22・10・2026
من العدد ٣٩
أشبال للكشافة اليوم... قرابين للولاية غدًا: مأساة كشافة المهدي في لبنان

ليست الكشافة في أصلها مدرسة للعسكر، بل مساحة للتربية والانضباط والعمل الجمعي وخدمة المجتمع. لكن حين تتحول التربية الكشفية إلى أداة للتعبئة الحزبية، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا نُنشئ في وعي الأطفال والناشئة.

عندما تدخل العقيدة الحزبية إلى مرحلة الطفولة، لا تعود المسألة نشاطًا كشفيًّا. تصبح عملية إعداد مبكرة لجيل يحمل الفكرة قبل أن يحمل السلاح.

وهنا يجب أن تكون التسمية واضحة: الكشافة التي تُستخدم لترسيخ عقيدة الأحزاب او ولاية الفقيه ليست مجرد كشافة إنها خزان بشري لمشروع سياسي وعسكري يريد أن يضمن استمراريته من جيل إلى جيل.

المشروع يبدأ من المدرسة والأنشودة والاحتفال والزيّ والانضباط الجماعي، ثم ينتقل إلى صناعة الوعي والولاء. يُقال للطفل من هو البطل ومن هو العدو، ولمن تكون الطاعة، وأي قضية يجب أن تتقدّم على سواها.

وبهذه الطريقة لا يعود الطفل يتعلم كيف يخدم مجتمعه؛ بل يوجّه لمن ينتمي قبل أن تتاح له فرصة اختيار انتمائه بنفسه.

وهنا السؤال الذي يجب ألّا يتهرّب منه أحد:

هل نريد في لبنان كشافة تربّي مواطنين، أم منظومة تربّي جنودًا مؤجَّلين يخرجون على الدولة. 

الطفل اللبناني يجب أن يُربى على أن مستقبله مرتبط بدولته ومجتمعه، لا بمشروع عقائدي عابر للحدود.

المشكلة ليست في طفل يحمل علمًا أو يرتدي بزّة كشفية.

المشكلة في من يضع في رأسه فكرة أن هناك ولاءً أعلى من الوطن، ومرجعية أعلى من الدولة، ومشروعًا أهم من لبنان.

إنها معركة، على الجيل المقبل وعلى الدولة والمجتمع التنبُّه لها، لأن من يربي أطفال اليوم، قد يحدّد لمن ينتمي رجال الغد.

وإذا كان الهدف هو إنتاج جيل يؤمن بأن ولاية الفقيه هي مرجعيته السياسية والعقائدية، فإن «كشافة اليوم» ليست نهاية الطريق.

إنها البداية. وعسكر الغد قد يكونون الآن في الصفوف الأولى، بزيّ كشفي وبعمرٍ لا يزال صغيرًا.

ولعل من الأساسيات عند الأحزاب والحركات الإسلامية هو أدلجة الناشئة على فكرة الولاء المطلق للمرجع والزعيم والقائد من خلال العمل التربوي والتدريس الديني والعقائدي الذي يُمارس حتى في المدرسة الرسمية، عدا عن الجامعات والمدارس والثانويات الخاصة من خلال جمعيات دينية.

جمعية التعليم الديني الإسلامي/ «حزب الله»: 

انصبّ نشاطها على التدريس الديني في المدارس والثانويّات الرسميَّة والخاصّة والاهتمام بإنشاء المدارس الابتدائيَّة والمتوسّطة والثانويّات والمعاهد الفنيَّة وغيرها. أنشأت الجمعية تباعًا مدارس ومعاهد لها. 

جمعية التعليم الرسالي/ «حركة أمل»:

تُعنى بتعليم التربية الدينية في المدارس الرسمية والخاصة بحسب ما هو وارد على موقعها على موقع «فيسبوك»، ولها مدارس «أمل التربوية».

كما لغيرهما في مجتمعات أخرى.

وبالعودة إلى الانطلاقات الأساسية التي عمل عليها «حزب الله» ووفّر لها الاهتمام والإمكانات برعاية نظام الولي الفقيه (المرجع السياسي والديني) الذي يحرّم مخالفته في أي أمر ولو تعارض مع المصلحة الشيعية اللبنانية، فقد عمل الحزب، بشكل منظَّم، على موضوع الناشئة. فبعد إشهاره عن نفسه في رسالته إلى المستضعَفين في شباط ١٩٨٥ والذي أكد من خلالها أن جماعة «حزب الله» في لبنان هي امتداد للأمة التي نصرالله طليعتها في إيران، أسس «حزب الله» كشافة المهدي في المؤتمر التأسيسي الذي انعقد في ١٩٨٦، والتي حازت على ترخيص رسمي في أيلول ١٩٩٢، كما تمّ إنشاء «جمعية مرشِدات المهدي »، في ٢٨ أيلول ٢٠٠٥ بترخيص حمل الرقم ١١٢/١/٢٠٠٥، كما رخّص للكشافة إنشاء مدرسة تدريب مهني خاصة باسم «التدريب الكشفي الفني»، بناء على المرسوم رقم ٣٢٤٨، بتاريخ ١٨ نيسان ٢٠١٦. ويبلغ عدد المنتسبين إليها حاليًا حوالى ٧٥٠٠٠ كشاف ٤٠ % من الإناث و٦٠ % من الشباب. ولعل هذا الاهتمام يتجسد في الهدف من إنشائها، وهو ما يظهر من خلال انتهاج «حزب الله» وكشافته تسخير العمل الكشفي لتأطير الناشئة وتوجيهها في المنحى الولائي المتّبع.

لقد حرص «حزب الله» على تنظيم المخيمات الولائية بشكل منتظم، ففي تموز ١٩٩٠، ورد في جريدة «العهد» الصادرة عن «حزب الله» خبرًا عن نشاط ترفيهي ثقافي رياضي تحت عنوان «مخيم الولاية»، والتسمية هنا تشير إلى تبعية واضحه للولي الفقيه الذي هو خارج الدولة والأرض اللبنانية، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن المنهجية المتّبعة قائمة على ترسيخ نمط ثقافي وفكري وعقائدي خاص يوظف كل أساليب الترويج والتأثير ليؤطر عقول الفتية ويجفف أي حالة انتماء للوطن ليصبح الولاء المطلق مبررًا ومشروعًا لنظام خارج حدوده وهو نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، دولة الإسلام المركزية في العالم كما يصفونها، والتي تلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثّل بالوليّ الفقيه، بحسب وثيقة «حزب الله» بتاريخ ١٦ شباط ١٩٨٥ كما ذكرنا سابقًا. 

ورغم ظهور التوجّه الحزبي المؤطّر والتبعية للخارج إلّا أن الدولة اللبنانية بدل ان تأخذ إجراءات المساءلة والمحاسبة سهّلت حصول «حزب الله» على التراخيص لجمعياته بل وتعاونت معها بشكل وثيق حتى في الحكومات التي أُطلق عليها حكومات ١٤ آذار من خلال وزرائها. وهنا يُطرح سؤال: رغم توافقنا على أمر أن الأحزاب والحركات يمكن لها إنشاء كشافتها وتأسيس جمعياتها الخاصة من دون الرجوع إلى الدولة، بحكم قوتها ونفوذها، لكن كيف لدولة ووزارات أن تمنح شرعية لأعمال ينتج عنها مسار خارج القانون وعليه؟ بحكم التوافق والتخلّص رغم الابتعاد السياسي بينهم وبين «حزب الله». 

وتعقيبًا على ما تقدّم يتبين أن الامتيازات التي حصلت عليها الأحزاب والحركات الشيعية من خلال تراخيص الجمعيات هي بفعل مسايرة ومراضاة ونفوذ الأحزاب نفسها. 

وهذا ما أنتج جمعيات كشفية وجمعيات دينية خرجت بتوجهاتها عن القانون والدولة، ولكن بغطاء الدولة والقانون. 

وهناك من يجب أن يتحمّل المسؤولية عما حصل والمسؤولية على ما سيحصل هي من مهمات الوزارات لأننا لا يمكننا بناء وطن خالٍ من التطرّف الذي يحصل على الدعم من خارج الوطن.

وعليه يجب أن تُعاد صياغة المعايير في اختيار الجمعيات الكشفية لتكون قادرة على فهم الخصائص الفريدة للوطن، بحيث لا يُسمح لأي جهة بفرض فكر متطرف أو حزبي على المجتمع. 

وكلما أجَّلت الدولة العلاج لمنع التدمير التربوي الذي لا يقتصر على الفكر والعقل، سيبقى كل امر خارج القانون مُشرعن ويبقى السلاح غير الشرعي جزء من المنظومة الثقافية المُختزلة في أجندات حزبية كشفية له فتياته اليوم ورجاله غدًا.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
06・10・2026
الطائفة المسجونة عليها أن تتحرَّر
محمد علي الأمين
قد آن للطائفة الشيعية في لبنان أن تتحرر من الفكرة التي اختزلتها منذ سنوات في حزب أو ثنائي أو سلاح. فالطائفة أوسع من أي حزب، وأكبر من أي قيادة، وأغنى من أن تُختصر في موقف سياسي واحد. وكما لا يحق لطائفة أن تختزل لبنان، لا يحق لفريق أن يختزل طائفة بكاملها. وهذا ليس خلافًا على التمثيل فقط، بل على حق الإنسان الشيعي في أن يكون مختلفًا، وأن يسأل، وأن يعترض، وأن ينتقد، وأن يختار من دون خوف.
03・02・2026
شيعي تحت سيطرة الحياة اليومية
محمد علي الأمين
«نحن السجناء» توصيف دقيق لمواطنة منقوصة، يُمنع فيها التعبير الحر، ويحوّل فيها المجتمع إلى مساحة صمت. هنا لا تُسجَن الأجساد فقط، بل تُسجن الكلمة، ويُجرم اللقاء، ويُصنّف الناس بحسب الولاء.
03・02・2026
من أين أبدأ يا لقمان؟ حين صار الخوف صفرًا ولم ننكسر
محمد علي الأمين
صوت يُحرج الصمت قبل السلاح. اخترت أن تقول «لا» في زمنٍ صارت فيه النعم شرطًا للنجاة واخترت أن تكون لبنانيًّا شيعيًّا حرًّا في زمن أُريد فيه للهوية أن تكون قيدًا لا أفقًا. عرفتَ باكرًا أن الخوف ليس شعورًا فرديًّا فقط، بل نظام حكم.