.jpg)
لا يُقاس الزمن في جنوبي لبنان بالشهور أو بالسنوات، ولا يُحسب بتعاقب الفصول التقويمية المدوّنة على الورق؛ بل يُقاس بفصول الشجر والزيتون، وبمواعيد الفلاحين مع الأرض عند انبلاج الفجر، وبأصوات الضحكات التي تتردد في باحات البيوت العتيقة. لكن الحرب حين تعصف بالقسوة والحديد، تجرف معها التقويم بأكمله، وتقتلع سكينة الأيام من جذورها، وتترك الناس يرقبون ساعاتهم المعطّلة التي تسمّرت عقاربها على لحظة الرحيل الشاق والخَطو المجهِد نحو المجهول.
في بلدة زوطر الغربية، الرابضة على تلال الجنوب الشامخة، لم يكن بيت الأب والأم مجرد بناءٍ مرصوصٍ من الحجارة والباطون، ولا مجرد مساحة هندسية تُقاس بالأمتار؛ بل كان الشريان الحقيقي الذي يربط القلوب، والركيزة الصلبة التي تُثبّت أوتاد العائلة مهما عَصفت بها رياح الحياة. بعد رحيل الوالدين وغيابهما الأبدي، ظلَّ البيت قائمًا بذكراه الفوّاحة ودفئه الممتد، تتعهده الحجة «أم رضا» وتصون مفتاحه كأنه أمانةٌ مقدسة. لم يكن أحدٌ من الأبناء أو الأحفاد بحاجةٍ مادية إلى العيش فيه، إذ كانت لكل واحد منهم حياته وبيته؛ لكن الجميع كانوا في حاجة روحية ماسّة إلى الشعور بأنه ما يزال شاخصًا في مكانه، شامخًا بعتبته التي شهدت أولى خطواتهم في الدنيا.
كان البيت ملاذًا يلتقي فيه الجميع في صبيحة كل عيد، ويؤمُّه المسافر فور عودته من غُربته ليلقي عن كاهله تعب الطريق. وفي كثير من الأيام، وبلا أدنى مناسبة أو ترتيب مسبق، كانت «أم رضا» تفتح أبوابه العريضة لتجمع الأولاد والأحفاد حولها؛ فيمر أحدهم ليوفر الخبز الطازج، وتحضّر الأخرى طبخةً محببة، بينما يهرع الأطفال لملء الغرف والأروقة التي شهدت طفولة آبائهم بالضحكات والألعاب والمرح. كان ذلك البيت هو المكان الوحيد في هذا العالم الذي لا يشعر فيه أحدٌ بأنه ضيف؛ يرتاد الجميع مطبخه بكل حرية، ويعرفون أماكن أوانيه وفناجين قهوته، ويفتحون برّاده بلا استئذان، ويتمددون في غرَفه إذا أخذ منهم النعاس. لقد كان العنوان الشامل الذي يجمع أشتاتهم، والسكينة العميقة التي يفيء إليها الجميع كلما قست عليهم الأيام.
ثم ألمّت النكبة بالقرية والبلاد، وجاء أمر الإخلاء القسري المباغت تحت لهيب القصف والدخان.
إن النزوح ليس مجرد مسافة جغرافية تُقطع بالسيارات بين القرية والملاذ الجديد؛ بل هو عملية بتر بطيئة ومريرة للذاكرة والروح. يحمل المرء هويته، ويقبض بيده المرتجفة على مفتاح الدار، ويقتلع صورة والده المعلّقة على الحائط منذ عقود، ثم يمضي مستلقيًا ألمه القاسي. يخرج وهو يلتفت إلى الخلف عشرات المرات، يعتقد واهمًا أنه يغلق الباب لليلتين أو ثلاث، ليجد نفسه يعاني أشهرًا طويلة وقاسية في مراكز الإيواء وتحت السقوف المستعارة.
هناك، بين جدران المدارس الباردة والغريبة، كان الأطفال يتعلمون كيف يخبّئون خوفهم الذبيل خلف ابتسامات باهتة، بينما تحاول الأمهات مغالبة العجز وقلة الحيلة وهنّ يبحثن عن دفء مفقود. وفي كل صباح، كان الحاج «أبو رضا» يستيقظ مع تباشير الضوء الأولى، ليقف عند شرفة المدرسة متطلعًا نحو الجنوب، يستنشق الهواء علّه يشتمُّ فيه رائحة تراب زوطر وزيتونها المحروق، مصابرًا بصلابة الجنوبي الذي يأبى أن ينكسر أمام الغربة والنزوح.
وحين صمتت المدافع أخيرًا وتوقفت ألسنة النيران، وأُعلنت لحظة العودة، لم تكن رحلة الرجوع فرحًا خالصًا كما توحي شاشات التلفزة؛ بل كانت نزولًا صريحًا إلى قاع الجرح المفتوح. عادت السيارات المحمّلة بالحقائب والناس، وهم يحملون حزن المقابر في نفوسهم، يفتشون بذاكرة الأشجار والتضاريس ليتعرفوا على معالم حاراتهم، بعد أن تشوهت معالم القرية وتداخلت أبنيتها لتتحول إلى تلال هائلة من الإسمنت والحديد المتداخل.
وقف الحاج «أبو رضا» وزوجته الحجة أمام الركام الحزين لبيتهما العتيق. لم تكن اللحظة الأصعب هي يوم الرحيل والنزوح الأول، بل كانت لحظة الوقوف فوق أطلال بيت العمر للتفتيش بين التراب والباطون المحروق عن بقايا حياة كاملة. انحنَت الحجة «أم رضا» تمسح دموعها بكفها المتعبة وهي تنبش التراب برفق وحسرة؛ تبحث عن صاجها القديم الذي طالما خبزت عليه مع طلوع الفجر، وعن قوارير الحبق والنعناع التي زرعتها شتلة شتلة وسقتها بعرق جبينها.
وهناك، من تحت السقف المهدوم والحديد الملتوي، بدأوا يستخرجون بقايا أزمنتهم الجميلة: فنجان الأم المشقوق وقد انكسر شطرين تحت البلاط، سترة الأب المحروقة التي ظلّت معلقةً خلف الباب لسنوات، وعلبة الخياطة الخشبية، وصينية القهوة النحاسية المحطمة التي كانت تزيّن مجالس الأعياد. لم يكونوا ينقّبون بين الحجارة ليجمعوا أمتعة أو أغراضًا، بل كانوا يجمعون أجزاء عمرٍ كامل تناثر تحت الرماد، وكلما رفع أحدهم غرضًا مغبَّرًا وسأل بصوت متهدِّج: «مين بده هاد؟»، كان الجميع يشعرون بأنهم يوزعون ذاكرتهم الحية بين الأكياس والكراتين.
جالست «أم رضا» زوجها على بلاطة المطبخ المحروقة، وبكت على تعب السنين وعلى صوَر الأولاد وهم صغار. غير أن الحاج «أبو رضا» أوقد نارًا صغيرة من أخشاب النافذة المحترقة، وغلى إبريقًا من القهوة وسط الخراب الشامل ليُعيد للروح توازنها. وحين سألهما ابن أخيهما بدموع تتشرّق من الهول: «يا عمي، أين ستنامان الليلة والبيت مهدَّم بالكامل ولا يوجد سقف يحميكما؟». أجابه الحاج بثباتٍ راسخ كجبال الجنوب: «يا بني، البيت ليس مجرد حجارة وسقف يظلِّلان الجسد؛ البيت هو هذه الأرض التي نَطأُها والكرامة التي نحملها في أجسادنا. سأنصُب خيمتي هنا، فوق هذا الركام تحديدًا. لقد هدموا الحجر وحرقوا الصاج، لكنهم لم يستطيعوا أن يهدموا الإرادة، ولن ينجحوا في تهجير الأرواح من أجسادها».
ومرّت الأيام، وحين أقبل أول عيد بعد العودة والجلوس فوق الركام، كتب أحد الأبناء على مجموعة العائلة عبر الهاتف: «طيب… بالعيد وين بدنا نجتمع؟».
ولأول مرة في تاريخ العائلة، ظلّ السؤال حينًا يتردد بلا جواب. فالجميع بات لديهم منازل مؤقتة أو بيوت مستأجرة بديلة، وكل واحد منهم سارع بدعوة الآخرين قائلًا: «تعالوا لعندي». لكن الجميع أدركوا في تلك اللحظة بالذات الفرق المُرّ والعميق: ففي بيت أخيك أنت في النهاية ضيف عزيز، وفي بيت أختك - مهما بلغت المحبة والقربى - ستلقى الترحيب بكلمة «تفضل»... أما بيت الأهل، فلم يكن أحدٌ ينتظر فيه يومًا أن يُقال له «تفضل» أو يُستأذن قبل الدخول.
إن البيوت حين تُدمّر وتختفي تحت الركام، لا تنقص العائلة فردًا بفرار أو غياب... لكن العائلة تخسر بها العنوان الوحيد والمطلق الذي كان الجميع يعودون إليه في كل وقت، دون أن يكونوا فيه ضيوفًا.
إن نكبة بلدة زوطر الغربية وكل قرى الجنوب ليست مجرد حكاية عابرة عن دمار وخسارات مادية؛ بل هي تجسيد ملهم وحي لإرادة الحياة في مواجهة المحو والإبادة. إن ركام البيوت المحروقة اليوم ليس شواهد على الهزيمة أو الانكسار، بل هو قواعد صلبة لبيوت جديدة ستنهض قريبًا من تحت التراب، تحمل الذكريات ذاتها، وتفوح منها رائحة خبز الصاج، وضحكات الأطفال، والأمل والشمس من جديد.





