.jpg)
الأمومة ليست مجرّد وظيفة بيولوجية. الأمومة تجسيد لأقوى الروابط الإنسانية على الإطلاق؛ إنها علاقة تنطلق من الفطرة ولا تتوقف عندها، لتصبح حبًّا تمتزج فيه الحماية والرعاية والفرح والقلق. حين تصبح حياة الولد امتدادًا لحياة أمه، وسلامته امتدادًا لأغلى أمنياتها، يخرج هذا الرابط من أعماق الغريزة ويتجاوز الصلة البيولوجية ليُصبح رابطًا إنسانيًّا ممتدًّا إلى جذور الإنسان الفرد والجماعة.
لهذا كانت الأم، عبر التاريخ، الصورة الأكثر التصاقًا بالحياة. هي التي تحمل، وتلِد، وترعى، وتسهر، وتخاف، وتدافع، وتبذل من ذاتها كي يبقى ابنها حيًّا.
لكن ماذا يحدث عندما تدخل الأيديولوجيا إلى هذه العلاقة الأكثر بداهة في حياة الإنسان؟
ماذا يحدث عندما تتبدّل الأم من شخص يحبّ ويحمي، إلى شخص يمنح موت الولد معنى؟ كيف لأم أن ترى في فقْد ابنها فضيلة، وأن تحوّل خسارتها إلى انتصار لقضية، بل هدفًا لها؟ هنا يبدأ توجيه الأمومة وتجريدها مما فُطرت عليه، وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق التوقف عندها.
إن التضحية بالأبناء في بيئة «حزب الله» ليست حادثة فردية أو مجرد موقف عاطفي تجاه الموت، بل هي جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها العقيدة الدينية، والولاء التنظيمي، وثقافة الاستشهاد، والرموز التاريخية، وآليات التعبئة الاجتماعية. إنها ثقافة توظف كل ما يخدم قضيتهم ورأس هرمها الأمهات والأبناء، كل ذلك لأجل قضية تُقدَّم بوصفها أسمى من الحياة نفسها، فتغدو الحياة قربانًا على مذبح الأيديولوجيا.
في هذا العالم الأيديولوجي الخاص، تصبح الأم المفجوعة أمًّا تقدّم ابنها من أجل قضية سامية، وترى في فقْده فضيلة. ويصبح الابن الذي خسرت شهيدًا على طريق مقدّس متشعّب وغامض. يُنقل حينها الحدث الخاص بالابن الشهيد والأم الحزينة إلى حدث عام ضمن سردية الجماعة الموجّهة: صوَر ومراسم وخطابات ومظاهر عزّ وكبرياء وتهانٍ وتبريكات…
وهنا يقع الصراع بين أمومة فطرية إنسانية تريد ابنها حيًّا، وأمومة أُعيد تشكيلها وتأطيرها داخل منظومة الجماعة، لترى في الموت هدفًا نبيلًا.
بعد فقد الابن، من الطبيعي أن تبحث الأم، عن معنى يخفف وطأة خسارتها عن معنى يساعدها على مواجهة حزن لا يمكن لها أن تتجنّبه. لكن من غير الطبيعي أن تنشأ على فكرة أن خسارته مَدعاة للفخر، حتى قبل أن يولد.
لا يأتي هذا كله من فراغ. فالأيديولوجيا التي تجعل ولاية الفقيه مرجعية دينية وسياسية شبه معصومة، وتربطها بالتعبئة والجهاد والاستشهاد، لا تكتفي بتحديد موقف الإنسان من السياسة والحرب، بل تستطيع أن تمتد إلى حياته ومصيره، وإلى أسرته، وتربية أبنائه، ومفهوم التضحية لديه، وطريقة فهمه للموت نفسه.
تصبح الأم هنا هدفًا بالغ الأهمية؛ فهي ليست مجرد فرد داخل المجتمع، بل بوابة العائلة. ولذلك فإن تحويل صورة «أم الشهيد» إلى نموذج مقدّس ليس تفصيلًا دعائيًّا عابرًا، بل أداة قادرة على إعادة صياغة معنى الفقد ذاته.
تصبح الأم شاهدة تُضفي الشرعية على الحدث؛ كونها أكثر الأشخاص خسارة، ومع ذلك تقبل التضحية. وتغدو الأم حينها نقطة محورية في الخطاب.
حين تُقدَّم الأم التي فقدت ابنها بوصفها المثال الأعلى للصبر والرضا والتضحية، وحين تُستدعى الرموز الكربلائية لتفسير هذا الفقْد ومنحه قيمة دينية، لا تعود الأم مجرد امرأة تواجه مأساة ابنها، بل تتحول تدريجيًّا إلى جزء من منظومة إنتاج الموت.
سؤال يفرض نفسه وينتظر إجابة قد تكون مؤلمة: هل استطاعت الأيديولوجية تغيير عمق معنى الأمومة لتتحول الأم من مانحة للحب والحياة إلى كائن مستعد للتضحية بالحياة التي منحها وائتُمن عليها؟
أخطر آثار الأيديولوجيا لا تكمن في قدرتها على تبرير الموت بعد وقوعه، بل في قدرتها على إعادة ترتيب القيَم التي تسبق الموت نفسه. فالأيديولوجيا لا تلغي الحزن، بل تُعيد تأطيره وفهمه وتوجيهه، وتحدّد أحيانًا كيفية إظهاره أمام الجماعة وفي العلن. ولا يعود حينها الأمر مقتصرًا على تبرير الموت، بل يمتدّ إلى أدلجة الحزن نفسه.
فالأم التي فقدَت ابنها تفقد معه حقها وحريتها وطريقتها في الحزن، وخرج حزنها من دائرته الشخصية والفردية ليصبح رسالة ونهجًا لمخاطبة الجماعة. حتى في لحظة الموت والحزن، يُنتظر منها أن تقول ما ينسجم مع الرواية: أنها لم ترَ إلّا جميلًا.
وهكذا لا تتغيّر مفاهيم الموت وحدها، بل يتغيّر معها معنى الحزن. ويُنتزع من الأم حقها في أن تكون أمًّا مفجوعة، ليُعاد تقديمها بوصفها أيقونة وصورة تخدم مشروعًا سياسيًّا وأيديولوجيًّا.
عندها يفرض السؤال نفسه: ماذا فعلت الأيديولوجيا بالموت؟ وسؤالًا آخر: ماذا فعلت الأدلَجة بالأم التي بقيت حيّة بعد فقد ابنها؟
والسؤال الأدهى يبقى: ما هو شعور الأم التي لم تخسر ولدًا ولا تريد خسارته ولا تقبل تسخيف حبها لولدها ولحياته وللسعادة ولا تعرف ماذا تخبّئ الأيديولوجيا القاتلة والمجتمع المؤدلَج، لها ولولدها.





