.jpg)
تظهر على تطبيق فيسبوك إعلانات تعرض بيوتًا للإيجار جنوبي لبنان خارج ما يعرف بالخط بالخط الأصفر، بأسعار تقارب أسعار الإيجارات المتعارف عليها في المناطق الأخرى، وتترافق هذه المنشورات مع تعليقات ساخرة باعتبار أن هذه المناطق خطرة، وأن الحرب ممكن أن تتجدّد في أي لحظة، ما يعني أن الأسعار المطلوبة مبالغ بها بشكل واضح.
إلّا أن سكان الجنوب اليوم يعلمون جيدًا أن المباني الشاغرة اليوم قليلة ومحدودة، والطلب مرتفع على استئجار المنازل والمحال التجارية، أكثر مما كانت عليه في فترة الأشهر الـ١٥ التي سبقت الحرب الأخيرة، والتي اندلعت على إثر اغتيال المرشد الإيراني السابق.
في الفترة التي امتدت بين آذار وتموز ٢٠٢٦ (فترة الحرب الموسعة الثانية)، تعرّضت أكثر من ١٠٠ ألف وحدة سكنية للدمار بشكل كلّي أو جزئي، بحسب أرقام المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر.
شرّدت الحربان الأخيرتان قسمًا كبيرًا من الجنوبيين، فأبناء المنطقة الواقعة داخل الخط الأصفر هاموا على وجوههم، خسروا منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم، فيما أتى التهجير المتلاحق على كل ما يملكونه من مدّخرات.
بقي قسم يسير من الجنوبيين في المدارس ومراكز الإيواء القليلة التي لا تزال متاحة حتى اليوم، فيما اضطر معظمهم للعودة، خاصةً وأن معظم مراكز الإيواء هي بالأصل مدارس ومعاهد تربوية، ما حتّم إخلاءها مع حلول العام الدراسي الجديد.
وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار.
مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات. منازل قليلة يتسابق عليها أهل البلدة والنازحون من القرى المدمّرة.
أما خارج الشريط الأصفر، فإن الوضع يختلف بين بلدة وأخرى، فالقرى التي تقع بالقرب من هذا الشريط، مثل حاريص وشقرا وكفرتبنيت والنبطية الفوقا وغيرها، وبالرغم من عودة بعض أهاليها إليها، فإن الحياة فيها لا تُطاق، بفعل أصوات الانفجارات المتواصلة، والغارات التي تطال هذه البلدات بين الفينة والأخرى.
وبالتالي، فإن قسمًا كبيرًا من أهالي هذه البلدات، ورغم أنها غير محتلة اليوم، لم يتمكنوا من العودة إليها لصعوبة العيش فيها بسبب الظروف المذكورة، وتشهد هذه المناطق موجات نزوح مؤقتة كلما ساءت الأوضاع، كما حصل في النبطية قبل أسابيع عندما اضطر عدد كبير من أهاليها للنزوح باتجاه صيدا بعد ليلة عنيفة لم تتوقف فيها الغارات في محيطها.
وفي الأيام الماضية، وبسبب القصف المدفعي المكثف على وادي زبقين، نزح عدد كبير من سكان بلدة زبقين الواقعة خارج الخط الأصفر عند الفجر، بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا.
نجد أنفسنا إذًا أمام مفارقة غريبة، بلدات وقرى غير آمنة تتساقط القذائف على أطرافها وسكانها لا يستطيعون النوم بسبب أصوات التفجيرات، وكذلك لم تُستعد بعد الخدمات الحياتية الأساسية فيها، ولم تنطلق أي ورشات إعادة إعمار، ومع ذلك ستجد صعوبة هنالك في إيجاد شقة فارغة للإيجار بسعر مقبول. معظم أهالي القرى الحدودية المدمَّرة يفضلون السكن في الجنوب رغم كل المخاطر. أسباب اجتماعية ونفسية وعاطفية ربما تدفعهم إلى ذلك، ولسان حالهم:
«نريد البقاء بالقرب من قرانا حتى وإن مُحيت تمامًا».
يقع منزل محمد في الطرف الجنوبي لبلدة حاريص، البلدة القريبة من الخط الأصفر والمجاورة لبلدة حداثا، حيث لا تتوقف التفجيرات فيها لا في الليل ولا في النهار، فيما لم تسلم حاريص من الغارات المتفرقة وعمليات تفجير البيوت عند تخوم البلدة.
بعد رحلتَي تهجير، مرة إلى الشمال ومرة إلى جبل لبنان، في حربي ٢٠٢٤ و٢٠٢٦، لم يتمكن محمد حتى اليوم من العودة إلى حاريص. صحيح أن منزله لم يُدمر بالكامل، ولكن لا مجال لترميمه أو السكن فيه في ظلّ كل هذه الظروف.
ويشير محمد في حديثه إلى «الفان رقم ٤» إلى أنه بحث طويلًا عن بيت في قضاء بنت جبيل، ليجد أخيرًا واحدًا مقابل ٤٠٠ دولار أميركي شهريًّا، وقد اضطر لطلب مساعدة إخوته الذين يعملون في إفريقيا لشراء الأثاث والأواني المنزلية. هو يعمل اليوم كموظف في إحدى المؤسسات، بعدما خسر محله التجاري بسبب الحرب. يقول: «بعد دفع الإيجار وفاتورة كهرباء الاشتراك لا يتبقى لي سوى ٣٠٠ دولار، هل تكفي ١٠ دولارات في اليوم لزوج وزوجة وثلاثة أطفال؟»
يختم محمد: «وعدونا بدفع بدل إيواء في شهر أيلول، لم نحصل على أي قرش، اليوم أمين عام "حزب الله" وعدَنا مرة أخرى بدفع الإيواء، لا نملك إلّا الانتظار».
لا يستطيع أبو حسين العودة إلى بلدته المنصوري رغم أن الحرب الموسعة توقفت في شهر حزيران الماضي، وقد استأجر منزلًا متواضعًا في ضواحي مدينة صور مقابل ٣٥٠ دولارًا أميركيًّا.
يشاهد أبو حسين، مع أهل بلدته، بشكل شبه يومي، منازل المنصوري وهي تُهدم، لا يمكنهم فعل أي شيء إزاء ذلك سوى الجلوس والانتظار وذرْف الدموع.
ويقول: إن رحلة البحث عن منزل لم تكن سهلة، إذ اضطر إلى معاينة عدد من المنازل في صور وضواحيها قبل أن يجد منزلًا يناسب إمكاناته، فيما كانت معظم المنازل التي وجدها إما مرتفعة الثمن أو غير مناسبة لعائلته. ويشير إلى أن أصحاب المنازل يطلبون بدلات إيجار مرتفعة، مستفيدين من ارتفاع الطلب على الشقق في المنطقة.
ويضيف أن مبلغ ٣٥٠ دولارًا يشكّل عبئًا كبيرًا عليه، خصوصًا أن المنزل الذي استأجره متواضع ولا يشبه منزله في المنصوري الذي اعتاد أن يعيش فيه لسنوات. ومع ذلك، لم يكن أمامه خيار آخر، فـ«لا يمكن أن نبقى في العراء، ولا نستطيع العودة إلى المنصوري في ظلّ ما يحصل هناك».
لكن ما يؤلمه أكثر، بحسب ما أشار إليه في الحديث مع «الفان رقم ٤»، هو مشاهدة المنازل والمحال التجارية وهي تُهدم بشكل يومي: «نشاهد بيوتنا من بعيد وهي تُهدم، ولا نستطيع فعل شيء. حتى لو أردنا العودة، لا نعرف إلى ماذا سنعود».
يدفع محمد ٤٠٠ دولار شهريًّا ليستطيع البقاء في قضاء بنت جبيل، فيما يدفع أبو حسين ٣٥٠ دولارًا ليعيش في ضواحي صور، لكن بالنسبة لكليهما لا شيء في الدنيا يعوّض عن البيت الأساسي الذي كلّفهم جنى عمرهم واحتضن كل ذكرياتهم.
وبين منزل مستأجر وآخر نراقبه عن بُعد، يبقى كثير من الجنوبيين في انتظار أن يتضح مصير قراهم، وما إذا كان في الإمكان العودة إليها، أو إلى ما تبقّى منها. أما عن التعويضات فالدولة غائبة تمامًا، وتقول إن الأمر مرتبط بالتسوية الشاملة، أما الحزب الذي يعِدهم بالتعويضات وبإعادة البيوت أجمل مما كانت، فإن شيئُا من هذا لم يحصل حتى اليوم.





