15・10・2026
من العدد ٣٩
الدمّ لا يعوّض... هل يصطدم «حزب الله» ببيئته؟

البيئة ليست بخير. ذلك ما تقول به أحداث متزايدة ظهرت في بعض أوجهها وكأنها تحدٍّ لسلطة الأمر الواقع التي يفرضها «حزب الله» في مناطق سيطرته من ضاحية بيروت الجنوبية وصولًا إلى قرى الجنوب وبعلبك وسواها. فما كان ممنوعًا منذ سنوات خلَت بات يظهر حاليًّا على شكل تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر أشرطة مصوّرة تتضمن جرأة في انتقاد أداء الحزب سواء لجهة استمراره في معاركه من داخل القرى المأهولة، أو عبر انتقادات لحروب الإسناد التي خاضها ولا يزال يفكر فيها حتى اليوم، على الرغم من الموت والدمار الذي حلَّ بأبناء الطائفة الشيعية في لبنان.

ما تُظهره الوقائع أن رغبة الحزب بالمضيّ قُدمًا في نهجه الحرب، أمر لم يعد مستساغًا من قِبل شريحة لا يُستهان بها من أبناء الطائفة الشيعية، وبطبيعة الحال بيئته التي بدأت تفكر بأن خلاصها لن يكون عبر الاستمرار في قتال لم يعد يجدي نفعًا خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي لم تنته حتى الآن، وذهب ضحيتها الآلاف من أبناء الطائفة ودُمرت أرزاقهم وممتلكاتهم. 

هذا التحول هو ما دفع الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم إلى اعتماد لغة صُنِّفت في خانة الإيجابية في خطابه الأخير، غير أن هذا التصنيف لا يلغي أن الرجل اعتمد في الظاهر كلامًا مفاده الاستعداد لبحث جملة ملفات بينها حصرية السلاح بيد الدولة، وفق الأطر الدستورية، المعمول بها، وهذه هي المرة الأولى التي يشير فيها الحزب إلى هذا الأمر بهذه الطريقة، غير أنه في الباطن قيّد ذلك بشروط بينها انسحاب إسرائيل من الجنوب بشكل كامل، وعدم الرضوخ لأي وصاية خارجية، وفي هذا تكريس لفكرة عدم تسليم السلاح تحديدًا حين قال بوضوح: «خيار المقاومة سيبقى قائمًا ما دام العدوان الإسرائيلي مستمرًّا». ومن هذا المنطلق يبدو أن قاسم حاول استرضاء الدولة شكلًا، لكن الأهم كان التودّد إلى بيئته التي باتت تعبّر علنًا عما لم تكن تجرؤ على الهمس به في سرها. 

لا يملك «حزب الله» حاليًّا الكثير من الخيارات. ثمة خسائر تعوّض لكن الدمّ لا يعوّض. وبالتالي فإن الحزب مُطالب بإعادة قراءة لفكرة المحاور ومعالجة نزعته إلى القتال من باب إيجاد تعريف واضح لأي معركة يتحمّس للانخراط فيها. فإذا كانت حربه تحريرية، كما يزعم، فإن جنوبي لبنان لم يكن محتلًّا قبل حرب الإسناد الأخيرة، وإذا كانت في سبيل القضية الفلسطينية فتلك قضية مُحقة لكن لا يمكن لفئة عربية إسلامية واحدة أن تأخذها على عاتقها. فالحل هنا يجب أن يكون إسلاميًّا عربيًّا شاملًا يأخذ حقوق الفلسطينيين في الاعتبار. 

ما نخشاه وبقوة هو أن تكون حروب الحزب عقائدية «مقدّسة» لا علاقة لها بتحرير الأرض، أو الدفاع، فيما تدفع الكلفة بيئة منكوبة ومُنهكة، وهذا ما يرجًح ارتفاع حدة الانتقادات داخل أبناء الطائفة الشيعية مستقبلًا على أمل ألّا تتطور إلى إشكالات قد لا تُحمد عُقباها.

 

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
28・10・2026
واشنطن تطرق باب الشيعة: هل تفصل الطائفة عن الحزب؟ من زيارة السفير عيسى للمجلس الشيعي إلى خطاب «الجنوب لا ينتمي لميليشيا»
أدهم جابر
لم تكن زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية بروتوكولية، فهي حملت في شكلها ومضمونها رسالة مباشرة إلى البيئة الشيعية وكأنها تشي بولادة مسار أميركي جديد. تعليقًا، وصفت مصادر المجلس الزيارة بـ«الصريحة للغاية»، وهذا توصيف يعكس تحوّلًا في المقاربة الأميركية تجاه الشيعة في لبنان...
03・02・2026
عن قضايا الطائفة الشيعية بعد حرب ٢٠٢٤
أدهم جابر
حتّى اليوم لم تنتهِ تبِعات الحرب التي بدأت منذ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣. هذا الوضع القائم الذي يمكن اختزاله بحالة «اللاحرب، واللاسلم»، شكّل أساس الرأي العام الذي تبلوَر لدى أبناء الطائفة الشيعية وسواهم من أبناء الطوائف الأخرى الذين يعيشون في مناطق سيطرة «حزب الله».