.jpg)
في «ساحة السرايا» في بعلبك، وهي الساحة التي سُميّت بهذا الاسم نسبة لوجود مبنى البلدية فيها، وأثناء مروري الدائم من هناك، أرى اكوامًا من النفايات والتي من الممكن ان تؤخذ لها صورة مع المبنى البلدي لتعبِّر لوحدها عن الواقع، وهو ما يفعله الكثير من المواطنين المارّين قربه.
فكيف وصلت منظومة إدارة النفايات في المدينة إلى هذه الحال؟
تكشف جولة ميدانية ومقابلات أجريناها مع مسؤولين وخبراء وسكان أن أزمة النفايات لا ترتبط فقط بتراكمها، بل بمجموعة مشكلات مرتبطة بجَمعِها ومعالجتها وطمرها؛ وسط أسئلة حول المسؤوليات والحلول الممكنة وآثرها على صحة الناس والبيئة.
وجهة نظر البلدية صرّح بها لـ«الفان رقم ٤» رئيس البلدية أحمد الطفيلي في حديث أُجريَ معه. يقول: إنه منذ حوالى الشهر « بدأت الأزمة وحصل الحريق في معمل فرز النفايات في بعلبك وفي المطمر التابع له واستمر لأسبوعين كاملين، فلم يعد بمقدور عمال البلدية أن يُزيلوا النفايات من الحاويات في أي مكان لأن رمي النفايات فوق المطمر المشتعل يزيد اشتعاله، وبالتالي امتلأت الشوارع بالنفايات التي رأيناها، وبقيت في مكانها وازدادت. حاولت البلدية إزالتها فقط من السوق التجاري ومحيط القلعة ومرجة رأس العين لأنها أماكن تستقبل الزائرين الأجانب والمحليين أكثر من بقية الأحياء السكنيّة». و«كانت كمية النفايات التي تتراكم يوميًّا حوالى الـ١٢٠ طنًّا وكان يُرفع منها ٢٠ طنًّا فقط من الأماكن السابق ذكرها».
يقول أحد المعنيين في معمل فرز النفايات لـ«الفان رقم ٤» والذي لم يصرّح عن اسمه وهو مهندس في الثلاثينات من العمر، إن المعمل «توقف كليًّا عن العمل عند حصول الحريق لأنه لا يمكن تشغيل المعمل ولا المطمر كلٌّ على حدة، إذ إنهما يشكلان سلسلة متكاملة فلا يمكن الفرز إلّا عبر معالجة العوادم والطمر أيضًا». ويُضيف: «إن العمل في خلال الحريق كان يحصل على فترات متقطعة وفي الأشياء المخزّنة سابقًا فيه».
سألنا الناشط البيئي بول أبي راشد عن ذلك، فأخبرنا «إن العوادم تُطمر عادةً في المطمر، وهي لا تحترق ولا تُنتج غاز الـ«ميثان» القابل للاحتراق، ولكن سوء الفرز يعني طمر أشياء قابلة للاشتعال. كما أن تخمُّر النفايات يسبب رائحة كريهة ويُنتج غاز "الميثان" القابل للانفجار عند وجود الأوكسيجن واحتكاكه به».
لكن رئيس البلدية، أحمد الطفيلي يقول بدوره «إن النفايات تُنتج غازات كل ثلاث سنوات. وبعد عدة سنوات تكون هناك إمكانية لحدوث حرائق. ولأنه لا يوجد ضمن المطمر "شاروق" ينفث الحريق والغازات، لأنه غير مجهّز بذلك، ورغم وجود قسطل يبدو أنه غير فعّال فالأسلم وجود "شاروق" عامودي له شعلة في رأسه. وقد يكون ذلك نقصًا في تصميم المطمر عند بنائه. ومع الصيف فإن أصغر زجاجة أو سيجارة مع الحرارة تشعِل المطمر». وبرأي الطفيلي أنه «في الماضي لم يكن هناك حرائق مفتعلة لأن ما من مصلحة لأي أحد من المسؤولين بذلك ولأنها حصرًا كانت تحصل في فصل الصيف».
أما الطريقة المعتادة للخلاص من النفايات، بعد جمعها، فهي أن تُنقل إلى المعمل حيث يحصل فرز المواد القابلة لذلك، فيما تتحول مواد أخرى، عبر التسميد، إلى مواد عضوية تفيد المزارعين. أما غير القابل للفرز فيُسمّى عوادم ويُنقل إلى المطمر.
وتبيّن لنا أن المسؤولين عن هذه القضية هم: بلدية بعلبك والمعنيون في المعمل، كذلك الاتحاد الأوروبي بصفته جهة مموّلة لبناء المعمل والمطمر، والشركة المشغّلة له، والمتعهّد. وقد استطعنا الحديث فقط مع البلدية والمعنيين في المعمل ولم نستطع التحدُّث إلى بقية الأطراف المعنيين. أما وزارة البيئة فقد وعَدت بالرد ولكننا أيضًا لم نستطع التواصل مع المعنيين فيها حتى إعداد هذا التقرير.
يعفي الطفيلي بذلك شركة «معمار»، الشركة المشغّلة للمعمل والمطمر، والتابعة لـ«حزب الله» من مسؤولية الحريق؛ لأنها لا تقوم بالصيانة فقط، بل تشغّله «بشكل جيد»، وفق ما صرّح به.
لم يربط الطفيلي الأزمة بقدرة المعمل التشغيلية، لأنها، بحسب قوله، «تفوق ما يصل إليه؛ إذ يصل نحو ٢٠٠ طن يوميًّا، في حين تصل قدرته التشغيلية إلى ٢٥٠ طنًّا. وهي طاقة المعمل الجديد الذي تمَّ تجهيزه منذ نحو شهرين، بتمويل من وزارة البيئة، إلى جانب المعمل القديم. وقد أُسِّس لاستيعاب نفايات مدينة بعلبك وكل قرى الجوار، من نحلة، وإيعات، ودَورس، وبوداي، وصولًا إلى بيت شاما وشمسطار وسواهما».
ونقى الطفيلي الرواية المتداولة عن عمال النفايات وما يُتداول حولهم، مفادها أنهم لا يقومون بعملهم بشكل جيد بسبب أجورهم التي لا يتقاضونها دائمًا. وأكد أنهم، رغم كل شيء، يُنجزون عملهم بشكل جيّد. لكنه اعترف بالعجز المالي في البلدية بسبب ضعف الجباية، وبسبب الوضع الأمني السيّئ، وكذلك لأن للبلديات أموالًا في الصندوق البلدي المستقل لا تحصل عليها، بل تتصرف بها الدولة.
وتحدّث أيضًا عن كمية النفايات الكبيرة بسبب التعداد السكاني الكبير من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، ومع التراكم، كل أربعة أو خمسة أيام، تتجمّع كميات هائلة.
وتحدث عن «آليات البلدية القديمة، ذات الأعطال الكثيرة وكلفة الصيانة الكبيرة، ومع تعطُّل أربع إلى خمس آليات معًا أحيانًا، وعن أسعار المحروقات التي زادت عن العام الماضي فأصبحت الضعف، وعن تعامل الناس بطريقة خاطئة مع النفايات عبر رميها على الأرض بجانب الحاويات وليس في داخلها، وأن البلدية لم تستطع إقناع الناس بأن ينتظروا الآليات كل يوم أو يومين ليضعوا النفايات فيها مباشرة. عدا عن أن البلدية، حتى تزيد من خدماتها، تدعو الناس إلى أن يأتوا لدفع رسوم النفايات، فالجباة لا يستطيعون أن يغطوا المدينة كلها، ومن واجب المواطن أن يدفع حتى لا تترتب عليه غرامات».
لم نستطع الحصول على تقارير عن حادث الحريق، أو كميات النفايات اليومية، أو سواها، من الطفيلي أو من المسؤول في المعمل.
ولا بد لنا من ذكر أسباب الحريق على لسان مرحَب حمية، وهو أمين سر اتحاد جمعيات بعلبك الهرمل، والذي صرح في مقابلة له مع «الـفان رقم ٤» إنه يعلم أن المطمر تمَّ إشعاله من قِبل ابن المتعهّد نتيجة خلافه مع مسؤول حزبي يريد أن يضع يده على المطمر، لأن أرباحه الشهرية كبيرة جدًّا. وقد تظاهَر الناس بعد ذلك محتجين على الوضع، ولأن المعمل والمطمر يقعان بالقرب من ثلاثة مستشفيات، ولأن الناس لم تعد تتحمّل الانبعاثات الناجمة عن الحريق.
كما تحدث حمية عن زيارة وزيرة البيئة للمنطقة في تلك الأثناء، وافتتاحها مسلخًا وعدم تفقّدها مكان تجميع النفايات، وعن أن رئيس البلدية كوّن لجنة نتيجة ضغط الأهالي لكنها لم تعد تجتمع، وأن كل العمل في المنشأة يتمّ بشكل عشوائي وغير مطابق للمعايير العلمية اللازمة، وأن الناس «تتنشق السرطان» نتيجة سرقة «شفّاطات الدُخان» وحرقها في السنوات السابقة. وأضاف أن «شركة معمار التابعة لـ"حزب الله" لن تنجح لأن «السياسة والبيئة معًا لا يمكن أن ينجحا».
أمّا بهية صلح، التي تسكن قريبًا من موقع هياكل بعلبك، فقد صرّحت لـ«الفان رقم ٤» إن النفايات تراكمت بكثافة إلى جانب منزلها، وفي محيط القلعة، مع ما ينتج عن ذبح البقر والماعز. وحين تأتي سيارة البلدية لجمع النفايات ليلًا، في بعض الأحيان، يقومون بإحراق ما تبقّى منها، ما يتسبب بحرق حجارة سور القلعة، عدا عن الكلاب الشاردة التي أصبحت أماكن تجمُّع النفايات مأوى لها.
وقد تواصلت صلح مع البلدية، فأتى الرد، المبرر بالنسبة إليهم: «ماذا نفعل؟ زبالة بعلبك كلها صارت عندك. شِلنا الحاويات من كل بعلبك، ومش عم نلحّق نشيلها من حدّك».
وأكثر ما يُزعج السيدة صلح هو «قلّة المسؤولية والاستلشاء بمحيط ومَعلَم سياحي يقصده الناس من كل حدْب وصوْب. وقد سُلِّمت سيارات جديدة ونظيفة للبلدية كهِبات لتنظيف المنطقة، فظلت السيارات نظيفة والبشر قد طمرتها النفايات»
وقد أشارت رزان الشمالي لـ«افان رقم ٤»، والتي تسكن أحد الأحياء، إلى الروائح القبيحة جدًّا، وإلى الحشرات، من ذُباب وقوارض، التي كثُرت مع ازدياد كمية النفايات. كما أشار مواطن يسكن في حي آل ياغي لـ«لفان رقم ٤»، وهو موظف في الدولة وفي الخمسينات من العمر إلى ترك عمال البلدية النفايات المنتشرة على الأرض وعدم إزالتها، ما يؤدّي إلى تراكمها.
وقد فنّد طبيب أمراض الرئة علي إسماعيل لـ«فان رقم ٤» في مقابلة معه آثار حرق النفايات على صحة الإنسان. فمن ناحية الرئتين، يرى أن المناعة تضعف، وتزيد الالتهابات والأمراض التحسُّسية والانسداد الرئوي؛ ومَن ليس لديه مرض رئوي يُصبح عُرضة له، ومَن لديه عوارض سابقة تزداد انتكاساته الصحية.
وبالنسبة إلى الإجراءات والحلول، تحدّث إلينا المهندس المسؤول في المعمل والذي أشرنا إليه سابقًا عن عدم وجود خطة طوارئ، بل نظام إطفائي، رغم أنه ليس من اختصاص القيِّمين على المعمل، وذلك عبر التبريد بالمياه عند الحرق للجرّافات عندما تدخل للإطفاء. كما أفاد لنا بأن وزارة البيئة وعُدت بحلّ قريب، قد يكون عبر إنشاء «الشواريق» ومنافذ ومطافئ للحريق في حال حصوله.
أما الإجراء الثاني، فيكون عبر حصر الحريق في مكانه كي لا يمتدّ، وليس السيطرة عليه كليًّا. وصرّح لنا بأن الوزارة قامت بتحقيق بيئي في موضوع الحريق، وحوّلته إلى النيابة العامة البيئية للتأكد من ألّا يكون مفتعلًا. وقد كانت كل هذه وعودًا بالحل، ولم يبدأ تنفيذها بعد، مع أمل بأن يأتي الحل خلال فصل الشتاء، والانتهاء من هذه المشكلة مع بداية الصيف».
وبالنسبة إلى دور المجتمع المدني، فإن «نادي بعلبك الاجتماعي» نظّم لقاءً مع الناشط البيئي زياد أبي شاكر، بحضور رئيس بلدية بعلبك وفعاليات المنطقة والناس الذين أبدوا امتعاضهم من الأزمة. وقد تحدّث أبي شاكر عن أفضل الحلول للنفايات على صعيد لبنان.
وبذلك، لا تبدو أزمة النفايات في بعلبك مرتبطة بعامل واحد، بل بتداخل المشكلات اللوجستية مع العامل السياسي والتركيبة الاجتماعية، فيما يبقى تنفيذ الحلول المطروحة مرتبطًا بهذا التداخل.


