.jpg)
أين يختبئ عقل الطائفة حين يُساق شبابها إلى المقابر تحت أهازيج نصر لم يعد يصدقه حتى من يرفعه؟ في جنوبي لبنان والبقاع لم يعد هذا السؤال همسًا يتردّد بحذَر في الغرف المغلقة بل أضحى صرخة مكتومة تكاد تفجر جدران الصمت التي بناها ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» بالحديد والنار والترهيب الأيديولوجي. إنها لحظة الحقيقة المُرة التي تفقأ العيون، مجتمع بأكمله يُساق بعيدًا من مقاعد الدراسة وميادين العمل والإبداع لِيُحشَر قصرًا في ثقافة العسكرة والدماء، ولا شيء غير الدماء.
لقد استيقظ الشارع الشيعي على واقع مُفجع، شباب في عمر الورد كان يفترض أن يكونوا أطباء ومهندسين ومبدعين ينهضون بوطنهم، يُعادون في صناديق خشبية نُسجت حولها أوهام البطولة، وقرى كاملة تُمسح من الخريطة واقتصاد منهار يترك العائلات صَرْعى الجوع والنزوح. لقد أُفرغت المدارس والجامعات من مضمونها التنويري لصالح بيئة تُعيد إنتاج المقاتل لا العالِم، والمضحّي لا الباني في عملية تجريف ممنهجة لعقل الشباب وفكرهم ليبقى المجتمع رهينة لمشروع حرب أبدية لا تنتهي، حطَبًا في موقد أوهام النفوذ الإقليمي.
وهنا تتجلّى خديعة الخطاب، فالنصر الذي طالما صُدح به في الميادين شهد تحوّلًا بنيويًّا فاضحًا. لقد غابت نبرة الانتصار الحاسم المفترض وتبدّدت ادعاءات الردع الجاهز ليحل محلها خطاب يتغذّى على تبرير الخسائر وتقديس الآلام. يُطلب من الناس اليوم أن يجدوا في الركام ونزوح مئات الآلاف ثباتًا إيمانيًّا وأن يفسروا ضياع جنى العمر بأنه ضريبة كرامة. أي نصر هذا الذي يقتضي أن تدفع الطائفة أمنها وأرزاقها ومستقبل أطفالها كلفةً لسياسات أرعن جعلتها منبوذة في وطنها ومعزولة عن محيطها العربي ومحاصرة من العالم أجمع؟
لقد تحول الثنائي من مظلة حماية متخيّلة إلى سجّان يُمسك بجلابيب الطائفة، يرهن مصيرها ويصادر قرارها ليضعها في صدام دموي ومجاني مع باقي الشركاء في الوطن. إن المحاسبة الحقيقية اليوم لا تتم في صناديق الاقتراع المزوّرة بالخوف والتخوين بل تتشكل في قلوب الأمهات الثكالى وفي عيون الآباء الذين يرون أرزاق عقود تتحول إلى رماد في لحظات طيش سياسي.
لقد سقطت ورقة التوت عن خطاب الخداع وتبدّدت هيبة السلاح أمام جبال الآلام والفقر والتشرد... إن البيئة الشيعية في الجنوب والبقاع لم تعد ترغب في لعب دور الضحية، وهي اليوم تغلي لأنها أدركت أخيرًا أن أشدّ أعداء الطائفة ليس الخطر الخارجي فحسب بل مَن يستثمر في دمائها ويبيع حاضرها ومستقبل أبنائها في سوق المزادات الإقليمية. إنها بداية الانفجار الكبير في وجه سلطة الوهم، فالجوع والدم المراق لا يغطيهما بلاغة الكلام ولا تسعفهما رايات الشعارات.





