29・10・2026
من العدد ٣٩
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا



لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع، فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل، تفيد بأن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤، والتي أدّت إلى عمليات قصف إسرائيلية تسبَّبت بنزوح مئات الألوف من أماكن سكنهم في الضاحية والجنوب والبقاع.

تعود هذه الذكريات إلى سكان هذه المناطق اليوم، وسط تسارع الأحداث المتصلة بالصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى. وانضم إلى هذه الأحداث في أيلول الماضي الحوثيون، حلفاء إيران، وفتحوا جبهة الصراع ضد المملكة العربية السعودية على خلفية حرب اليمن.

يتردد الآن السؤال بقوة: هل تتجدّد الحرب في لبنان التي اندلعت في الثاني من آذار الماضي ووضعت أوزارها نسبيًّا في نيسان من العام نفسه، من خلال اتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية بين لبنان وإسرائيل؟

أتى الجواب عند إعداد هذا التقرير من صحيفة «هآرتس» التي عنوَنت بالآتي: «يخشى الجيش الإسرائيلي أن تصريحات ترامب ونتنياهو بشأن إيران قد تدفع طهران لمهاجمة إسرائيل». وتقول الصحيفة إن المصادر تفيد بأن الزيارة غير المعلنة التي قام بها في ١٩ تشرين الأول وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث لإسرائيل، حيث التقى رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس، جرى خلالها مناقشة إمكانية تجدُّد حرب البلدين ضد إيران، حسبما قال مسؤول إسرائيلي للصحيفة عينها. وخلُصت «هآرتس»، وفقًا للمصادر، إلى القول إن تقييم الجيش الإسرائيلي أفاد بأنه إذا قرر ترامب شنّ ضربة أميركية على إيران، فقد يهاجم «حزب الله» إسرائيل من لبنان.

وفي السياق ذاته، حذّر الخبراء الإسرائيليون من أن تجدّد الحرب على إيران مسألة وقت. ويقول المحللون إن التصعيد أمر لا مفرّ منه بدون تسوية دبلوماسية، وربما حتى قبل الانتخابات الإسرائيلية (أصبحت وراءنا) والأميركية الوشيكة.

كما جاء في مقال تومر ألماغور في صحيفة «أزمنة إسرائيل»، نقلًا عن داني سيترينوفيتش، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي، لوكالة Jewish Telegraphic Agency (JTA)، أنه «دون تسوية دبلوماسية، فإن فرص التصعيد مرتفعة جدًّا». وأضاف: «لم يتمكن ترامب من التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، بينما تدّعي كل من طهران وواشنطن أنهما فازتا في الحرب التي استمرت شهرين في وقت سابق من هذا العام. لكن عمليًّا، لا يزال النظام الإسلامي في السلطة قادرًا على تعويض خسائره النووية والصواريخ الباليستية، ويواصل فرض بعض السيطرة على المضيق. كل هذا يجعل من الصعب على إسرائيل والولايات المتحدة إظهار انتصارهما».

وتابع سيترينوفيتش، الذي كان أيضًا رئيس فرع إيران السابق في إدارة الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي: «لا يمكن لترامب إعلان النصر الآن، لكنه لا يستطيع أيضًا المغادرة دون أن يفعل شيئًا (...) من ناحية أخرى، لا يمكن للإيرانيين السماح باستمرار الحصار البحري، لذا سيستمرون في مهاجمة ناقلات النفط».

وقال للوكالة أفنر فيلان، مسؤول أمني إسرائيلي رفيع سابق وخبير في شؤون إيران: «قال ترامب إنه لن يهاجم قبل انتخابات منتصف المدة، وأعتقد أن لديه أسبابًا وجيهة للتأجيل قبل الانتخابات. ومع ذلك، شدّد على أن خطر التصعيد موجود بالتأكيد. نحن في وضع يستمر فيه الطرفان في ممارسة الضغط على بعضهما بعضًا، دون وجود اتفاق دائم. الجميع على أعصاب التوتر، وكل ما يتطلبه الأمر هو حادثة كبيرة واحدة لتجعل الأمور تخرج عن السيطرة».

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن مسؤولين في إدارة ترامب ناقشوا القيام بحملة قصيرة ومكثفة تستمر حوالي ثلاثة أيام، وتركز على ترسانة الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية، وربما إلى جانب ضربات على البنية التحتية للطاقة ومقرّ الحرس الثوري الإسلامي.

كما ذكرت صحيفة «أتلانتيك» أن البيت الأبيض طلب من البنتاغون تطوير خيارات ضربة ضد أهداف إيرانية يمكن تنفيذها قبل الانتخابات النصفية.

وبالعودة إلى سيترينوفيتش، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فهو رأى أن «حملة انتخابية تستمر ثلاثة أيام تشمل، على سبيل المثال، ضربة على جبل بيككس، ستسمح لترامب بالقول إنه دمّر المشروع النووي الإيراني، وكسب الحرب، وأنهى الصراع. هذا خيار أول؛ وخيار آخر هو ضرب منشآت البنية التحتية الإيرانية». ومع ذلك، حذّر من أنه حتى حملة مخططة تستمر ثلاثة أيام قد تؤدي إلى تصعيد أوسع وأكثر طولًا.

وأعرب سيترينوفيتش عن اعتقاده بأن «إيران يمكنها أيضًا البدء بالتصعيد إذا اعتقدت أن إسرائيل أو الولايات المتحدة تستعدان للهجوم عليها». وأضاف: «لا يريد الإيراني أن يُفاجأ للمرة الثالثة... لكنه ما زال يفضل تصعيدًا تدريجيًّا على تصعيد واسع وفوري».

في المقابل، تطرح إيران بُعدًا آخر للحرب إذا ما تجددت. وننطلق هنا من صحيفة «كيهان» الناطقة باسم المحافظين في الجمهورية الإسلامية. وتحت عنوان «أم قنابلكم وأبو صواريخنا»! كتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير الصحيفة، يقول: «صار ترامب يتحدث عن استخدام القنبلة "أم القنابل" ضد منشآتنا النووية... ورغم شهرة ترامب بالحماقة، إلّا أنه مع تخلُّفه العقلي قد أدرك أنه ليس لم يصل إلى أي من أهدافه في الهجوم على إيران الإسلامية فحسب، بل وُوجهت أحلامه الحمقاء بردود معاكسة.

وليس شعارًا فشل أميركا قبالة إيران الإسلامية، وإنما هو حقيقة لا تُنكر قد أقرّ بها جميع الخبراء ذوي الشأن من جهة، ومن جهة ثانية، لأجل تقييم الانتصار أو الفشل لكلا الطرفين المتنازعين توجد معادلة تُطبَّق، وبالرجوع إلى هذه المعادلة نستنتج الفشل القاطع لأميركا. لقد تمّ اختبار "أم القنابل" عام ٢٠٠٣، حين أعلن وزير دفاع أميركا ليئون بانته بأن هذه القنبلة قد أُعدت لاستهداف منشآت التخصيب في إيران، ولم يدرِ هذا الحيوان الأخرق أن هذه القنبلة ستواجه "أبو الصواريخ" الإيرانية، ولن تترك الجمهورية الإسلامية الإيرانية أي هجوم من قِبل العدو دون رد. فلن تكون البُنى التحتية لأميركا وحلفائها في المنطقة وأوروبا في مأمن من ضربات "أبو الصواريخ" الإيرانية. حسنًا، أرسلوا "أم القنابل" كي ينال منكم "أبو الصواريخ" الإيراني. فهلُمّ، هذه هي ساحة النزال».

وتقرأ «كيهان» الساحة اللبنانية في مقال آخر حمل عنوان: «"حزب الله" يُربك حسابات خصومه: من رهانات الانهيار إلى استعادة القوة وفرض الحضور». وجاء في المقال الذي كتبه عباس المعلم: «حين تتحوّل تقديرات الخصوم إلى أوهام سياسية، تصبح الوقائع الميدانية والمالية والمؤسساتية أبلغ من كل الخطابات. قبل أسابيع قليلة، كانت جوقة سياسية وإعلامية لبنانية وعربية، مسنودة بتقديرات ومواقف أميركية، تتسابق إلى إعلان نهاية "حزب الله"، وتصويره قوةً مستنزفة فقدَت قدرتها على التأثير والمبادرة، وباتت عاجزة عن استعادة توازنها العسكري والمالي والسياسي. غير أنّ التطورات المتلاحقة بدأت تكشف، وفق قراءة مغايرة، عن فجوة عميقة بين ما أراد خصوم الحزب أن يكون عليه، وما لا يزال يمتلكه فعليًّا من عناصر القوة والتماسك. فالمشكلة في تلك التقديرات لم تكن مجرد سوء قراءة لحجم الخسائر التي تعرّض لها الحزب، بل في الخلط الاستراتيجي بين إضعاف القوة وإسقاطها، وبين تراجع القدرة في مرحلة معينة وانهيار البنية التنظيمية والمؤسساتية برمّتها. وهنا تحديدًا تتبلور المفارقة: الحزب الذي أُريد له أن يغادر معادلة القوة اللبنانية والإقليمية، يعود تدريجيًّا إلى تثبيت حضوره بوصفه أحد أكثر الفاعلين تنظيمًا وتأثيرًا، ويقدّم مؤشرات على أنه لا يزال، رغم الضربات، القوة الحزبية الأكثر تماسكًا في لبنان».

أضاف المقال: «عسكريًّا وأمنيًّا، جاءت تصريحات النائب حسن فضل الله بشأن ملكية الحزب لشحنة المواد المتفجرة المضبوطة على طريق البقاع، ومطالبته باستعادتها، باعتبارها جزءًا من سلاح المقاومة في مواجهة إسرائيل، لتضيف مؤشرًا بالغ الحساسية إلى المشهد. فبعيدًا من الجدل القانوني والسيادي الذي يُثيره هذا الموقف، فإنّ دلالته السياسية تكمن في أنّ الحزب لا يتصرف باعتباره قوة فقدَت شرعية سلاحها في تصوّرها الذاتي أو تخلّت عن خيار المواجهة، بل يؤكد علنًا استمرار تمسكه ببنيته العسكرية ووظيفتها الردعية».

وخلص مقال «كيهان» إلى القول: «يتقاطع ذلك مع ما تتداوله التقديرات الإسرائيلية بشأن مساعي الحزب إلى ترميم قدراته البشرية والتسليحية ورفع جهوزيته لمواجهة محتملة. والأهمّ أنّ استعادة الحزب بعض عناصر المبادرة الداخلية تنعكس على موقعه الإقليمي، باعتباره طرفًا لم يخرج نهائيًّا من حسابات الصراع مع إسرائيل ولا من شبكة التوازنات المرتبطة بإيران وحلفائها».

وسط هذه الصورة الواسعة، أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، في زيارته الأولى لبيروت والجنوب، عن قلقه من تسوية محتملة في المنطقة على حساب لبنان. وما لم يعلنه بعد جرس الإنذار الذي قرَعه هو خشيته من تسوية بين اللاعبين الكبار في الإقليم على حساب خسارة لبنان مساحات من أراضي الجنوب التي تحتلها إسرائيل، ولا يبدو أنها ستنسحب منها بسهولة قبل تحقيق أهدافها الرئيسية، وفي مقدمها استئصال كل الإمكانات العسكرية لـ«حزب الله» ومنع إيران من تهديد حدود إسرائيل، ولا سيما بعدما لامست أنفاق الحزب حدود المستوطنات في الشمال، حيث يحتلّ قاطنوها موقعًا رئيسيًّا في رسم خريطة انتخابات الكنيست.

ماذا بعد كل هذه المعطيات؟ عندما يصدر هذا المقال في العدد الجديد لـ«الفان رقم ٤»، تكون الحرب قد نشبت، أو أنها ما زالت قيد التحضير. لكن من المؤكد أن الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، قد أعد وجبة صواريخ مماثلة لتلك التي أطلقها في سحور ٢ آذار الماضي.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
28・10・2026
واشنطن تطرق باب الشيعة: هل تفصل الطائفة عن الحزب؟ من زيارة السفير عيسى للمجلس الشيعي إلى خطاب «الجنوب لا ينتمي لميليشيا»
أدهم جابر
لم تكن زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية بروتوكولية، فهي حملت في شكلها ومضمونها رسالة مباشرة إلى البيئة الشيعية وكأنها تشي بولادة مسار أميركي جديد. تعليقًا، وصفت مصادر المجلس الزيارة بـ«الصريحة للغاية»، وهذا توصيف يعكس تحوّلًا في المقاربة الأميركية تجاه الشيعة في لبنان...