.jpg)
شهدت بلدات وقرى الجنوب اللبناني، المنتشرة في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون، تحولات جذرية عميقة طالت بنيتها الاجتماعية والثقافية واليومية على مدى العقود الأربعة الماضية. هذه التغيّرات لم تقتصر على مجرد تحول في مظاهر العيش البسيطة أو أشكال الترفيه العابرة، بل لامَست عمق هوية الفضاء العام وطبيعة تعبير المجتمع عن الفرح والجمع والذاكرة الجمعية المشتركة.
عند العودة بالذاكرة إلى عقد الثمانينات وما قبله، وتحديدًا خلال عقدَي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان الفضاء العام في قرى الجنوب يضجّ بحيوية فلكلورية وعفوية أصلية تعبّر عن روح المجتمع الريفي الأصيل. كانت ساحات القرى والمناسبات الاجتماعية، من أعراس ومواسم أعياد، تشهد حلقات الدبكة الشعبية المشتركة التي تجمع الشباب والشابات، إلى جانب تأسيس الفرق الفنية والموسيقية المحلية التي مثّلت بلداتها في المحافل الوطنية والإعلامية، مثل مشاركة أهالي وفرقة ديركيفا في برنامج «استوديو الفن» على شاشة تلفزيون لبنان. كانت تلك الأنشطة تعبيرًا طبيعيًّا وصادقًا عن النسيج الاجتماعي القرَوي المبني على الإلفة واللقاء المباشر والمشاركة الوجدانية العميقة بين أبناء البلدة الواحدة في كل المناسبات.
إلّا أن هذا المشهد الثقافي والمجتمعي الزاهر بدأ يتراجع ويتوارى تدريجيًّا لصالح نمط آخر مختلف تمامًا في خصائصه ومعالمه. ويمكن تفكيك العوامل والمتغيّرات المركبة التي أدّت إلى هذا التراجع والتحول في مجموعة من المحاور الرئيسية والمتداخلة التي رسمت معالم الواقع الاجتماعي الحالي.
أول هذه العوامل وأكثرها تأثيرًا هو التحول السياسي والأيديولوجي والديني الذي شهدته المنطقة منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي. مع صعود القوى والأحزاب ذات التوجه العقائدي المحافظ، وعلى رأسها «حزب الله»، جرت إعادة صياغة شاملة لطبيعة الفضاء العام والمعايير الاجتماعية المنظمة له. فرضت هذه التوجهات ضوابط شرعية صارمة على مختلف مظاهر الاحتفال والتجمُّع، خصوصًا في ما يتعلق بمنع الاختلاط بين الجنسين في الرقص والدبكة والاحتفالات العامة، وتقييد الاستماع إلى الموسيقى والأغاني الطرَبية التقليدية. ونتيجة لهذه التحوّلات الصارمة، تراجعت الفنون الشعبية التقليدية والأنشطة الفولكلورية المتنوع لتفسح المجال أمام أنشطة ومناسبات ذات طابع موجّه وملتزم، مثل إقامة المجالس الدينية والمسيرات الكشفية والمهرجانات التي تعتمد على الأناشيد واللطميات، ما أدّى إلى تغيير جذري في طبيعة التعبير الجماعي واستبدال الفولكلور الشعبي العفوي بطقوس وشعائر محدّدة تخدم الهوية العقائدية والسياسية الجديدة التي طغَت على أجواء المنطقة.
أما العامل الثاني فيتمثّل في التحولات الديموغرافية القاسية الناتجة عن الحروب والأزمات الأمنية المتعاقبة. شهد الجنوب اللبناني على مدى عقود طويلة موجات متتالية ومتصاعدة من التهجير والنزوح الداخلي نحو العاصمة بيروت وضواحيها، إضافة إلى حركة الاغتراب الخارجي الواسعة نحو قارات أفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال المتواصل الذي خيّم على أجزاء واسعة من الشريط الحدودي والجنوب حتى عام ٢٠٠٠. هذا التهجير القسري والطويل أفرغ القرى من أعداد كبيرة من أبنائها، وتحديدًا فئة الشباب والشابات، وهي الفئة التي كانت تشكل العصب الأساسي والمحرك الرئيسي لكافة المبادرات الفنية والرياضية والكشفية والتي كانت تتابع إحياء التراث وحفظه من الاندثار.
العامل الثالث يتعلق بتغير نمط الإنتاج والحياة الاقتصادية اليومية. في العقود الماضية، كانت المظاهر الفلكلورية والاحتفالية مرتبطة أشدّ الارتباط بالنمط الزراعي ومواسم العمل الجماعي الأليفة، مثل مواسم حصاد الزيتون وعصر العنب وبناء البيوت القروية القديمة، حيث كانت التعاونية الشعبية المعروفة بين الأهالي باسم «العونة» تشكّل بيئة خصبة للاجتماع اليومي وتبادل الأغاني والحكايات والقصائد الزجَلية. ومع تراجع الاعتماد على الزراعة كعنصر أساسي للدخل وتحوّل اقتصاد الأسر القروية نحو الوظائف والتجارة واغتراب الأبناء، تحوّلت القرى في كثير من الأحيان من مراكز حياة يومية دائمة ومستمرة إلى أماكن مخصصة للزيارات الصيفية السريعة أو عطلات نهاية الأسبوع، مما أضعف التواصل الاجتماعي المستمر الذي كان يُنتج هذه الأنشطة العفوية.
أما العامل الرابع فهو التحول التكنولوجي والتطور المعاصر الشامل في وسائل الترفيه والاتصال. فقبل انتشار وسائط الاتصال الحديثة والتلفزيون والهواتف الذكية والأجهزة الرقمية، كانت السهرة القروية ولقاء الساحات والمقاهي الشعبية هي المنفذ الوحيد المتاح للتسلية والتواصل البشري المباشر. ومع دخول هذه الوسائط الحديثة وتغلغلها في تفاصيل العيش، اتجه الأفراد نحو الاستهلاك الفردي والترفيه الافتراضي المتركّز داخل البيوت، وهو تحول اجتماعي عالمي أثّر على كافة المجتمعات الريفية في كل مكان، إلّا أنه كان أشدّ وضوحًا وتأثيرًا في قرى الجنوب التي كانت تعتمد كليًّا على التواصل الشفهي والمباشر بين أفراد المجتمع.
إن هذا التراجع الكبير في النشاط الفولكلوري والثقافي لا يعني أبدًا اندثار الذاكرة الاجتماعية للقرى، بل إنه يضاعف من أهمية وقيمة المبادرات الأهلية والفردية التي تسعى إلى التنقيب في الأرشيفات القديمة والبحث عن الصوَر والوثائق والمخطوطات النادرة. إن الحفاظ على هذا الأرشيف التوثيقي وحماية وجوه أبناء القرى وحكاياتهم القديمة ليس مجرد حنين إلى الأيام الخوالي، بل هو عمل وثائقي واجتماعي ضروري يثبت أن هذه البلدات امتلَكت عبر تاريخها تنوُّعًا وحيوية وثقافة وفنًّا أصيلًا، ويضمن انتقال هذه الذاكرة الغنية إلى الأجيال القادمة لتظلّ شاهدة على أصل الجذور وطبيعة الحياة الحافلة بالفرح والإلفة التي عاشها الآباء والأجداد.





