.jpg)
ما تُظهره الوقائع أن رغبة الحزب بالمضيّ قُدمًا في نهجه الحرب، أمر لم يعد مستساغًا من قِبل شريحة لا يُستهان بها من أبناء الطائفة الشيعية، وبطبيعة الحال بيئته التي بدأت تفكر بأن خلاصها لن يكون عبر الاستمرار في قتال لم يعد يجدي نفعًا خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي لم تنته حتى الآن، وذهب ضحيتها الآلاف من أبناء الطائفة ودُمرت أرزاقهم وممتلكاتهم.
هذا التحول هو ما دفع الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم إلى اعتماد لغة صُنِّفت في خانة الإيجابية في خطابه الأخير، غير أن هذا التصنيف لا يلغي أن الرجل اعتمد في الظاهر كلامًا مفاده الاستعداد لبحث جملة ملفات بينها حصرية السلاح بيد الدولة، وفق الأطر الدستورية، المعمول بها، وهذه هي المرة الأولى التي يشير فيها الحزب إلى هذا الأمر بهذه الطريقة، غير أنه في الباطن قيّد ذلك بشروط بينها انسحاب إسرائيل من الجنوب بشكل كامل، وعدم الرضوخ لأي وصاية خارجية، وفي هذا تكريس لفكرة عدم تسليم السلاح تحديدًا حين قال بوضوح: «خيار المقاومة سيبقى قائمًا ما دام العدوان الإسرائيلي مستمرًّا». ومن هذا المنطلق يبدو أن قاسم حاول استرضاء الدولة شكلًا، لكن الأهم كان التودّد إلى بيئته التي باتت تعبّر علنًا عما لم تكن تجرؤ على الهمس به في سرها.
لا يملك «حزب الله» حاليًّا الكثير من الخيارات. ثمة خسائر تعوّض لكن الدمّ لا يعوّض. وبالتالي فإن الحزب مُطالب بإعادة قراءة لفكرة المحاور ومعالجة نزعته إلى القتال من باب إيجاد تعريف واضح لأي معركة يتحمّس للانخراط فيها. فإذا كانت حربه تحريرية، كما يزعم، فإن جنوبي لبنان لم يكن محتلًّا قبل حرب الإسناد الأخيرة، وإذا كانت في سبيل القضية الفلسطينية فتلك قضية مُحقة لكن لا يمكن لفئة عربية إسلامية واحدة أن تأخذها على عاتقها. فالحل هنا يجب أن يكون إسلاميًّا عربيًّا شاملًا يأخذ حقوق الفلسطينيين في الاعتبار.
ما نخشاه وبقوة هو أن تكون حروب الحزب عقائدية «مقدّسة» لا علاقة لها بتحرير الأرض، أو الدفاع، فيما تدفع الكلفة بيئة منكوبة ومُنهكة، وهذا ما يرجًح ارتفاع حدة الانتقادات داخل أبناء الطائفة الشيعية مستقبلًا على أمل ألّا تتطور إلى إشكالات قد لا تُحمد عُقباها.





