26・10・2026
من العدد ٣٩
الإنسان الجنوبي وحيدًا في مواجهة المقتَلة وتفاهة الخطاب


تحوّلت قرى جنوب لبنان المحتلة والمدمّرة «عن بِكرة أبيها»، حتى بحقولها وزفتِ شوارعها وأرصفتها وأعمدة إنارتها، إلى وقودٍ للسجال والمزايدات السياسية على برامج التلفزة والبودكاست وفي كل صحيفة وموقع إلكتروني. ولا مساحة في هذا المقال لذكر تلك الترّهات بشكلٍ مباشر، خصوصًا بعد أن أصبح الفضاء العام مُشبعًا بها، وصار القارئ على معرفةٍ كاملة بموضوع النقد وتفاصيله. إن لمجرّد ذكرها مباشرةً انتقاصٌ من روح أي نصٍّ نقدي، لهَول ما بلغَته من رداءةٍ وابتذال. ولا يلغي اتجاه الخطاب في السياسة، سواء أكان دفاعًا عن هذا الطرف أم ذاك أم هجومًا عليهما، حقيقة مادية لم يعد من الممكن، بل لم يعد من الجائز تجاوزها بخفّة، وهي أن الهزيمة أصبحت أمرًا واقعًا، وإن لم تصبح هزيمةً كاسحة بعد، لا مجال معها للشكّ ولو بنسبة ضئيلة، ولكنها، في المحصّلة، وفي المدى المنظور، هزيمة عسكرية وأمنية، وبالتأكيد هزيمة سياسية وثقافية، ولا شكّ أنها أيضًا هزيمة أخلاقية.

هناك مغالطتان كارثيتان، تتغذى كلٌ منهما على الأخرى. المغالطة الأولى في التبرير التلقائي لكل خيارٍ عسكري لـ«حزب الله» لأن العدو هو إسرائيل التي ارتكبت الفظائع منذ تأسيسها، بل وحتى قبل تأسيسها، عبر عصابات الهاغاناه والإرغون والشتيرن وغيرها، وهي العصابات التي شكّلت الجيش الإسرائيلي بعد قرار حكومة دافيد بن غوريون المؤقتة بدمجها (القانون رقم ٤ لسنة ١٩٤٨ - -٥٧٠٨)؛ والمغالطة الثانية تكمن كذلك في التبرير التلقائي لكل جريمةٍ إسرائيلية لأن الخصم هو «حزب الله» المدعوم من إيران، والذي لا يعترف بقرارات الدولة اللبنانية ويتجاوزها (في جميع الاتجاهات، شرقًا وشمالًا وجنوبًا وحتى غربًا - قبرص) غير آبهٍ بتبِعات تجاوزاته، بعد عقود من التقويض الممنهج لها، وهو التقويض الذي بلغ ذروته في قمع الانتفاضة الشعبية عام ٢٠١٩، والتي لم ينتج عنها بعد تحييدها سوى مسخٍ سياسي غير قابل للحياة. وفي كلتا المغالطتين إلغاءٌ تامٌ للعقل النقدي، كما أنهما تستسهلان الدم ولا تنظران إلى الحلول سوى من خلال اجتزاء الإشكاليات من سياقها التاريخي. فلا محاسبة «حزب الله» على خياراته ينبغي أن تقود إلى منطق تبرئة إسرائيل من جرائمها، ولا رفض الجرائم الإسرائيلية ينبغي أن يبرّئ الحزب من المسؤولية التاريخية التي تنطوي عليها خياراته السياسية والعسكرية.

والاستسهال في أن يتحوّل الدمار في جنوبي لبنان إلى خطابٍ يومي يجترّه إعلاميٌ يلتزم بسياسة تحريرية منحازة ورقابة مشدّدة على المحتوى، أو سياسيٌ يرتبط بشبكات وتحالفات مصلحية لا وجود له في عالم السياسة من خارجها، أو «إنفلوَنسر» يستجدي رضا جمهورٍ يحكمه عقلٌ جمعي شمولي لا يقبل النقد أو حتى بديهيات الرفض. 

حين يستسهلُ الخطاب في السياسة تبرير الدمار، فيكتفي بوصفه ضررًا جانبيًّا، أو «خللًا تكتيكيًّا»، وبتحويل الجنوب إلى «ميدان»، فلا يشرح أسباب الدمار أو يفسّرها، ولا يعتذر عن عدم الوفاء بوعودٍ كبرى، لعلّ الوعود الصغرى تصير سائغةً ومقبولة، فإنه بذلك يستحيل استغباءً سياسيًّا، لا أكثر ولا أقل. والمصيبة أن للاستغباء جمهورًا يفسّره بلغة الإيمان والأمل بمستقبلٍ موعودٍ لا نملكُ عناصر صناعته في الحاضر، ولن نملكها طالما أننا لا نعترف بضرورة وقف المسار الذي يمنع تكوين شروط صناعتها، بل ويؤبِّد استحالة تكوين تلك الشروط.

والأمر نفسه ينطبقُ على اتجاهٍ سياسي طارئ يلبس لبوس معارضة «حزب الله»، لم يعد يرى في الفاجعة التي أصابت الجنوب وأهله سوى موضوعٍ للشماتة في ما يسمّيه ظلمًا «البيئة الحاضنة» للحزب من جهة، وتبريرًا لجرائم إسرائيل من جهة أخرى، وفي مقدّمها جريمة تفجير أجهزة النداء الآلي (البيجر) واللاسلكي؛ وهي هجماتٌ عشوائية تمثّل انتهاكًا مرعبًا لم يسبق له مثيل في القانون الدولي الإنساني، إلى جانب جميع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادُم، والتي ترتكبها إسرائيل بشكلٍ يومي، من تدميرٍ للمساكن والمتاجر والمرافق العامة واقتلاعٍ للأشجار وإحراقٍ للحقول، وتهجيرٍ قسري لأكثر من مليون شخص، وإمعانٍ في استهداف المسعِفين والصحافيين.

وفي اختزال جنوبي لبنان، مجتمعًا وتاريخًا وتراثًا بمقولة «الميدان» من جهة، أو «البيئة الحاضنة» من جهة أخرى، تجريدٌ للإنسان الجنوبي من إنسانيته، والتعامل معه إما كأداة أو رقم، كما لو كان لا يتأثر بتبِعات هذا القرار أو ذاك، وهذا الخطاب أو ذاك، وعليه أن يكون ذخرًا لأي قرارٍ يُتّخذ خارجًا عن إرادته، لأن في ذلك تكليفًا من مرجعية دينية لا يجوز شرعًا النقاش فيه، أو حُكمًا عليه بتبَعيةٍ لا فُكاك له منها حتى لو أراد ذلك، وعليه أن يدفع ثمنها لمجرد ولادته جنوبيًّا أو شيعيًّا. وفي هذا الاختزال قتلٌ مسبقٌ للإنسان الجنوبي، قبل أن تطال قنابل إسرائيل جسده وعمرانه، وماضيه وحاضره ومستقبله، ومن ثم قتلٌ إضافيٌّ له، بعد أن تطال القنابل كل ما سبق ذكره. وهو اختزالٌ بحق هذا الإنسان الذي بات وحيدًا في مواجهة المقتَلة، يتساوى في ممارسته سياسيو الحزب وإعلاميوه ومؤثّروه مع معارضيه الأشدّ تطرّفًا من الحالمين بمصافحة بنيامين نتنياهو في الوقت الذي يتلقّى فيه إدانات العالم من أقصاه إلى أقصاه.

ثم إن رواية صمود أهل الجنوب في أماكن النزوح ومراكزه قد انتهت صلاحيتها بعد أن أدّت وظيفتها الأيديولوجية بالكامل، وهي وظيفةٌ رديفة لوظيفة الوعود الخطابية الرنانة والفضفاضة التي أُغرِق بها الجمهور الجنوبي والشيعي ولم يُحقَّق منها شيءٌ يُذكَر. 

جميلةٌ وجذابة هي عبارة «أهلنا الصامدون»، ولكنها تخبّئ عذابات يومية لا حصر لها، كلما عبّر أحدٌ عن جزءٍ منها، رُجِمَ بحجارة التخاذل أو العمالة. و«التوأم النقيض» لهذه الرواية هو روايةٌ أخرى تُحمِّل هؤلاء الناس أسباب النزوح ونتائجه، وتسلبهم إنسانيتهم حتى قبل أن يُعبّروا عن أي شيء، لمجرّد وجودهم في مساحة ليست في نظر «الآخر» مساحتهم، فنرى تجّارًا يمتعضون من تجمّعٍ للنازحين على رصيفٍ بحري هنا، وأهالي طلابٍ يطالبون بإخلاء تجمّعٍ آخر في مدرسةٍ هناك، وكأن لا حرب جارية، ولا دمار، ولا خطر يُحدق بهؤلاء التجار وأهالي الطلاب أنفسهم.

إنه زمن الرداءة عمومًا؛ رداءة الخطاب، ورداءة الأيديولوجيا، ورداءة القانون والنظام العام، ورداءة السلوك والفكر اليومي لكل فردٍ ارتضى أن يكون فريسةً للسائد من «الترندات» على مواقع التواصل الاجتماعي لسنوات عدة، قبل أن يدفعه ذلك إلى الارتضاء بعلاقةٍ مختلّة مع نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية، يكون هو الطرف الخاضع فيها، لدرجة أن تعليقًا بسيطًا على فكرة بسيطة على منصة اجتماعية أصبح يستدعي توليدًا اصطناعيًّا يكون فيه الأمرُ للبرنامج تكرارًا لفكرةٍ مسبقة، لـ«دوغما» رافضة للتفكير في الأصل، قبل أن يرتضي في النهاية الخضوع لـ«أباراتوس» أيديولوجي يُملي عليه لا ما يقول فحسب بل حتى كيف يعبّر عن ألمه.

ولا بدّ لزمن الرداءة على جميع المستويات أن يُنتِج استسهالًا موازيًا بدوره. والاستسهال في هذا السياق بنيةٌ وانعكاسٌ لكيفية انتظام العلاقات المادية في العالم الحقيقي، وليس سلوكًا فرديًّا أو أسلوبًا في الكلام لشخصٍ تتملّكه التفاهة أو جماعةٍ تحكمها أفكار مشتركة فحسب. إنه رفضُ منطق أن يكون هناك «فاتورة»، وبالتالي الامتناع عن دفع ثمن هذا الخيار أو ذاك في السياسة، رغم تحميل ثمنه للجميع، تمامًا كما يفعل تحالف المصارف بعد إهدار حقوق المودعين، وتحميل الكلفة للمودعين أنفسهم إلى جانب جميع اللبنانيين. إنه منطق تمييع المسؤوليات، وللتمييع أدواته الخاصة في كيفية توجيه الخطاب العام والتقليل من شأن الدمار والتهجير في الوعي الجمعي. والأخطر أن المقياس في معادلة الكرامة الإنسانية يتحوّل إلى مقدار تحمّل الخسائر البشرية والمادية، إذ يُعاد إنتاج هذه العلاقة المختلّة باستمرار، فتؤبَّد، كلما قفز الشعار بخفّةٍ فوق الدماء والركام. 

ليس تعالي عددٍ كبيرٍ من السياسيين والإعلاميين المرتبطين بـ«حزب الله»، والذي يصيب جزءًا غير يسيرٍ من جمهور الحزب نفسه بصدمات متتالية، شذوذًا في الخطاب، بل بلوغًا للذروة فيه. وإن كان في البدء تعاليًا على جراح الحزبيين الذين مُنيوا بخسائر فادحة، فإنما هو، في تطوّره وتحوّله إلى خطابٍ عامٍ، يستحيل تعاليًا على جميع الجراح، بما في ذلك تلك الجراح التي يلوذ أصحابها بالصمت وقارًا. ولا غرابة في ألّا يكون موقع هؤلاء المطلق، خارج زمكان كل «آخرٍ» يفترضون منه ولاءًا قاطعًا وغير مشروط كتحصيلٍ حاصلٍ لا بحث فيه، إلّا بوجود البنية السياسية الطائفية. وكان من الممكن أن يكون، في سيناريو آخر مماثل، ضد قوى أخرى، داخلية أم خارجية، حزب «القوات اللبنانية»، أو غيره من الأحزاب والقوى الطائفية، في موقع «حزب الله»، وأن يتعامل سياسيوه وإعلاميوه مع جمهورٍ مسيحي يفترضون ولاءه البديهي والحتمي والمسلَّم به دون جدال، ولمثل هذه التجربة سابقة بالفعل إبان الحرب الأهلية اللبنانية. 

إنها البنية السياسية الطائفية مجدّدًا، فإذن لا مفر من تناولها في كل حين. فالطائفية نظامٌ يُنتِجُ ذاته عبر رهن كينونة الفرد بالجماعة، وكينونة الجماعة بالنخبة الحاكمة فيها، قبل أن يكون نظامًا لتوزيع المناصب والامتيازات وترتيب آليات الحكم ومواقعه. هي بنيةٌ تُنتج بنًى، وليست بنية الخطاب، المتراوح في تموّجِهِ بين شعارات تُبالغ في القوة وأخرى تُبالغ في الاستسهال، منفصلةً عنها. وقيمة الفرد، في هذه المعادلة كقيمة الجماعة تمامًا، والقيمتان تساويان قيمة «الجدوى» في نظر النخبة الحاكمة المهيمنة في هذه الطائفة أو تلك. ولولا البنية الأولى لما وُجِدَت الثانية متجلّيةً في مبالغة استقوائية هنا واستخفافٍ بمحنةٍ هناك. 

وحين نعود إلى الترّهات التي يغرق فيها الفضاء العام يوميًّا، فإن التفاهة لا تقتصر على عيبٍ استثنائي في نفوس أصحابها، بل هي منتجٌ حتمي لبنيةٍ تفرز التفاهة، بل هي بنيةُ التفاهة والتفاهةُ البنيوية ذاتها في آنٍ معًا. وبالطبع، فإن من الشروط المادية لإعادة إنتاج هذه البنية لنفسها أن تُدفَع أجورٌ شهرية لشخصيات تحريضية لم تعُد تفارق شاشات التلفزة، ترتدي ربطات عنقٍ وبدلات أنيقة، وتتملّكها السخافة من رأسها إلى أخمص قدميها، وصولًا إلى مواقع ومنصات وصحف إلكترونية وورقية تفرض اجترار الروايات نفسها دون أي نقاشٍ نقدي. وليس هذا النسق الأيديولوجي الذي يُفرَض من أعلى، ويتمظهر تقزيمًا وتهميشًا مزدوجًا لكارثةٍ إنسانية غير مسبوقة في جنوبي لبنان، سوى انعكاسٍ لأنساق أيديولوجية متماثلة تُفرَض على كل فردٍ من أفراد المجتمع اللبناني، من مكان العمل إلى مقاعد الدراسة، وحتى أبسط الحقوق الإنسانية. هذه التفاهة امتدادٌ لما هو أشدُّ تفاهةً، وما هو أشدُّ تفاهةً امتدادٌ لشكل وجودنا الاجتماعي المادي على مدى هذه البقعة الجغرافية.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...