21・10・2026
من العدد ٣٩
أعلام الخلاف تكشف خطورة الاحتقان في الجنوب

قد تبدو حادثة حومين الفوقا، في ظاهرها، خلافًا عاديًّا حول أعلام، لكنها في مضمونها تكشف مشكلة أكثر عمقًا تتصل بطبيعة العلاقة بين جمهورَي «حركة أمل» و«حزب الله» في الجنوب وفي كل المناطق، وبمدى قدرة الطرفين على ضبط التنافس بينهما ومنع تحوّله إلى احتكاك ميداني، خصوصًا في ظلّ حروب المقتَلة التي ساق «حزب الله» إليها لبنان وبالأخصّ الجنوب، فالقضية بدأت برفع علم «حركة أمل» على أرض مشاع تابعة للبلدية، ثم إزالته من قِبل مناصرين لـ«حزب الله»، قبل أن يُعاد تثبيته بالباطون، لتأتي الخطوة المقابلة برفع العلم الإيراني على سطح منزل مجاور. وهنا لم يعد الأمر اختلاف على رمز، بل أصبح تبادلًا للرسائل السياسية عبر الشارع.

اللافت في هذه الواقعة أن طرفَي الخلاف ينتميان إلى البيئة الاجتماعية والسياسية نفسها، وهما كما يُعلنان في حلف لا فُكاك منه، لذلك فإن أي احتكاك بينهما لا يبقى محصورًا بالجهة التي بدأ منها. فالجنوب يعيش أصلًا ظروفًا استثنائية بفعل الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل أي توتر داخلي أكثر خطورة من حجمه المباشر. وفي بيئة مثقلة بالضغوط، يمكن لخلاف صغير على ملكية عامة أو رمز حزبي أن يتحول، إذا تكرر، إلى حالة استقطاب يصعب احتواؤها.

وهنا تبرز مسؤولية «حركة أمل» و«حزب الله» معًا. فالتنافس السياسي بينهما ليس جديدًا، لكن تحويله إلى منافسة على الأرض والرموز والنفوذ المحلي في وقت يشهد الجنوب تدميرًا ممنهجًا يفتح مسارًا مختلفًا. السياسة تحتمل الاختلاف، أما الشارع فيُنتج حساسيات وردود فعل يصعب التحكّم بها، خصوصًا عندما يصبح كل تصرّف مبررًا لتصرّف مقابل. وفي هذه الحالة، فإن تثبيت علم بالباطون أو رفع علَم دولة أجنبية لا يعود محصورًا بتعبير سياسي، بل يتحول إلى اختبار قدرة كل طرف على فرض حضوره. 

ومن هذه الزاوية، كان اللجوء إلى القضاء هو المسار الطبيعي لإنهاء الإشكال. فالقرار بإزالة علم «حركة أمل» من أرض المشاع والعلَم الإيراني، استنادًا إلى القاعدة القانونية المتعلقة برفع أعلام الدول الأجنبية، أعاد القضية إلى مرجعيتها المؤسساتية. لكن نجاح القضاء في إنهاء الحادثة لا يعني أن المشكلة السياسية انتهت؛ إذ إن معالجة النتيجة لا تعالج بالضرورة المناخ الذي أنتجها.

وهنا تحديدًا تكمن النقطة الأكثر حساسية، لا يجوز أن يصبح القضاء بديلًا عن المسؤولية السياسية للقوى المعنية. فإذا كانت كل حادثة تحتاج بعد وقوعها إلى تدخل قضائي أو أمني لوقفها، فهذا يعني أن آليات ضبط الاحتقان الاسي لم تكن كافية. المطلوب ليس فقط إزالة الأعلام بعد نشوب الخلاف، بل منع تحويل الرموز والممتلكات العامة والمساحات المحلية إلى أدوات لتسجيل النفوذ.

كما أن النقاش حول وجود أعلام لدول أخرى في بيروت أو على طريق المطار لا ينبغي أن يتحول إلى سجال حول ازدواجية المعايير يبرر مخالفة أخرى. المبدأ الأصحّ هو أن القانون يجب أن يطبَّق على الجميع وبالمعيار نفسه، لأن انتقائية تطبيقه تضعف الثقة بالمؤسسات، بينما تعميمه يحول دون استخدام كل واقعة سابقة كذريعة لواقعة لاحقة.

الأخطر في استمرار هذه المناخات أن الخلاف السياسي قد يتسرب تدريجيًّا إلى العلاقات الاجتماعية. فالجنوب ليس مساحة نفوذ سياسي فقط، بل مجتمع مترابط تتداخل فيه العائلات والبلديات والقرى والاعتبارات المحلية. وعندما تنتقل المنافسة من الخطاب السياسي إلى الاحتكاك بين المناصرين، يصبح احتمال توسّعها أكبر، وقد تتحول حادثة محدودة إلى تراكم من الحساسيات يصعب تفكيكه لاحقًا.

لذلك فإن ما جرى في حومين الفوقا يستحق قراءة سياسية تتجاوز تفاصيل الأعلام. فهو يكشف ضرورة وضع حدود واضحة للتنافس بين الطرفين، خصوصًا في مرحلة يحتاج فيها الجنوب إلى تخفيف الاحتقان لا إلى إنتاج توترات إضافية. وليس المطلوب إلغاء الاختلاف بين «حركة أمل» و«حزب الله»، فهذا جزء من الحياة السياسية، بل منع الخلاف من التحوُّل إلى منافسة ميدانية تضع السلم الأهلي أمام اختبار غير ضروري.

فالجنوب يواجه تحديات أكبر بكثير من أن يحتمل معارك داخلية على الرموز. وأي طرف يعتقد أن تثبيت حضوره من خلال الشارع يعزِّز موقعه السياسي قد يساهم، من حيث لا يريد، في إضعاف البيئة التي يمثّلها. المطلوب أن تبقى المنافسة في السياسة، وأن يكون القانون هو الحكَم عندما ينشأ خلاف، وأن تتولى القيادات السياسية مسؤولية ضبط جمهورها قبل أن تتحول الحوادث الصغيرة إلى وقائع يصعب احتواؤها.

ما حدث في حومين الفوقا انتهى بإزالة الأعلام وامتثال الجميع للقرار القضائي، وهذه نقطة إيجابية، لكن الأهم هو منع تكرار الظروف التي أنتجت الحادثة. فالمشكلة الحقيقية ليست في علَم أزيل أو علَم رُفع، بل في أن يتحول الخلاف بين حليفين متنافسين داخل بيئة واحدة إلى صراع على الرموز والمساحات والنفوذ. وإذا لم يُضبط هذا المسار مبكرًا، فإن كلفته لن تبقى سياسية، بل قد تطال الاستقرار الاجتماعي في الجنوب كله وربما تمتد إلى مناطق أخرى، وبدل استحضار سلوكيات سابقة من أيام النزاع الدموي فليتقدّم من ورّط الجنوب ولبنان بحروب الإسناد لتحمُّل مسؤولية ما آلت إليه الأمور من دمار وخراب وتهجير، بدل التغطية على الفشل بالعودة الى ممارسات عفا عليها الزمن، تنمُّ عن إفلاس وهروب من الامتثال للحقيقة الساطعة.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
29・09・2026
بشير الجميل: الرئيس الذي ذهبت الدولة معه إلى قبره
داود رمّال
الأهم من ذلك أن اهتمام بشير بالمنطقة الغربية لم يكن فقط اهتمام عسكري بما يفعله الخصم. كان يريد معرفة أوضاع الناس هناك بصورة مستمرة. وكان على تواصل دائم مع أصدقاء له من سياسيين وصحافيين في المنطقة الغربية، ويسأل عن توافر المواد الأساسية، وعن الغذاء والدواء والمحروقات، وعن الأسعار وكيفية مساعدة السكان. وكان يعمل على تسهيل تمرير الطحين والأدوية بالتنسيق مع شخصيات في المنطقة الغربية...
11・09・2026
حين تصبح العمامة حزبية؛ قراءة في ملاحظات الشيخ محمد مهدي شمس الدين
داود رمّال
تتجاوز ملاحظة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بشأن عدم مشروعية انتماء رجل الدين إلى حزب سياسي حدود الموقف من العمل الحزبي بالمعنى التنظيمي الضيق، لتلامس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الوظيفة الدينية وموقعها في المجال العام. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان رجل الدين يستطيع أن يكون سياسيًّا أو أن يتخذ موقفًا من قضايا الدولة والمجتمع...
01・09・2026
لبنان ليس روح إيران
داود رمّال
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم وفرَصهم التنموية نتيجة تراكم الصراعات على أرضهم. عشرات آلاف العائلات عاشت دورات متتالية من النزوح والخوف والانهيار وفقدان المستقبل. إن الدولة اللبنانية، وفق دستورها ومنطق القانون الدولي، ليست ملكًا لأي محور، ولا تشكل امتدادًا روحيًّا أو أمنيًّا أو سياسيًّا لأي دولة أخرى. لبنان ليس «روح» أحد، بل وطن لمواطنيه وحدهم.