.jpg)
بدأ أيلول ٢٠٢٦ على وقع مفارقة حادة بين المسار الدبلوماسي الذي كانت الدولة اللبنانية تراهن عليه لوقف الاعتداءات الإسرائيلية واستعادة أراضيها، والتطورات العسكرية التي كانت تسير في الاتجاه المعاكس. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى جولة ثامنة محتملة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في روما، كانت القوات الإسرائيلية توسّع عملياتها في الجنوب، ولا سيما في مرتفعات علي الطاهر والمنصوري ومحيط النبطية. وشمل عمليات تفجير واسعة للأنفاق والمباني، وتوغلات متكررة، وتجريفًا وإحراقًا للمنازل والممتلكات، بما جعل التفاوض عاجزًا عن إحداث تغيير ملموس في الوضع الميداني.
شكّلت مرتفعات علي الطاهر نقطة التحول الأساسية خلال الشهر. فقد انتقلت من موقع عسكري تدور حوله محاولات التفاوض والتسوية إلى ساحة لعملية إسرائيلية واسعة بلغت ذروتها في ١٠ أيلول، حين نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرًا ضخمًا في المنطقة، أحدث موجات أرضية سجّلها المركز الوطني للجيوفيزياء. وتزامن ذلك مع إعلان إسرائيلي عن تدمير شبكة أنفاق ومنشآت عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، وتأكيد سياسي على استكمال ما وصفته إسرائيل بالمنطقة الأمنية في الجنوب.
ترافق هذا التحول مع اتساع الكلفة الإنسانية والاجتماعية، خصوصًا بعد الغارات التي استهدفت كفررمان ودير الزهراني ومحيط النبطية في الأسبوع الأول من الشهر. وأعادت هذه التطورات طرح مسألة أمن السكان وحقهم في العودة، فيما برز «نداء النبطية الثاني» بوصفه تعبيرًا عن توجه داخل المجتمع المحلي يطالب بتعزيز حضور الجيش وسلطة الدولة. وفي المقابل، تمسّك «حزب الله» بـ«خيار المقاومة»، واعتبر أن الاعتداءات الإسرائيلية تؤكد فشل «اتفاق الإطار» والرهان على الوساطة الأميركية. أما «حركة أمل»، فواصلت رفض التفاوض تحت النار، لكنها أبقت الجيش والمؤسسات والغطاء الدولي في صلب مقاربتها، بما أظهر تمايزًا في الأدوات السياسية، رغم التقاطع مع الحزب في اغلب الملفات والخطابات.
انتهى أيلول من دون استئناف واضح لمفاوضات روما، على الرغم من استمرار الاتصالات الدبلوماسية، ومنها اللقاءات اللبنانية–الأميركية في واشنطن خلال الأيام الأخيرة. وتمسكت رئاسة الجمهورية والحكومة بحصرية السلاح ودور الجيش وبالمسار السياسي، لكنهما واجهتا صعوبة في تحويل هذه العناوين إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ. وفي الوقت نفسه، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية، وتزايد القلق بشأن مستقبل «اليونيفيل» والفراغ المحتمل في آليات المراقبة الدولية. وبذلك، انتقل لبنان من أزمة تتعلق بجدوى التفاوض إلى معضلة أوسع: كيف يمكن الجمع بين وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب، واستعادة سلطة الدولة، ومعالجة ملف السلاح، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو ترك الجنوب أمام ترتيبات أمنية تفرضها إسرائيل منفردة؟
احتلت مرتفعات علي الطاهر موقعًا مركزيًا في التطورات العسكرية والسياسية خلال أيلول، بعدما شكّلت في نهاية آب محورًا للتصعيد والتهديدات المتبادلة. ففي الأيام الأولى من الشهر، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استمرار العمليات ضد منشآت وأنفاق تابعة لـ«حزب الله» في المرتفعات، وعن نقاشات داخل القيادة العسكرية الإسرائيلية بشأن مستقبل السيطرة عليها وإمكان تسليمها لاحقًا إلى الجيش اللبناني. لكن هذه الاحتمالات تراجعت أمام تسارع العمليات العسكرية، التي نقلت الموقع من دائرة التفاهمات المحتملة إلى دائرة الحسم الإسرائيلي بالقوة.
في ٣ أيلول، أعلنت إسرائيل تحقيق سيطرة عملياتية على المرتفعات، وتحدثت تقارير لاحقة عن تدمير منشآت وممرات تحت الأرض، والعثور على جثامين مقاتلين من «حزب الله». وقدّمت المصادر الإسرائيلية العملية باعتبارها استهدافًا لبنية عسكرية رئيسية، بينما شكّكت مواقف صادرة عن الحزب في حجم المنشآت كما عرضته الرواية الإسرائيلية.
واصلت القوات الإسرائيلية، خلال الأيام التالية، تنفيذ الغارات والقصف حول المرتفعات ومحيط أرنون وكفرتبنيت والنبطية الفوقا، بالتزامن مع تحركات للجرافات والآليات الثقيلة. وتحدثت تقارير في ٦ أيلول عن تفجير عدد من الأنفاق بصورة متزامنة في نطاق يمتد من قلعة الشقيف إلى علي الطاهر، قبل أن تتسع العمليات في ٩ و١٠ أيلول. ويشير هذا التسلسل إلى أن العملية لم تكن ضربة منفصلة، بل مسارًا متدرجًا استهدف تدمير البنية الموجودة في المرتفعات وإعادة تشكيل طبيعتها العسكرية.
بلغ التصعيد ذروته مساء ١٠ أيلول، حين نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرًا واسعًا أحدث ارتجاجات في مناطق جنوبية متعددة. وأكد المركز الوطني للجيوفيزياء تسجيل موجات أرضية في محطاته نتيجة التفجير، فيما تراوحت التقديرات المنشورة لقوة الاهتزاز المكافئة بين ٤٫١ و٤٫٢ درجة. وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استخدام نحو ١١٠٠ طن من المتفجرات وتدمير أجزاء واسعة من شبكة أنفاق، وهي تفاصيل مستمدة من الرواية الإسرائيلية، ولا تتوافر في المواد قرائن مستقلة كافية لتأكيدها.
سياسيًا، أعلن بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن تدمير المنشآت في علي الطاهر يستكمل إنشاء منطقة أمنية إسرائيلية في الجنوب، مع تأكيد استمرار الوجود العسكري فيها. وقد حمل هذا الإعلان دلالة تتجاوز تدمير الأنفاق؛ إذ ربطت إسرائيل العملية بمشروع أوسع لإقامة ترتيبات أمنية تتحكم من خلالها بالأرض والمواقع المرتفعة، بما يعزز قدرتها على المراقبة والضغط على القرى والممرات المحيطة.
ومع ذلك، لم تعنِ العملية انتهاء الجدل بشأن السيطرة على المرتفعات. فقد تحدثت تقارير إسرائيلية بعد التفجير عن احتمال مغادرة القوات بعض المواقع مع الاحتفاظ بنقاط تسمح بالسيطرة بالنيران، ثم وردت أخبار عن انسحاب موضعي باتجاه قلعة الشقيف. لكن القصف اللاحق لمحيط علي الطاهر، واستمرار الحركة العسكرية في المناطق المجاورة، لا يتيحان اعتبار ذلك انسحابًا شاملًا أو تسليمًا نهائيًا للموقع إلى الجيش اللبناني.
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، كشفت العملية ضيق الهامش المتاح لانتزاع نتائج ميدانية من التفاوض. فالموقع الذي دار البحث بشأن إمكان تسليمه ضمن ترتيبات أمنية أصبح موضوعًا لعملية واسعة فرضت نتائجها قبل الوصول إلى تفاهم. وفي المقابل، واجه «حزب الله» ضغوطًا سياسية وإعلامية بسبب حجم العملية وما طرحته من أسئلة عن فعالية البنية الدفاعية وقدرة الحزب على منع التقدم الإسرائيلي. لكن خطابه لم ينتقل إلى إعلان مراجعة لـ«خيار المقاومة»، بل استمر في التركيز على الصمود ورفض اعتبار التدمير المادي حسمًا للمواجهة.
لم يقتصر التصعيد خلال أيلول على علي الطاهر. فقد أظهرت مواد الرصد استمرار العمليات الإسرائيلية على جغرافيا واسعة من الجنوب، مع تمركز واضح للضربات في محيط النبطية، والقرى الواقعة على خطوط التماس، والمناطق التي شهدت محاولات إسرائيلية لتثبيت مواقع أو توسيع السيطرة. وشملت العمليات غارات جوية وقصفًا مدفعيًا، وتفجير منازل وأبنية، وتحركات للدبابات والجرافات، وإلقاء متفجرات وقنابل حارقة من الطائرات المسيّرة. وكان تكرار هذه الأشكال من العمليات أهم من أي حادث منفرد، لأنه عكس استمرار الضغط الميداني بصرف النظر عن حركة التفاوض.
المنصوري — تدمير متواصل لشروط العودة
برزت المنصوري في قضاء صور بوصفها أحد أكثر المواقع تعرضًا للتفجير والتجريف والإحراق. فمنذ الأيام الأولى من الشهر، توالت فيها عمليات القصف وتفجير المنازل، وسُجّلت تحركات لدبابات «ميركافا» وجرافات إسرائيلية في محيطها، إلى جانب استخدام مسيّرات لإلقاء مواد متفجرة على مبانٍ وممتلكات.
بلغت العمليات كثافة لافتة بين ٧ و١١ أيلول. ففي ٨ أيلول، تحدثت التغطيات عن ثماني عمليات نسف وتفجير خلال اليوم، ثم استمر التدمير في اليوم التالي، مع استهداف المدرسة الرسمية وإلقاء مواد متفجرة على سطحها، قبل الإبلاغ عن تدمير قسم كبير منها. وتواصلت العمليات لاحقًا، بما فيها إحراق المنازل وتحركات الآليات وقصف الأحياء السكنية.
لا تكمن دلالة هذه الوقائع في عدد التفجيرات وحده، بل في طبيعة الأهداف التي شملتها. فتدمير المنازل والمدارس والطرق والمرافق المحلية يرفع كلفة العودة حتى إذا توقف القصف، ويجعل إعادة الاستقرار مشروطة بإزالة الركام والمتفجرات وإعادة الخدمات والبنية التحتية. وهكذا، تحولت المنصوري إلى مثال واضح على أن السيطرة العسكرية لا تُقاس فقط بالوجود المباشر للقوات، بل أيضًا بقدرتها على تعطيل الحياة المدنية ومنع استعادتها.
النبطية وكفررمان — اتساع دائرة الاستهداف
شكّلت النبطية ومحيطها المركز الثاني للتصعيد، مع تكرار الغارات على النبطية الفوقا ودوحة كفررمان وكفرتبنيت وميفدون وزوطر الشرقية ووادي السلوقي. وقد اكتسبت هذه المنطقة أهمية خاصة بسبب ارتباطها جغرافيًا بمرتفعات علي الطاهر، وبسبب موقع النبطية بوصفها مركزًا سكانيًا وإداريًا رئيسيًا في الجنوب.
في ٧ أيلول، وقعت واحدة من أبرز موجات الغارات خلال الشهر. فقد استُهدف مبنى سكني في كفررمان، وأعلنت وزارة الصحة، في إحدى حصائلها، مقتل ثمانية أشخاص، بينهم طفل وامرأتان، وإصابة أحد عشر شخصًا، بينهم أطفال ونساء ومسعف.
وتزامنت الضربات مع إنذارات بإخلاء مبانٍ في دير الزهراني ونزوح سكان منها، ومع غارات على النبطية الفوقا والريحان ومناطق أخرى. وبذلك، لم يعد الخطر محصورًا بالمواقع العسكرية أو القرى الحدودية المتاخمة لخط المواجهة، بل امتد إلى أحياء سكنية وطرق ومراكز خدمات، ما وسّع القلق بشأن إمكان بقاء السكان في مناطقهم.
وفي النصف الثاني من الشهر، استمرت العمليات في كفرتبنيت وزوطر الشرقية وميفدون ومحيط النبطية، فيما شملت التفجيرات قرى أخرى، بينها برعشيت وكونين ومجدل زون وبيت ياحون والخيام. كما تكررت التوغلات في محيط كفرشوبا ودير ميماس، مع تأثير مباشر على حركة المزارعين والرعاة وإمكان الوصول إلى الأراضي الزراعية.
البقاع وبيروت — ضغط جوي أكثر منه تحولًا بريًا
في المقابل، بقي مركز العمليات البرية والتدمير المباشر في الجنوب، رغم تسجيل تحليق للطيران الحربي والطائرات المسيّرة فوق البقاع وبيروت والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى. وأوردت مواد الرصد تحركات جوية فوق بعلبك والهرمل والسلسلة الشرقية، إضافة إلى تحليق مسيّرات على ارتفاع منخفض فوق العاصمة وضواحيها.
بدأ أيلول وسط توقعات بإمكان انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في روما، بعد أن كانت الجولة السابعة قد انتهت في آب من دون تحقيق اختراق أساسي في قضايا الانسحاب والترتيبات الأمنية. وتمحور الرهان اللبناني حول إمكان الانتقال من النقاشات التقنية إلى خطوات ميدانية، تشمل انسحابًا إسرائيليًا من مناطق محددة، وتوسيع انتشار الجيش، وإطلاق مسار لعودة الأسرى والنازحين. لكن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ثم التطورات في علي الطاهر، أعادا طرح السؤال بشأن قدرة المفاوضات على إنتاج نتائج قابلة للتنفيذ.
ظهرت محدودية المسار منذ الأسبوع الأول. ففي ٣ و٤ أيلول، تسلّم الجانب اللبناني، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عددًا من المحتجزين، من بينهم أربعة تسلّمهم الجيش اللبناني في ٤ أيلول عند معبر الناقورة. ومثّلت هذه الخطوة نتيجة ملموسة في ملف إنساني محدود، لكنها لم تترافق مع انسحاب واسع أو توقف للاعتداءات. وبذلك، بقي التقدم في بعض الملفات الجزئية منفصلًا عن جوهر الأزمة العسكرية.
ومع تصاعد العمليات حول النبطية وعلي الطاهر، بدأت التوقعات بشأن موعد الجولة الجديدة تتراجع. ففي ٩ أيلول، تحدثت تقارير عن تأجيل المفاوضات إلى ما بعد مؤتمر دعم الجيش، فيما برزت اتصالات لتحديد جدول جديد. ثم جاء تفجير علي الطاهر ليضاعف التعقيدات، إذ أُعلن في ١٢ أيلول إرجاء المحادثات التي كانت مقررة في روما، بالتزامن مع زيارة الرئيس جوزاف عون إلى النبطية وإعلانه عدم وجود مفاوضات جديدة في الوقت الحالي.
لم يكن هذا الإعلان انسحابًا رسميًا من مبدأ التفاوض، بل عكس انتقالًا من توقع انعقاد جولة قريبة إلى محاولة معالجة الظروف التي عطّلتها. فقد حافظت الرئاسة والحكومة على موقفهما الداعي إلى استعادة الأرض عبر الدبلوماسية، مع التأكيد على أن الاحتلال الإسرائيلي واستمرار الاعتداءات يمثلان العقبة الأساسية أمام تنفيذ الترتيبات المتفق عليها.
في المقابل، رأى «حزب الله» ومعارضو «اتفاق الإطار» أن ما جرى في علي الطاهر قدّم دليلًا إضافيًا على إخفاق المسار. فالمفاوضات، في قراءتهم، لم تمنع إسرائيل من تدمير الموقع أو توسيع عملياتها، ولم تحقق ضمانات تحمي السكان. أما الحكومة والمدافعون عن الاتفاق، فاعتبروا أن تعثّر المسار لا يلغي الحاجة إليه، وأن البديل العسكري لا يضمن استعادة الأرض، بل قد يعرّض الجنوب لخسائر أوسع.
عاد الملف إلى الواجهة في النصف الثاني من الشهر. ففي ٢٠ أيلول، أكد وزير الخارجية يوسف رجّي أن التفاوض هو الطريق المتاح لإنهاء الاحتلال، وأن المسار طويل ومعقد، لكنه يبقى أفضل من خيار عسكري أدّى إلى تدمير الجنوب وتهجير سكانه. وربط الوزير استعادة السيادة ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح، معتبرًا أن هذا القرار لبناني ولا ينبغي أن يُختزل بشرط تفرضه المفاوضات.
وفي ٢١ أيلول، قدّم وليد جنبلاط موقفًا أكثر ارتباطًا بالنتائج، حين أعلن تأييده المفاوضات إذا أدت إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي أو كامل، وإلى معالجة ملف الحدود. وأبرز هذا الموقف تمايزًا داخل القوى السياسية بين من يرى في التفاوض خيارًا استراتيجيًا ينبغي استمراره، ومن يقبله مشروطًا بنتائج محددة، ومن يعتبر أن الظروف القائمة تجعله غطاءً لاستمرار العمليات الإسرائيلية.
في الأيام الأخيرة من الشهر، انتقل ثقل الاتصالات إلى واشنطن. فقد التقى رئيس الحكومة نواف سلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في ٢٨ أيلول، ودعا إلى وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الواردة في الإطار الثلاثي، والانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها. وأكد سلام أن هذا الإطار لا ينبغي أن يقتصر على الترتيبات الأمنية، بل يجب أن يشمل الإغاثة وإعادة الإعمار وتأهيل الخدمات وتهيئة عودة السكان.
وفي ٢٩ أيلول، تحدثت مصادر رسمية وإعلامية عن إمكان عقد الجولة الثامنة في ٢٠ تشرين الأول، قبل الانتخابات الإسرائيلية، لكن الموعد بقي مطروحًا ولم يتحول، بحسب المواد المتاحة، إلى إعلان نهائي. وبذلك، انتهى الشهر مع مؤشرات إلى محاولة استعادة الزخم الدبلوماسي، من دون تثبيت مسار تنفيذي أو ضمان توقف العمليات.
تكمن المفارقة في أن أطراف الخلاف اللبناني كانت تتفق على ضرورة وقف الاعتداءات والانسحاب، لكنها اختلفت في ترتيب الخطوات وفي تحديد الجهة التي ينبغي أن تقدّم التنازل الأول. فالدولة سعت إلى استخدام التفاوض لاستعادة الأرض وتثبيت سلطتها، فيما ربطت إسرائيل الانسحاب بترتيبات أمنية ونزع سلاح «حزب الله»، بينما رفض الحزب التخلي عن سلاحه تحت الضغط العسكري. وقد جعل هذا التعارض كل تقدم تقني عرضة للتعطيل عند الانتقال إلى التنفيذ.
فرض التصعيد في النبطية وعلي الطاهر على الدولة اللبنانية تحديًا مزدوجًا: إثبات حضورها في الجنوب وحماية السكان من جهة، والمحافظة على مشروع حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم من جهة أخرى. وقد ظهر هذا التحدي بوضوح بعد «نداء النبطية الثاني»، الذي طالب بانتشار الجيش بصورة أكثر فاعلية، وبعد الجدل حول مدى قدرة المؤسسة العسكرية على منع تكرار تجربة علي الطاهر.
في ٨ أيلول، أكدت قيادة الجيش أن وحداتها منتشرة في المناطق التي لا يوجد فيها احتلال إسرائيلي، ولا سيما منطقة النبطية، وأن هذا الانتشار سبق التطورات الأخيرة واستمر خلالها. وجاء التوضيح في سياق نقاش سياسي وإعلامي حول وجود الجيش ودوره، ليؤكد أن المشكلة لا تقتصر على غياب الانتشار العسكري، بل تشمل حدود الصلاحيات والإمكانات المتاحة في مناطق تتعرض للقصف والتهديد.
ومع تصاعد المطالبات المحلية، اكتسبت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى النبطية في ١٢ أيلول أهمية سياسية ورمزية. فقد رافقه قائد الجيش العماد رودولف هيكل وعدد من قادة الأجهزة الأمنية، وتفقّد مؤسسات محلية ومستشفى نبيه بري الحكومي الجامعي، والتقى مسؤولين وأهالي. وأكد عون أن الدولة إلى جانب سكان الجنوب، وأن الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار ثوابت وطنية.
لم تكن أهمية الزيارة في إعلان سياسة جديدة، بل في محاولة نقل الحضور الرسمي إلى المنطقة الأكثر تعرضًا للضغط العسكري. وقد جاءت بعد دعوات لانتشار الجيش، وفي وقت كان فيه الجدل يتسع حول مسؤولية الدولة عن حماية السكان. لكنها كشفت أيضًا حدود القدرة التنفيذية؛ إذ لم يؤدِّ الحضور الرئاسي والعسكري إلى وقف الغارات والتفجيرات، التي استمرت خلال الأيام التالية.
في ١٥ أيلول، تحولت هذه التناقضات إلى مواجهة سياسية داخل مجلس النواب خلال مناقشة الحكومة. فقد دافع نواف سلام عن عمل حكومته، مؤكدًا أن الحرب فُرضت على لبنان، وأن استعادة الاستقرار تستدعي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما شدد على تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية ودعم انتشارها في الجنوب.
في المقابل، طالب نواب من «حركة أمل» و«حزب الله» الحكومة بتفسير النتائج التي حققها «اتفاق الإطار»، في ظل استمرار الهدم والقصف. وطرح علي حسن خليل سؤالًا عن الكلفة التي خفّفها الاتفاق فعليًا، فيما انتقد حسن عز الدين اعتماد الحكومة على مسار تفاوضي من دون امتلاك عناصر ضغط كافية.
وقد كشف النقاش اختلافًا في معيار تقييم السياسة الحكومية. فالسلطة التنفيذية قاربت التفاوض باعتباره وسيلة لتجنب توسع الحرب وتثبيت مرجعية الدولة، بينما تعامل منتقدوها معه انطلاقًا من النتائج الميدانية المباشرة، خصوصًا استمرار الاحتلال وتدمير المنازل.
أما مسألة حصرية السلاح، فبقيت نقطة التوتر الأساسية. فقد أكدت الحكومة ووزارة الخارجية أن الدولة لا يمكن أن تستعيد كامل سيادتها في ظل وجود قرار عسكري مستقل عنها، وأن دعم الجيش يجب أن يترافق مع تكريس هذه المرجعية. لكن المواد لم تُظهر انتقال هذا الموقف إلى مواجهة عسكرية داخلية مع «حزب الله»، بل استمر البحث السياسي عن كيفية تطبيقه ضمن ظروف شديدة التعقيد.
وفي أواخر الشهر، عادت الرئاسة والحكومة إلى تأكيد هذه المعادلة. فقد شدد سلام في واشنطن على أن الدولة لا يمكن أن تقوم بجيشين أو بقرارين، فيما واصل وزير الخارجية الدفاع عن استقلالية القرار اللبناني وضرورة الفصل بين مصالح لبنان وحسابات القوى الإقليمية.
وعليه، لم تكن المشكلة الرسمية خلال أيلول غياب الموقف من السيادة، بل الفجوة بين إعلان المبادئ والقدرة على تنفيذها. فالدولة تطالب بانسحاب إسرائيل وحصر السلاح بيد مؤسساتها، لكنها لا تملك ضمانة بتوقف العمليات الإسرائيلية، ولا توافقًا داخليًا يتيح معالجة ملف السلاح من دون تعريض الاستقرار لمزيد من المخاطر.
مستقبل «اليونيفيل» — الخوف من الفراغ الأمني
توازى هذا النقاش مع تصاعد القلق بشأن مستقبل قوات «اليونيفيل» في الجنوب. فقد تناولت اتصالات دبلوماسية متعددة إمكان تشكيل قوة دولية بديلة أو إطلاق مهمة أوروبية تدعم الجيش اللبناني، وسط مخاوف من أن يؤدي انتهاء المهمة الحالية إلى فراغ في المراقبة الدولية.
وفي ٢٠ أيلول، أعلن يوسف رجّي أن لبنان يسعى إلى وجود قوة دولية تحت مظلة أممية، فيما شدد الرئيس عون في ٢٣ أيلول على أن عدم التمديد لـ«اليونيفيل» لا يخدم الأمن والاستقرار. كما بحث قائد الجيش مع ممثلين أوروبيين الدعم المطلوب للمرحلة المقبلة.
لكن البدائل لم تكن محسومة. فقد تحدثت بعض المواد عن مهمة أوروبية أو قوة متعددة الجنسيات، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن أي مهمة جديدة لن تكون بالضرورة بديلًا مباشرًا عن «اليونيفيل»، وأن صلاحياتها وآلية عملها تحتاج إلى تفاهمات دولية.
وأظهر هذا الملف أن أزمة السيادة اللبنانية لا تتعلق بالسلاح والانتشار الداخلي فقط، بل أيضًا بغياب إطار مراقبة متفق عليه يضمن تنفيذ أي انسحاب، ويحد من الاحتكاك المباشر، ويمنع تحول الجنوب إلى منطقة تحكمها الترتيبات الإسرائيلية منفردة.
اظهر «حزب الله» خلال أيلول اختلافًا واضحًا بين مستوى التصعيد في الخطاب السياسي والإعلامي، ومستوى النشاط العسكري الجديد الذي يمكن التحقق منه. فبينما قدّمت إسرائيل روايات متكررة عن تدمير مواقع وأنفاق ومنصات صواريخ، لم يصدر عن الحزب اي رد فعل عسكري.
وظهرت في بعض التغطيات روايات إسرائيلية عن كمائن أو عبوات ناسفة أو استهداف قوات داخل المنطقة الأمنية. كما أعاد الإعلام الحربي التابع للحزب نشر مواد ومشاهد تعود إلى عمليات سابقة.
في المقابل، شهد الخطاب السياسي للحزب تطورًا ملحوظًا بعد تفجير علي الطاهر. ففي بداية الشهر، ركّز نوابه ومسؤولوه على استمرار الاعتداءات الإسرائيلية باعتباره دليلًا على فشل «اتفاق الإطار»، وعلى ضرورة الحفاظ على عناصر القوة. وبعد العملية، انتقل الخطاب بصورة أوضح إلى تحميل السلطة مسؤولية المراهنة على التفاوض، والتشكيك في جدوى الضمانات الأميركية.
برز هذا التوجه في مواقف النائب حسن عز الدين، الذي اعتبر أن السلطة دخلت المسار التفاوضي من دون امتلاك أوراق كافية، وفي تصريحات نواب آخرين شددوا على بقاء المقاومة ما دام جزء من الأرض محتلًا. وفي ١٥ أيلول، أكد علي عمار، خلال جلسة مجلس النواب، استمرار المقاومة، بينما انتقد نواب الحزب أداء الحكومة ومقاربتها لملف السلاح.
إلا أن خطاب الحزب لم يخلُ من إشارات إلى إمكان الحل السياسي المشروط. ففي ١٤ أيلول، نقلت مواد صحافية عن حسن عز الدين كلامًا بشأن احتمال الوصول إلى تسوية أو مواجهة جديدة وفق تطورات المنطقة، في وقت تمسكت فيه المواقف الحزبية العامة بأن أي حل يجب أن يؤدي إلى إنهاء الاحتلال. ويشير هذا التباين بين احتمال التسوية ورفض المسار القائم إلى أن الحزب لم يكن يعارض النتيجة السياسية المتمثلة بالانسحاب، بقدر ما كان يرفض شروط التفاوض وتسلسل الالتزامات كما طُرحا.
وفي ٩ أيلول، أصدرت العلاقات الإعلامية للحزب توضيحًا بشأن التصريحات والمعلومات التي تصدر عن شخصيات ومحللين يُقدَّمون أحيانًا بوصفهم قريبين منه. وأكدت أن المواقف الرسمية تصدر عبر بياناته وخطابات قيادته، وأن آراء الآخرين لا تعبّر بالضرورة عن قراره. وجاء هذا التوضيح في مرحلة انتشرت فيها تقديرات متباينة بشأن مصير علي الطاهر، واحتمالات التسوية، وموازين القوى داخل الحزب.
وكانت أهمية البيان في محاولة ضبط الحدود بين الموقف الرسمي والتحليل الإعلامي. فهو يعكس حساسية الحزب تجاه التسريبات والتقديرات التي قد تُفسَّر باعتبارها إشارات إلى قبوله تسوية أو استعداده للتصعيد، في وقت لم يكن يريد فيه إسناد هذه الخيارات إلى مصادر غير مخوّلة.
في النصف الثاني من الشهر، تزايد التركيز على انتقاد «اتفاق الإطار» وعلى المساعدات وإعادة الإعمار. وفي ٢١ أيلول، أعلن النائب حسن فضل الله أن الاتفاق انتهى، وتحدث عن تراجع الثقة بالسلطة والحاجة إلى تغيير نهجها، مع إعطاء أولوية لتوفير الإمكانات المادية اللازمة لمواجهة آثار الحرب.
لكن هذا التشدد السياسي لم يقترن بطرح تفصيلي لتسوية ملف السلاح أو صيغة بديلة عن المفاوضات القائمة. واستمر الحزب في تقديم المقاومة بوصفها ضرورة مرتبطة ببقاء الاحتلال، فيما تمسكت الحكومة باعتبار وحدة القرار الأمني شرطًا لاستعادة السيادة. وبذلك، ظل الخلاف يدور حول السؤال نفسه: هل ينبغي إنهاء الاحتلال أولًا قبل البحث في السلاح، أم أن حصرية السلاح شرط أساسي لإنهاء الاحتلال؟
البعد التنظيمي والاجتماعي — استعادة التماسك عبر الذاكرة
في موازاة المواقف السياسية، احتلت النشاطات التنظيمية والاجتماعية مساحة واسعة في مواد الحزب. فقد استمرت مراسم التشييع وإحياء ذكرى القتلى، والأنشطة الكشفية والشبابية، ومبادرات التضامن مع العائلات المتضررة. وازدادت كثافة هذه النشاطات في الأيام الأخيرة من الشهر، مع إحياء الذكرى السنوية الثانية لمقتل الأمين العام السابق حسن نصر الله وهاشم صفي الدين.
وقد تحولت المناسبة إلى محطة لإعادة تأكيد الاستمرارية التنظيمية والارتباط الرمزي بالقيادة السابقة. ففي ٢٦ و٢٧ أيلول، نُظمت فعاليات ومسيرات ومراسم إحياء للذكرى، وركّزت خطابات الحزب ومواده الإعلامية على الوفاء والتضحية ومواصلة النهج.
وفي ٣٠ أيلول، بثّ الإعلام الحربي رسالة من مقاتلين إلى القيادة والبيئة الاجتماعية، أعادت التأكيد على الالتزام والاستعداد للاستمرار. ولا تُعدّ هذه الرسائل دليلًا مستقلًا على حجم القدرات العسكرية المتبقية، لكنها تكشف الوظيفة السياسية والاجتماعية التي أدّتها مواد الحزب في نهاية الشهر: تثبيت صورة التماسك في مواجهة الرواية الإسرائيلية التي قدّمت عمليات علي الطاهر باعتبارها انتصارًا حاسمًا.
وبذلك، اتخذت سردية الحزب خلال أيلول اتجاهًا مزدوجًا: التشدد في نقد السلطة والتفاوض، وإبراز الاستمرارية التنظيمية والاجتماعية بوصفها ردًا على محاولات إظهار الحزب في حالة انهيار. غير أن هذا الخطاب بقي يواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في اتساع الفجوة بين التأكيد على القدرة على المقاومة واستمرار الكلفة الميدانية والإنسانية في الجنوب.
حافظت «حركة أمل» خلال أيلول على موقف منتقد للمسار التفاوضي القائم، لكنها لم تتبنَّ بشكل مطابق بالضرورة الأدوات السياسية والخطابية نفسها التي استخدمها «حزب الله». فقد استمرت الحركة في رفض «اتفاق الإطار» والمناطق التجريبية والتفاوض تحت النار، مع إبقاء الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية والشرعية الدولية في صلب مقاربتها للجنوب.
في بداية الشهر، كانت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري امتدادًا للتشدد الذي عبّر عنه في نهاية آب. فقد ركّز على عدم جواز التفاوض في ظل استمرار الاعتداءات، وعلى ضرورة رفض ترتيبات أمنية تؤدي إلى تثبيت الاحتلال. وبرز هذا الموقف في نقاشات سياسية تناولت العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس، ومدى الاتفاق على استمرار التفاوض أو شروطه.
ومع تطور العمليات في علي الطاهر، برزت اتصالات سياسية للبحث في سبل منع اتساع المواجهة. وتحدثت بعض التقارير عن دور لبري في الاتصالات المتعلقة بالمقاتلين الموجودين في المرتفعات، وعن تفاهمات محتملة بشأن تعزيز انتشار الجيش في إقليم التفاح والريحان. لكن هذه المعلومات بقيت ضمن نطاق التسريبات، ولم تتوافر معطيات كافية لإثبات وجود اتفاق نهائي بشأنها.
في ١٠ أيلول، دعا النائب أشرف بيضون إلى اعتماد الواقعية السياسية والبحث عن إطار وطني جامع، مؤكدًا أن الانسحاب الإسرائيلي والعودة الآمنة وإعادة الإعمار تبقى الأولويات الأساسية. وعكست هذه المقاربة ميلًا إلى الجمع بين التمسك بالحقوق اللبنانية والبحث عن حلول ممكنة ضمن المؤسسات.
ظهر موقف الحركة بصورة أكثر وضوحًا في جلسة مجلس النواب في ١٥ أيلول. فقد أكد النائب علي خريس رفض «اتفاق الإطار» والمناطق التجريبية، بينما قدّم علي حسن خليل انتقادًا تفصيليًا للنتائج التي حققها التفاوض. وسأل عن وقف إطلاق النار وعن الكلفة التي جرى تخفيفها فعلًا، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية.
لكن حسن خليل ميّز بين التفاوض بوصفه أداة سياسية وبين نتائجه، مؤكدًا أن الدبلوماسية ليست تنازلًا في ذاتها، وأن الحكم على أي اتفاق يتوقف على ما يحققه للبنان وما يفرضه عليه. وهذا التمييز مهم لأنه يضع الحركة في موقع مختلف عن الرفض المبدئي لكل تفاوض، ويجعل اعتراضها منصبًّا بصورة أساسية على شروط المسار القائم ونتائجه.
وفي الجلسة نفسها، شددت مواقف صادرة عن الحركة على ضرورة حماية الشراكة الوطنية وعدم تحويل الاختلاف السياسي إلى محاولة إلغاء أو استهداف. وكان هذا التشديد متصلًا بالسجالات الحادة التي شهدها المجلس، وبالخشية من انتقال الخلاف بشأن السلاح والسيادة إلى مواجهة داخلية أوسع.
تواصل هذا التوجه في النصف الثاني من أيلول، مع اهتمام بري بملفات إعادة الإعمار والنازحين والتواصل الدولي. وفي ٢٩ أيلول، أكد خلال لقائه عضوَي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر أن الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب يملكان القدرة على ممارسة الضغط لإلزام إسرائيل بوقف الحرب، وأن العائق الأساسي أمام تنفيذ الاتفاقات هو عدم الالتزام الإسرائيلي. كما حذّر من خطورة عدم التجديد لـ«اليونيفيل»، وتمسك بحق لبنان في ملاحقة إسرائيل قانونيًا بشأن أفعالها.
تكشف هذه المواقف عن خصوصية مقاربة «أمل». فالحركة تلتقي مع «حزب الله» في الخطاب الذي يشدد على رفض الاحتلال والضغط الإسرائيلي، لكنها تواصل التعامل مع واشنطن باعتبارها طرفًا قادرًا على فرض التزامات على إسرائيل، وتحافظ على أهمية الجيش والوجود الدولي ومؤسسات الدولة. وبذلك، بقي التمايز بين الطرفين قائمًا في الأدوات وترتيب الأولويات، من دون أن يصل إلى اختلاف جوهري في الموقف من ضرورة إنهاء الاحتلال.
كما شهد ١٤ أيلول صدور مواقف مشتركة عن قيادتي «حزب الله» و«حركة أمل»، أكدت الشراكة الوطنية، وضرورة تحمّل الدولة مسؤولياتها في إعادة الإعمار وتعويض المتضررين وإعادة السكان إلى بلداتهم، إلى جانب معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وتدل هذه المواقف على استمرار التنسيق السياسي والاجتماعي بين الطرفين، رغم اختلاف مستوى التشدد في الخطاب تجاه مؤسسات الدولة.
وعليه، انتهى أيلول والحركة في موقع يسعى إلى الجمع بين رفض النتائج الحالية للتفاوض والمحافظة على المؤسسات بوصفها الإطار الذي ينبغي أن يتحمل مسؤولية الانسحاب والإعمار وحماية السلم الأهلي. ولم تُظهر المواد خروجًا من التحالف السياسي مع «حزب الله»، لكنها أظهرت استمرار الحرص على عدم اختزال الحل في المواجهة العسكرية أو إسقاط دور الدولة.
أدى التصعيد العسكري، ولا سيما التطورات في علي الطاهر، إلى إعادة فتح النقاش الداخلي بشأن المسؤولية عن الحرب ومستقبل السلاح ودور الدولة. ولم يكن هذا النقاش محصورًا بالقوى السياسية التقليدية المعارضة لـ«حزب الله»، بل شمل أصواتًا من الجنوب والبيئة الشيعية، إلى جانب قوى سياسية تباينت في موقفها من التفاوض وآليات الانتقال إلى حصرية السلاح.
كان «نداء النبطية الثاني» أحد أبرز التطورات الدالة خلال الشهر. فقد طالب الموقعون عليه بإرسال الجيش وتعزيز حضوره في المدينة، وربطوا حماية السكان والمؤسسات بضرورة استعادة الدولة قرار الأمن. وجاء النداء في ظل تصاعد الغارات على محيط النبطية، وما أثارته تجربة علي الطاهر من مخاوف تتعلق بإمكان توسع الاحتلال والتهجير.
وتبرز أهمية النداء من كونه يعبّر عن توجه داخل المجتمع المحلي لا يكتفي بانتقاد الاعتداءات الإسرائيلية، بل يطرح سؤالًا بشأن الجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية الحماية والقرار العسكري. فقد اعتبر بعض الموقعين أن الحفاظ على الأرواح والمؤسسات لا يمكن أن يتحقق من دون حضور فاعل للجيش، ودعوا إلى جعل النبطية تحت سلطة الدولة، بعيدًا عن أي نشاط مسلح مستقل عنها.
لكن هذا التوجه لم يمثّل موقفًا موحدًا لجميع أهالي المدينة أو البيئة الشيعية. ففي المقابل، أظهرت مواد الرصد مواقف شعبية مؤيدة للمقاومة ابرزتها وسائل اعلام «حزب الله»، ونشاطات تؤكد استمرار الارتباط بها. ولذلك، لا تسمح المعطيات بتقديم النداء باعتباره تحولًا شاملًا في موقف المجتمع المحلي، بل مؤشرًا إلى تنامي نقاش داخلي بشأن كلفة المواجهة وأولويات الحماية.
برز النائب فراس حمدان ضمن الأصوات التي ربطت أزمة الجنوب بالسلاح والارتباطات الخارجية. فقد تحدث في ٩ أيلول عن خطر تحويل النبطية إلى منطقة مهجّرة بصورة دائمة، واعتبر أن استمرار الحرب يكشف سقوط معادلات سابقة، وأن الدولة تمثّل الإطار الضروري لحماية السكان. وفي جلسة مجلس النواب، انتقد القرارات العسكرية المرتبطة بحسابات خارجية، وطالب باستعادة السلطة الشرعية دورها.
من جهة أخرى، ذهبت «القوات اللبنانية» و«الكتائب» وأصوات سيادية أخرى إلى اعتبار حصر السلاح بيد الدولة شرطًا أساسيًا لاستعادة السيادة وتثبيت الاستقرار. وقد ازدادت حدة هذه المواقف بعد خطاب قيادة «حزب الله» في مناسبة إحياء ذكرى حسن نصر الله، إذ ردّ سمير جعجع وسامي الجميّل وأشرف ريفي وفؤاد مخزومي بانتقادات ربطت استمرار وجود قوة عسكرية خارج الدولة بإضعاف القرار الوطني وإتاحة ذرائع إضافية لإسرائيل.
غير أن المعارضة لم تكن كتلة واحدة. فقد طالب وليد جنبلاط بتقييم التفاوض وفق نتائجه، وأبدى استعدادًا لدعمه إذا أدى إلى الانسحاب وترسيم الحدود. كما شدد هادي أبو الحسن على حصرية السلاح، لكنه دعا إلى توحيد الموقف الوطني وإعادة النظر في السياسة التفاوضية، مع مراعاة الهواجس الداخلية.
أما «التيار الوطني الحر»، فحافظ على مقاربة مختلفة نسبيًا. فقد انتقد جبران باسيل نتائج «اتفاق الإطار»، ودعا إلى مراجعة الخيارات الحكومية، بينما برزت مواقف من التيار تدعو إلى الحوار بشأن حصرية السلاح والاستراتيجية الدفاعية. وفي نهاية الشهر، ظهر سجال بين التيار وشخصيات محسوبة على «حزب الله»، خصوصًا بعد تصريحات لنواف الموسوي انتقدت باسيل والحكومة، فردّ التيار بالدعوة إلى تجنّب خلافات إضافية بين اللبنانيين.
وتكشف هذه الاختلافات أن الانقسام لم يكن ثنائيًا بالكامل بين مؤيد للمقاومة ومؤيد للدولة. فقد اتفقت قوى متعددة على ضرورة استعادة القرار الوطني، لكنها اختلفت بشأن ترتيب الأولويات: هل يبدأ الحل بنزع السلاح، أم بالانسحاب الإسرائيلي، أم بتسوية سياسية متزامنة تشمل الأمرين؟ وهل يمكن تحقيق ذلك عبر تفاوض برعاية أميركية، أم يتطلب توافقًا لبنانيًا أوسع وضمانات دولية مختلفة؟
بلغ هذا الخلاف مستوى أعمق في تعريف السيادة. فقد ربطت القوى المطالبة بحصرية السلاح السيادة بوحدة السلطة العسكرية والأمنية، فيما اعتبر «حزب الله» وحلفاؤه أن بقاء الاحتلال يجعل المقاومة ضرورة لحماية الأرض. وبين الموقفين، ظهرت أصوات تحاول الجمع بين دور الجيش ورفض الاعتداءات من جهة، وتجنّب الصدام الداخلي من جهة أخرى.
ولم ينتج أيلول صيغة سياسية مشتركة تتجاوز هذه الانقسامات. بل أظهرت التطورات أن كل تصعيد إسرائيلي يزيد الضغط على الدولة للمطالبة بالحماية، وفي الوقت نفسه يعزز لدى الحزب وأنصاره الحجة القائلة إن استمرار الاحتلال يمنع التخلي عن السلاح. وهكذا، صار الميدان مصدرًا لحجج سياسية متعارضة، بدلًا من أن يتحول إلى عامل يدفع نحو تسوية داخلية.
لم تكن الكلفة الإنسانية خلال أيلول مقتصرة على الخسائر الناتجة من الغارات. فقد كشفت مواد الرصد عن استمرار تعطيل الحياة في قرى الجنوب نتيجة تدمير المنازل والمدارس والمستشفيات والطرق، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، والتأخر في توفير بدائل سكنية وخدمات أساسية للنازحين.
في ٧ أيلول، نقلت مواد الرصد عن وزارة الصحة حصيلة أولية بلغت ٢٧ قتيلًا و٦٩ جريحًا خلال الأيام الثلاثة السابقة، بينهم أطفال ونساء ومسعفون. وفي اليوم نفسه، وردت حصيلة تراكمية منذ ٢ آذار ٢٠٢٦ بلغت ٤٣٨١ قتيلًا و١٢٤٠٢ جريحًا.
وأظهرت الحوادث الفردية حجم الكلفة المباشرة. فقد أوقعت غارات كفررمان في ٧ أيلول قتلى وجرحى، بينهم أطفال ونساء، فيما تحدثت تقارير عن سقوط ضحايا في غارات أخرى على النبطية والريحان. وفي ١١ أيلول، انتهت أعمال رفع الأنقاض في مبنى مستشفى غندور بانتشال جثمان الضحية الأخيرة، مع تسجيل حصيلة نهائية من أربعة قتلى.
لكن الخسائر البشرية لم تكن الوجه الوحيد للأزمة. فقد أظهرت المنصوري حجم الضرر الذي يطول البنية المدنية، خصوصًا بعد استهداف المدرسة الرسمية والمنازل والأحياء السكنية. وفي ٢١ أيلول، أثار إحراق مستشفى ميس الجبل الحكومي إدانات محلية، بينها موقف بلدية حولا الذي طالب الدولة والمجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياتهما.
في المقابل، برزت محاولات محلية ورسمية لمعالجة بعض الآثار. ففي ٢١ أيلول، وصلت دفعة أولى من البيوت الجاهزة إلى زوطر الغربية، كما سُجّلت أعمال لإعادة فتح طرق متضررة، ومبادرات لتأمين احتياجات مراكز الإيواء، ودعم البلديات في إدارة النفايات والخدمات.
وشهدت بعض المناطق محاولات لاستئناف العام الدراسي، منها عودة الطلاب إلى مدارس في النبطية وبرج قلاويه، إلى جانب مبادرات تعليمية لمساعدة النازحين. لكن هذه الخطوات بقيت محدودة أمام اتساع الدمار واستمرار التهديدات الأمنية.
المجلس الإسلامي الشيعي والبلديات — بين الاحتضان الاجتماعي والضغط السياسي
عكست مواقف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى استمرار الارتباط بين الخطاب الديني والاجتماعي ومواقف حزب الله. فقد شدد نائب رئيس المجلس الشيخ علي الخطيب على أن السلاح نشأ في سياق مواجهة الاحتلال، ورفض المطالبة بنزعه في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ لبنانية. وفي الوقت نفسه، دعا إلى بناء دولة عادلة وقادرة وإلى موقف وطني جامع.
أما المفتي أحمد قبلان، فقد اتخذ موقفًا أكثر حدة تجاه السلطة التنفيذية، محذرًا من تفكك الأوضاع المالية والاجتماعية، ومن السياسات التي اعتبر أنها تضع لبنان تحت ضغوط خارجية. وقد عكست مواقفه اتجاهًا يربط الدفاع عن المقاومة بانتقاد الأداء الحكومي والاقتصادي، لا بالملف العسكري وحده.
على المستوى البلدي، برزت قضايا أمن البلدات وإعادة فتح الطرق والخدمات الزراعية والصحية، إضافة إلى المطالبات بكشف مصير المفقودين. وأظهرت مواقف بلديات كفرشوبا وصريفا وحولا أن السلطة المحلية تواجه أعباء متزايدة تتجاوز إمكاناتها المباشرة.
وفي صريفا، أدت المزاعم المتعلقة بوجود منشآت عسكرية إلى تحركات بلدية شددت على حماية أمن الأهالي ورفض الزج باسم البلدة في سجالات غير مثبتة. وتكشف هذه الحالة عن هشاشة الوضع المحلي، إذ يمكن لأي اتهام بوجود منشأة عسكرية أن يتحول إلى مصدر خوف لدى السكان في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية.
وبذلك، أظهر أيلول أن أزمة الجنوب لم تعد مجرد مسألة عودة نازحين إلى منازلهم. فإعادة الاستقرار تتطلب تأمين السكن والخدمات والتعليم والزراعة والطرق، وإيجاد ضمانات تمنع تجدد التدمير. ومن دون ذلك، تبقى العودة جزئية وهشّة، حتى في المناطق التي تشهد محاولات محدودة لاستئناف الحياة.
لم تقتصر التباينات خلال أيلول على المواقف السياسية المباشرة، بل ظهرت بوضوح في السرديات الإعلامية التي تناولت الحرب والتفاوض ومستقبل الجنوب. وقد أسهمت أحداث علي الطاهر في بلورة أربع روايات رئيسية، اختلفت في تفسير ما جرى وتوزيع المسؤولية وتحديد الطريق إلى الحل.
سردية «حزب الله» وإعلامه: قامت على أن إسرائيل تستغل المفاوضات لتوسيع الاحتلال وتدمير البنية المدنية والعسكرية، وأن الولايات المتحدة لا تمارس دور الوسيط المحايد. وبعد تفجير علي الطاهر، ازدادت أهمية خطاب الصمود والاستمرار، مع تقديم العملية الإسرائيلية باعتبارها جزءًا من مواجهة طويلة لا تنتهي بتدمير موقع واحد. وفي المقابل، جرى تصوير السلطة باعتبارها عاجزة عن حماية السكان بسبب اعتمادها على اتفاقات وضمانات لم تمنع استمرار العمليات.
وقد اتسمت هذه السردية بمحاولة الفصل بين الخسائر المادية ونتائج المواجهة السياسية والعسكرية. فالتدمير الواسع، وفق هذا التأطير، لا يعني انتهاء المقاومة، بل يؤكد استمرار الحاجة إليها. كما احتلت ذكرى حسن نصر الله وهاشم صفي الدين وظيفة رمزية في إعادة ربط الحاضر بإرث القيادة السابقة وتضحيات البيئة الاجتماعية.
سردية الدولة: قدّمت التفاوض باعتباره الطريق الممكن لاستعادة الأرض وتقليل الخسائر، وربطت الحل بانتشار الجيش وحصرية السلاح وإعادة الإعمار. وفي هذه الرواية، تكمن المشكلة الأساسية في استمرار الاحتلال وعدم التزام إسرائيل بالترتيبات الأمنية، لكن معالجة ذلك تتطلب تثبيت مرجعية الدولة وعدم العودة إلى قرارات عسكرية مستقلة عنها.
وقد واجهت هذه السردية اختبارًا عمليًا مع استمرار التفجيرات. فالسلطة استطاعت إعلان المبادئ وتكثيف الحضور الدبلوماسي والعسكري، لكنها لم تحقق توقفًا مستقرًا للاعتداءات. ولذلك، اتسعت الفجوة بين أهدافها المعلنة والنتائج الملموسة التي يطالب بها السكان.
سردية المعارضين لـ«حزب الله»: ركّزت على أن استمرار السلاح خارج الدولة يعرقل استعادة السيادة ويمنح إسرائيل مبررات لمواصلة عملياتها. وقد استخدمت هذه الأصوات تجربة علي الطاهر للتشكيك في قدرة الحزب على حماية الجنوب، وطالبت بتسليم القرار العسكري للجيش. لكنها لم تكن متجانسة؛ إذ دعا بعض المعارضين إلى تطبيق سريع لحصرية السلاح، بينما شددت أصوات أخرى على ضرورة التوافق الداخلي وربط أي تسوية بضمانات الانسحاب.
سردية «حركة أمل»: قدّمت موقفًا يجمع بين انتقاد التفاوض تحت النار والتمسك بالدولة والجيش والوجود الدولي مع ميل إلى موقف «حزب الله». فإسرائيل، وفق هذه المقاربة، تتحمل المسؤولية الأساسية عن استمرار الحرب وعرقلة الاتفاقات، لكن مواجهة ذلك تستدعي الحفاظ على المؤسسات والوحدة الوطنية وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى صدام داخلي.
وكانت خصوصية هذه السردية أنها لم تنفِ أهمية الدبلوماسية في ذاتها، بل شددت على ضرورة الحكم عليها وفق نتائجها. وقد أتاح ذلك للحركة انتقاد «اتفاق الإطار» مع استمرار التواصل السياسي والدولي، والمطالبة بدور أميركي وأممي في وقف الاعتداءات.
علي الطاهر بين رواية الانتصار ورواية الصمود
كان التنافس الأكثر حدة بين الروايتين الإسرائيلية وتلك التي قدّمها إعلام «حزب الله». فقد استخدم نتنياهو وكاتس مشاهد تفجير المرتفعات بوصفها دليلًا على نجاح العملية العسكرية وتدمير بنية استراتيجية للحزب. أما وسائل إعلام الحزب، فركّزت على صمود المقاتلين ورفض تحويل تدمير المنشآت إلى إعلان نهاية المقاومة.
وفي المقابل، استخدمت وسائل إعلام معارضة للحزب الحدث لتقديم قراءة مختلفة تعتبر أن سقوط المواقع أو تدميرها يعكس خللًا في الحسابات العسكرية والاستراتيجية.
وقد انعكس هذا الصراع على النقاش الداخلي، إذ استُخدمت الواقعة نفسها لتبرير استمرار المقاومة من جهة، والمطالبة بإنهاء ازدواجية السلاح من جهة ثانية، والدفاع عن استكمال التفاوض من جهة ثالثة. وبذلك، أصبحت السرديات جزءًا من الأزمة السياسية، لأنها لم تكتفِ بوصف الأحداث، بل سعت إلى تحديد المسؤولية عن نتائجها والخيارات التي ينبغي اتباعها لاحقًا.
يمكن اختصار أيلول ٢٠٢٦ بأنه الشهر الذي انتقل فيه الجنوب من ترقّب تسوية بشأن مرتفعات علي الطاهر إلى التعامل مع نتائج عملية إسرائيلية واسعة، من دون أن ينتج ذلك حسمًا سياسيًا أو استقرارًا ميدانيًا. فقد أدى تفجير المرتفعات في ١٠ أيلول إلى تغيير طبيعة النقاش بشأن السيطرة على الموقع، لكنه لم يوقف الغارات والتفجيرات في المنصوري والنبطية والقرى الحدودية. وفي المقابل، لم تنجح مفاوضات روما في استعادة زخمها، رغم استمرار الاتصالات اللبنانية والأميركية وطرح مواعيد جديدة لجولة ثامنة.
سياسيًا، ترسخت خلال الشهر مسارات متوازية من دون أن تلتقي في تسوية واحدة. تمسكت رئاسة الجمهورية والحكومة بالتفاوض وحصرية السلاح وانتشار الجيش، بينما واصل «حزب الله» رفض «اتفاق الإطار» والتأكيد على ضرورة المقاومة في ظل الاحتلال.
اجتماعيًا، أظهر أيلول أن آثار الحرب تتجاوز الخسائر العسكرية والبشرية المباشرة. فاستمرار تفجير المنازل والمدارس والمرافق، وتعطيل الزراعة والخدمات، وغياب ضمانات العودة، كلها عوامل تجعل استعادة الحياة الطبيعية عملية معقدة وطويلة. ولم تكن المبادرات المحلية أو الترتيبات السكنية المحدودة كافية لمعالجة هذا الواقع في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية.
انتهى الشهر مع بقاء ثلاثة ملفات مفتوحة: مستقبل المفاوضات وشروط استئنافها، وإمكان إيجاد ترتيبات أمنية تضمن الانسحاب وانتشار الجيش، ومعالجة السلاح ضمن صيغة داخلية لا تهدد الاستقرار. وقد أضيف إليها القلق بشأن مستقبل «اليونيفيل» والبديل الدولي المحتمل.


