02・10・2026
من العدد ٣٨
خلف جدار الصمت: عندما يستيقظ العقل من سَكْرة الوَهْم


أين يختبئ عقل الطائفة حين يُساق شبابها إلى المقابر تحت أهازيج نصر لم يعد يصدقه حتى من يرفعه؟ في جنوبي لبنان والبقاع لم يعد هذا السؤال همسًا يتردّد بحذَر في الغرف المغلقة بل أضحى صرخة مكتومة تكاد تفجر جدران الصمت التي بناها ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» بالحديد والنار والترهيب الأيديولوجي. إنها لحظة الحقيقة المُرة التي تفقأ العيون، مجتمع بأكمله يُساق بعيدًا من مقاعد الدراسة وميادين العمل والإبداع لِيُحشَر قصرًا في ثقافة العسكرة والدماء، ولا شيء غير الدماء.

لقد استيقظ الشارع الشيعي على واقع مُفجع، شباب في عمر الورد كان يفترض أن يكونوا أطباء ومهندسين ومبدعين ينهضون بوطنهم، يُعادون في صناديق خشبية نُسجت حولها أوهام البطولة، وقرى كاملة تُمسح من الخريطة واقتصاد منهار يترك العائلات صَرْعى الجوع والنزوح. لقد أُفرغت المدارس والجامعات من مضمونها التنويري لصالح بيئة تُعيد إنتاج المقاتل لا العالِم، والمضحّي لا الباني في عملية تجريف ممنهجة لعقل الشباب وفكرهم ليبقى المجتمع رهينة لمشروع حرب أبدية لا تنتهي، حطَبًا في موقد أوهام النفوذ الإقليمي.

وهنا تتجلّى خديعة الخطاب، فالنصر الذي طالما صُدح به في الميادين شهد تحوّلًا بنيويًّا فاضحًا. لقد غابت نبرة الانتصار الحاسم المفترض وتبدّدت ادعاءات الردع الجاهز ليحل محلها خطاب يتغذّى على تبرير الخسائر وتقديس الآلام. يُطلب من الناس اليوم أن يجدوا في الركام ونزوح مئات الآلاف ثباتًا إيمانيًّا وأن يفسروا ضياع جنى العمر بأنه ضريبة كرامة. أي نصر هذا الذي يقتضي أن تدفع الطائفة أمنها وأرزاقها ومستقبل أطفالها كلفةً لسياسات أرعن جعلتها منبوذة في وطنها ومعزولة عن محيطها العربي ومحاصرة من العالم أجمع؟

لقد تحول الثنائي من مظلة حماية متخيّلة إلى سجّان يُمسك بجلابيب الطائفة، يرهن مصيرها ويصادر قرارها ليضعها في صدام دموي ومجاني مع باقي الشركاء في الوطن. إن المحاسبة الحقيقية اليوم لا تتم في صناديق الاقتراع المزوّرة بالخوف والتخوين بل تتشكل في قلوب الأمهات الثكالى وفي عيون الآباء الذين يرون أرزاق عقود تتحول إلى رماد في لحظات طيش سياسي.

لقد سقطت ورقة التوت عن خطاب الخداع وتبدّدت هيبة السلاح أمام جبال الآلام والفقر والتشرد... إن البيئة الشيعية في الجنوب والبقاع لم تعد ترغب في لعب دور الضحية، وهي اليوم تغلي لأنها أدركت أخيرًا أن أشدّ أعداء الطائفة ليس الخطر الخارجي فحسب بل مَن يستثمر في دمائها ويبيع حاضرها ومستقبل أبنائها في سوق المزادات الإقليمية. إنها بداية الانفجار الكبير في وجه سلطة الوهم، فالجوع والدم المراق لا يغطيهما بلاغة الكلام ولا تسعفهما رايات الشعارات.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
05・09・2026
بين النفوذ وجذور الهوية هل يستعيد المجتمع الشيعي اللبناني أصالة تاريخه ؟
علي الضيقة
هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة...
07・08・2026
تجار الدّم وآلهة الوهم: في ضروة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود
علي الضيقة
إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان.