13・10・2026
من العدد ٣٩
بيوت قليلة ونازحون كثر: الحرب ترفع الطلب على الإيجارات في جنوب لبنان


تظهر على تطبيق فيسبوك إعلانات تعرض بيوتًا للإيجار جنوبي لبنان خارج ما يعرف بالخط بالخط الأصفر، بأسعار تقارب أسعار الإيجارات المتعارف عليها في المناطق الأخرى، وتترافق هذه المنشورات مع تعليقات ساخرة باعتبار أن هذه المناطق خطرة، وأن الحرب ممكن أن تتجدّد في أي لحظة، ما يعني أن الأسعار المطلوبة مبالغ بها بشكل واضح.

إلّا أن سكان الجنوب اليوم يعلمون جيدًا أن المباني الشاغرة اليوم قليلة ومحدودة، والطلب مرتفع على استئجار المنازل والمحال التجارية، أكثر مما كانت عليه في فترة الأشهر الـ١٥ التي سبقت الحرب الأخيرة، والتي اندلعت على إثر اغتيال المرشد الإيراني السابق.

الحرب تغيّر سوق الإيجارات

في الفترة التي امتدت بين آذار وتموز ٢٠٢٦ (فترة الحرب الموسعة الثانية)، تعرّضت أكثر من ١٠٠ ألف وحدة سكنية للدمار بشكل كلّي أو جزئي، بحسب أرقام المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر.

شرّدت الحربان الأخيرتان قسمًا كبيرًا من الجنوبيين، فأبناء المنطقة الواقعة داخل الخط الأصفر هاموا على وجوههم، خسروا منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم، فيما أتى التهجير المتلاحق على كل ما يملكونه من مدّخرات.

بقي قسم يسير من الجنوبيين في المدارس ومراكز الإيواء القليلة التي لا تزال متاحة حتى اليوم، فيما اضطر معظمهم للعودة، خاصةً وأن معظم مراكز الإيواء هي بالأصل مدارس ومعاهد تربوية، ما حتّم إخلاءها مع حلول العام الدراسي الجديد.

وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار.

مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات. منازل قليلة يتسابق عليها أهل البلدة والنازحون من القرى المدمّرة.

قرى خارج الشريط الأصفر... أمان نسبي وإيجارات مرتفعة

أما خارج الشريط الأصفر، فإن الوضع يختلف بين بلدة وأخرى، فالقرى التي تقع بالقرب من هذا الشريط، مثل حاريص وشقرا وكفرتبنيت والنبطية الفوقا وغيرها، وبالرغم من عودة بعض أهاليها إليها، فإن الحياة فيها لا تُطاق، بفعل أصوات الانفجارات المتواصلة، والغارات التي تطال هذه البلدات بين الفينة والأخرى.

وبالتالي، فإن قسمًا كبيرًا من أهالي هذه البلدات، ورغم أنها غير محتلة اليوم، لم يتمكنوا من العودة إليها لصعوبة العيش فيها بسبب الظروف المذكورة، وتشهد هذه المناطق موجات نزوح مؤقتة كلما ساءت الأوضاع، كما حصل في النبطية قبل أسابيع عندما اضطر عدد كبير من أهاليها للنزوح باتجاه صيدا بعد ليلة عنيفة لم تتوقف فيها الغارات في محيطها.

وفي الأيام الماضية، وبسبب القصف المدفعي المكثف على وادي زبقين، نزح عدد كبير من سكان بلدة زبقين الواقعة خارج الخط الأصفر عند الفجر، بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا.

نجد أنفسنا إذًا أمام مفارقة غريبة، بلدات وقرى غير آمنة تتساقط القذائف على أطرافها وسكانها لا يستطيعون النوم بسبب أصوات التفجيرات، وكذلك لم تُستعد بعد الخدمات الحياتية الأساسية فيها، ولم تنطلق أي ورشات إعادة إعمار، ومع ذلك ستجد صعوبة هنالك في إيجاد شقة فارغة للإيجار بسعر مقبول. معظم أهالي القرى الحدودية المدمَّرة يفضلون السكن في الجنوب رغم كل المخاطر. أسباب اجتماعية ونفسية وعاطفية ربما تدفعهم إلى ذلك، ولسان حالهم:

«نريد البقاء بالقرب من قرانا حتى وإن مُحيت تمامًا».

«هل تكفي ١٠ دولارات في اليوم؟»

يقع منزل محمد في الطرف الجنوبي لبلدة حاريص، البلدة القريبة من الخط الأصفر والمجاورة لبلدة حداثا، حيث لا تتوقف التفجيرات فيها لا في الليل ولا في النهار، فيما لم تسلم حاريص من الغارات المتفرقة وعمليات تفجير البيوت عند تخوم البلدة.

بعد رحلتَي تهجير، مرة إلى الشمال ومرة إلى جبل لبنان، في حربي ٢٠٢٤ و٢٠٢٦، لم يتمكن محمد حتى اليوم من العودة إلى حاريص. صحيح أن منزله لم يُدمر بالكامل، ولكن لا مجال لترميمه أو السكن فيه في ظلّ كل هذه الظروف.

ويشير محمد في حديثه إلى «الفان رقم ٤» إلى أنه بحث طويلًا عن بيت في قضاء بنت جبيل، ليجد أخيرًا واحدًا مقابل ٤٠٠ دولار أميركي شهريًّا، وقد اضطر لطلب مساعدة إخوته الذين يعملون في إفريقيا لشراء الأثاث والأواني المنزلية. هو يعمل اليوم كموظف في إحدى المؤسسات، بعدما خسر محله التجاري بسبب الحرب. يقول: «بعد دفع الإيجار وفاتورة كهرباء الاشتراك لا يتبقى لي سوى ٣٠٠ دولار، هل تكفي ١٠ دولارات في اليوم لزوج وزوجة وثلاثة أطفال؟»

يختم محمد: «وعدونا بدفع بدل إيواء في شهر أيلول، لم نحصل على أي قرش، اليوم أمين عام "حزب الله" وعدَنا مرة أخرى بدفع الإيواء، لا نملك إلّا الانتظار».

من المنصوري إلى صور... بيت مستأجَر بدل منزل مهدّم

لا يستطيع أبو حسين العودة إلى بلدته المنصوري رغم أن الحرب الموسعة توقفت في شهر حزيران الماضي، وقد استأجر منزلًا متواضعًا في ضواحي مدينة صور مقابل ٣٥٠ دولارًا أميركيًّا.

يشاهد أبو حسين، مع أهل بلدته، بشكل شبه يومي، منازل المنصوري وهي تُهدم، لا يمكنهم فعل أي شيء إزاء ذلك سوى الجلوس والانتظار وذرْف الدموع.

ويقول: إن رحلة البحث عن منزل لم تكن سهلة، إذ اضطر إلى معاينة عدد من المنازل في صور وضواحيها قبل أن يجد منزلًا يناسب إمكاناته، فيما كانت معظم المنازل التي وجدها إما مرتفعة الثمن أو غير مناسبة لعائلته. ويشير إلى أن أصحاب المنازل يطلبون بدلات إيجار مرتفعة، مستفيدين من ارتفاع الطلب على الشقق في المنطقة.

ويضيف أن مبلغ ٣٥٠ دولارًا يشكّل عبئًا كبيرًا عليه، خصوصًا أن المنزل الذي استأجره متواضع ولا يشبه منزله في المنصوري الذي اعتاد أن يعيش فيه لسنوات. ومع ذلك، لم يكن أمامه خيار آخر، فـ«لا يمكن أن نبقى في العراء، ولا نستطيع العودة إلى المنصوري في ظلّ ما يحصل هناك».

لكن ما يؤلمه أكثر، بحسب ما أشار إليه في الحديث مع «الفان رقم ٤»، هو مشاهدة المنازل والمحال التجارية وهي تُهدم بشكل يومي: «نشاهد بيوتنا من بعيد وهي تُهدم، ولا نستطيع فعل شيء. حتى لو أردنا العودة، لا نعرف إلى ماذا سنعود».

تعويضات طال انتظارها

يدفع محمد ٤٠٠ دولار شهريًّا ليستطيع البقاء في قضاء بنت جبيل، فيما يدفع أبو حسين ٣٥٠ دولارًا ليعيش في ضواحي صور، لكن بالنسبة لكليهما لا شيء في الدنيا يعوّض عن البيت الأساسي الذي كلّفهم جنى عمرهم واحتضن كل ذكرياتهم.

وبين منزل مستأجر وآخر نراقبه عن بُعد، يبقى كثير من الجنوبيين في انتظار أن يتضح مصير قراهم، وما إذا كان في الإمكان العودة إليها، أو إلى ما تبقّى منها. أما عن التعويضات فالدولة غائبة تمامًا، وتقول إن الأمر مرتبط بالتسوية الشاملة، أما الحزب الذي يعِدهم بالتعويضات وبإعادة البيوت أجمل مما كانت، فإن شيئُا من هذا لم يحصل حتى اليوم. 

مقالات مشابهة
27・10・2026
توضيح وزارة البيئة حول أزمة النفايات في بعلبك
شهيرة زعيتر
كان لـ«الفان رقم ٤» لقاء بموظفة في وزارة البيئة وبالتحديد في مصلحة البيئة السكنيّة وهي مهندسة بيئية في الأربعينات من العمر طلبت عدم ذكر اسمها، وذلك لعدم حصولنا على كتاب خطّي من الإدارة، وقد خوّلت من قِبل الوزارة بالحديث عن الملف، تقول: «إن إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان ككل صعب، تحاول الوزارة التخفيف منه عبر الفرز من المصدر كلما أمكن ذلك، وبمعالجة أمر المطامر عبر التخفيف من الطمر ذات التكلفة
19・10・2026
بين مقاعد الدراسة وشاشات التعليم عن بُعد... كيف عمّقت الحرب الفجوة التعليمية بين أطفال لبنان؟
حسن سنديان
«كان وضعي النفسي مشتّتًا وممزّقًا. لم يكن ذهني منصبًّا على الدروس، بل كان معلّقًا ببيتنا في بيروت المهدَّد بالقصف في أي لحظة، وبعائلتي وأقاربنا وجيراننا الذين لم يتمكنوا من النزوح لعدم توفر مأوى لهم في المناطق الآمنة. عشنا تحت ضغط نفسي هائل وخوف دائم على من نحب».
08・10・2026
بين حيوية الأمس وتغيُّرات اليوم: كيف تبدَّلت ملامح الحياة الاجتماعية في قرى الجنوب؟
أكرم محمود
عند العودة بالذاكرة إلى عقد الثمانينات وما قبله، وتحديدًا خلال عقدَي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان الفضاء العام في قرى الجنوب يضجّ بحيوية فلكلورية وعفوية أصلية تعبّر عن روح المجتمع الريفي الأصيل. كانت ساحات القرى والمناسبات الاجتماعية، من أعراس ومواسم أعياد، تشهد حلقات الدبكة الشعبية المشتركة التي تجمع الشباب والشابات...
أيضاً للكاتب/ة
06・08・2026
العودة إلى الجنوب بعد الحرب… ظروف قاسية في ظل هدنة هشّة وقلق دائم
أحمد خواجة
يقف أبو حسين، ابن بلدة تبنين، أمام متجره لبيع المواد الغذائية، الذي أعاد فتحه بعد أسبوعين من توقف الحرب. يقول في حديث مع «فان رقم ٤» إنه لا يزال مترددًا في إعادة تعبئة متجره كما كان في السابق، بعدما خسر رأسماله في حرب الإسناد الأولى، ثم تلقى ضربة ثانية في الحرب الأخيرة، إذ دُمّرت بضائع لم يكن قد سدّد ثمن معظمها، ما راكم عليه ديونًا كبيرة.
30・06・2026
الجنوبيون بين فكّي النزوح والبطالة… والحرب تلتهم الاقتصاد اللبناني
أحمد خواجة
عندما قابلنا أحمد، وكان يقطن في أحد مراكز الإيواء في بيروت، كان يخشى ألّا يجد مكانًا يعود إليه بعد انتهاء الحرب؛ تلك الحرب التي كان يتخوّف من أن تمتد لأشهر طويلة، وربما لسنوات. ويضيف: «إن المنزل الذي كان يستأجره في كفردونين قد تدمّر في الحرب الحالية، ومعه الأثاث الذي لم يكن قد استكمل سداد ثمنه حتى الآن». لا نعلم مصير أحمد اليوم؛ هل غادر مركز الإيواء، أم ما زال يبحث عن منزل جديد في قرية جديدة؟
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.