس تحوّلًا في المقاربة الأميركية تجاه الشيعة في لبنان...
أيضاً للكاتب/ة
02・10・2026
خلف جدار الصمت: عندما يستيقظ العقل من سَكْرة الوَهْم
علي الضيقة
لقد استيقظ الشارع الشيعي على واقع مُفجع، شباب في عمر الورد كان يفترض أن يكونوا أطباء ومهندسين ومبدعين ينهضون بوطنهم، يُعادون في صناديق خشبية نُسجت حولها أوهام البطولة، وقرى كاملة تُمسح من الخريطة واقتصاد منهار يترك العائلات صَرْعى الجوع والنزوح. لقد أُفرغت المدارس والجامعات من مضمونها التنويري لصالح بيئة تُعيد إنتاج المقاتل لا العالِم...
05・09・2026
بين النفوذ وجذور الهوية هل يستعيد المجتمع الشيعي اللبناني أصالة تاريخه ؟
علي الضيقة
هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة...
07・08・2026
تجار الدّم وآلهة الوهم: في ضروة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود
علي الضيقة
إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان.