.jpg)
ليست المشكلة في أن يكون المواطن شيعيًّا، ولا في أن يعتزّ بانتمائه الديني. المشكلة حين يُقال للشيعي إن تشيّعه يفرض عليه موقفًا سياسيًّا، أو ولاءً خارجيًّا، أو خيارًا لا يحقّ له أن يناقشه.
فالشيعي في لبنان هو لبناني بالدرجة الأولى في وطنه، وشيعي في انتمائه الديني ولا تعارُض بين الأمرين. ولا يجوز أن يتحول انتماؤه الديني إلى هوية سياسية تُلزمه بخيارات لا يستسيغها.
لقد آن للطائفة الشيعية في لبنان أن تتحرر من الفكرة التي اختزلتها منذ سنوات في حزب أو ثنائي أو سلاح. فالطائفة أوسع من أي حزب، وأكبر من أي قيادة، وأغنى من أن تُختصر في موقف سياسي واحد. وكما لا يحق لطائفة أن تختزل لبنان، لا يحق لفريق أن يختزل طائفة بكاملها.
وهذا ليس خلافًا على التمثيل فقط، بل على حق الإنسان الشيعي في أن يكون مختلفًا، وأن يسأل، وأن يعترض، وأن ينتقد، وأن يختار من دون خوف.
لقد تحوّل الاختلاف داخل البيئة الشيعية، في مراحل كثيرة، من حق طبيعي إلى تهمة. وصار السؤال يُعامل كخروج، والاعتراض كخيانة، والاستقلالية كخصومة. لكن المجتمع الذي يُطلب منه أن يصمت كي يحافظ على وحدته، لا يحافظ على وحدته بل يفقد حريته، وهذا هو الحال.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة استعادة المواطن الشيعي لحريته في تعريف نفسه وخياراته السياسية.
فالانتماء الديني لا يُلغي الانتماء الوطني، والعلاقة الروحية مع أي دولة مثلًا، في العراق أو إيران، أو أي مرجعية دينية في الخارج لا يمكن أن تتحوّل إلى تبعية سياسية. العلاقات الدينية والثقافية شيء، والولاء السياسي شيء آخر. فإن «روابط الأديان لا يجوز أن تكون على حساب الأوطان».
والسؤال هنا ليس: هل الشيعة مع لبنان؟
ولكن السؤال الحقيقي هو: لماذا ما زال مطلوبًا من الشيعي اللبناني أن يثبت لبنانيته كل مرّة؟
نحن لا نريد طائفة تبحث عن اعتراف بلبنانيتها. نريد شيعيًّا لبنانيًّا واثقًا من لبنانيته، حرًا في خياراته، شريكًا في وطنه، ومتصالحًا مع باقي المكوّنات اللبنانية.
ولنصل إلى التحرير والحرية على الطائفة أن تطرح على نفسها أسئلة صعبة: ماذا أعطانا مشروع السلاح؟ ماذا أعطتنا الحروب المتكررة؟ ماذا بقي من القرى التي هُدمت، ومن العائلات التي نزحت، ومن الشباب الذين غادروا، ومن الأجيال التي كبرت على الخوف؟
إذ لا يمكن أن يصبح اتساع المقابر إنجازًا، ولا أن تتحوّل الخسائر إلى معيار للانتصار، ولا أن يُطلب من الناس أن يدفعوا أثمان خيارات لم يشاركوا في صنعها. فالمجتمعات تُقاس بما تنتجه من تقدّم في الحياة، لا بما تقدّمه نحو الموت.
ومن هنا، فإن التحرر الحقيقي ليس فقط من السلاح، بل من ثقافة السلاح من تحويل الحرب إلى هوية، ومن التضحية إلى واجب مفروض، ومن الموت إلى فضيلة سياسية، ومن الصمت إلى شرط للانتماء.
لقد آن للطائفة أن تستعيد صورتها الوطنية اللبنانية، وأن تخرج من موقع الخوف إلى الحرية، ومن موقع الدفاع الدائم عن خيارات الآخرين إلى موقع صناعة خياراتها بنفسها.
ان التحرر الذي تحتاجه الطائفة الشيعية ليس تحررًا من لبنان، بل تحررًا من كل ما منع الشيعي من أن يكون لبنانيًّا بكامل حريته.
وحين تتحرر الطائفة من سجن الاختزال والخوف والوصاية، لن تخسر لبنانيتها؛ بل ستستعيدها كاملة.
فالطائفة ليست سجنًا، ولا مُلكًا لأحد. والشيعي الحر هو اللبناني الذي يختار، ويختلف، ويحاسب، ويشارك، ويبني الدولة مع باقي اللبنانيين، ويهدم كل دعوة لأن يكون الشيعة امتدادًا للخارج على حساب وطنهم الأم لبنان.





