(1).jpg)
عن الصحافي والروائي البريطاني جورج أورويل: «مَن يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل. ومَن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي».
لا يقتصر التاريخ على كونه سجلًّا لأحداث مضَت، بل هو أحد الأسس التي تَبني المجتمعات من خلالها فهمها لذاتها وحاضرها ومستقبلها. إنّ الطريقة التي يقدَّم بها الماضي للجماعة، تؤثّر في تشكيل الذاكرة الجماعية وفي تفسير الواقع الحالي. وهنا تبرز العلاقة القوية بين التاريخ والسلطة. من هذا كله انطلق برنامج «تاريخي» ليقدم تاريخ الشيعة في لبنان بشكل ذاتي يتناسب مع الأهواء السياسية والمذهبية الحالية عاكسًا تلك الأهواء على الماضي وقراءته. رغم أنهم في تقديم «تاريخي»، وفي كلمة لعلي الحاج يوسف مسؤول مؤسسة سيميا للإعلام الجديد، ذكر أنه في لقاء مع الأمين العام السابق حسن نصرالله تمّ التركيز على أن التاريخ «يجب أن يكون واقعيًّا وليس مزاجيًّا ولا متخيّلًا. وبعد كتابة التاريخ الواقعي كيف نقدّم هذا التاريخ؟ يجب أن لا نقدّمه بشكل تحريضي ضدّ بقية الطوائف».
في الحلقات حول الحملات المملوكية على بلاد كسروان والتي شنّتها نيابة السلطنة المملوكية في دمشق، اعتمد معدّ ومقدّم البرنامج أيمن زغيب بشكل رئيسي على نصّ فتوى لابن تيمية في الكتاب الذي وجّهه إلى السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون بعد الحملة الأخيرة النكبة التي حصلت عام ١٣٠٥م ليستنتج مباشرةً أنّ الشيعة الاثناعشرية هم المستهدفون من هذه الحملة. رغم أنّ توصيف بن تيمية التفصيلي فقهيًّا وعقائديًّا للمستهدفين ينطبق أيضًا على النصَيريّين المعروفين اليوم باسم العلويّين. ورغم أنّ ابن تيمية تحدّث في مواطن أخرى عن تنوُّع مذهبي في المناطق التي ينتشر فيها هؤلاء المستهدَفين. فهو في نفس رسالته هذه، وبعد ذكر مناطق انتشارهم في أعمال دمشق وصفد وطرابلس وحماه وحمص وحلب، ذكر: «وفي هؤلاء خلق كثير لا يقرّون بصلاة ولا صيام ولا حجّ ولا عُمرة ولا يحرّمون الميتة والدم ولحم الخنزير ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الإسماعيليّة والنصيريّة والحاكميّة والباطنيّة».
إنّ تقديم المعلومات بهذا الشكل يوحي بأنّ الشيعة الاثناعشرية كانوا الوحيدين أو أكثرية المستهدَفين بحسب النصوص. ورغم أنّ التقميش الذي اعتمدوه كمهنجية يعتمد على جمع المواد التاريخية المتعلقة بموضوع البحث، إلّا أنهم مجدّدًا تجاوزوه واعتمدوا انتقائيًّا على ما يدعم سرديّتهم المعَدّة مُسبقًا في هذا الخصوص. وبذلك تتمّ صناعة معرفة غير موضوعية نابعة من خلفيات مذهبية. ونحن نعلم حساسية هذا الموضوع بخصوص هذه البقعة الجغرافية من لبنان، والتي كتب فيها الجميع من مختلف الطوائف، خصوصًا في الخمسين سنة الأخيرة، متأثّرين بأحداث الحرب الأهلية والصراعات والتهجيرات التي رافقتها. ولن نستعرض كتابات شخصيات باقي الطوائف عن المستهدَفين من هذه الحملات، فهي كـ«تاريخي» تكتب تاريخ باقي الطوائف كما يبغون ويتصوّرون. وجميعهم لا يركّزون على ماذا ذكرت المصادر القديمة بقدر ما يركّزون على إعادة استخدامها لصناعة روايات طائفية. لذلك كله، وجب العودة إلى المصادر التاريخية المعاصرة للأحداث، ومن باب الاستئناس وزيادة القرائن إلى تلك القريبة زمانًا منها.
إذا رجعنا إلى النصوص التي رواها معاصرون للأحداث كي نضيفها إلى نصّ ابن تيمية التفصيلي الذي أخرجه في «مجموع الفتاوى»، فقد ذكر قطب الدين اليونيني البعلبكي (١٢٤٢ -١٣٢ م) ابن الجغرافيا اللبنانية الحالية في كتابه «ذيل مرآة الزمان في تاريخ الأعيان» أنّ الحملات استهدفت: «جبل الكسروانيين والدرزية». وفي حديثه عن هذه الحملات وجدنا أيضًا نصّ أبي الفدا ( ١٢٧٣ - ١٣٣١م) في «المختصر في أخبار البشر»: «وكانوا عُصاة مارقين من الدِّين وقتلوا وأسَروا جميع من بها من النصيريّة والظنينين وغيرهم من المارقين»؛ ونص الذهبي (١٢٧٤ - ١٣٤٨م) في «سيَر أعلام النبلاء»: «طائفة الكسروانيين، وهم أهل جبال كسروان، وكانوا من النصيريّة والعلويّين والمتأوّلة»؛ ونص شهاب الدين النويري (١٢٧٨-١٣٣٣ م) في «نهاية الأرب في فنون الأدب» أن الحملات كانت: «إلى جبال الكسروان والدرزية».
أما بخصوص تلك الأخبار التي رواها مؤرّخون قريبو الزمان من الأحداث، فهناك نصّ الصفدي (١٢٩٦ - ١٣٦٣م) الذي أخرجه في «أعيان العصر وأعوان النصر» وفي «الوافي بالوفيات»: «نازل الأفرم بعساكر دمشق جبل الجُرد، وكسر الكسروانيّين لأنّهم كانوا روافض، وكانوا قد آذوا المسلمين وقتلوا المنهزمين من العساكر المصريّة في نوبة غازان الأولى»؛ ونصّ ابن كثير (١٣٠١ - ١٣٧٣م) في «البداية والنهاية» بخصوص الحملة الثالثة أيضًا، وفيه: «فَسَارُوا إِلَى بِلَادِ الْجُرْدِ، وَالرَّفْضِ، وَالتَّيَامِنَةِ»؛ ونص محمد بن عبد الهادي المقدسي (١٣٠٥ - ١٣٤ م) في «العقود الدرِّية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية»: «الروافض والنصيريّة وأصحاب العقائد الفاسدة»؛ ونصّ ابن المحبّ الصامت (١٣١٣ - ١٣٨٧م) في «صفات رب العالمين» وهو يعدّد الطوائف والفِرق: «الكسروانيّون: وهم أهل جبال كسروان: وكانوا من النصيريّة والعلويّين المتأوّلة»؛ كما لدينا أيضًا نصّ ابن خلدون (١٣٣٢ - ١٤٠٦م) في «العِبر وديوان المبتدأ والخبر... »: «وأغزى عساكره جبل كسروان والدرزية»؛ ونصّ المقريزي (١٣٦٤ - ١٤٤٢م) في «السلوك لمعرفة دول الملوك» بخصوص الحملة الثانية عام ١٣٠٠م: «وجّهَ الْأَمِيرُ أقش الأفرم من دمشق لغزو الدرزية أهل جبال كسروان»؛ ونصّا البرزالي (١٣٦٧ - ١٣٣٧م) في «المقتفى على كتاب الروضتين»: «من الروافض والنصيريّة وأصحاب العقائد الفاسدة» و« وتَوجَّه نائبُ السَّلْطنة بمَن تأخّر من عسكر دمشق إلى جبل الكسروانيين والجُرديّين لغَزوهم واستئصال شأفتِهم».
إذًا، بحسب نصوص المعاصرين للأحداث ومنهم ابن تيمية، ونصوص قريبي العهد منها، يظهر أنّ الحملات ستهدفت مجتمعاتٍ يطلَق عليهم في ذلك العصر الشيعة الاثناعشرية والنصيريّة والدرزية والرافضة والتيامنة والعلويّين والظنينين والمتأوّلة والحاكميّة والباطنيّة، مع احتمال انطباق أكثر من وُصف من المذكورين على جماعة محدّدة. فبخصوص الاثناعشرية والنصيريّة والدرزية فهم معروفون. لكن بالنسبة للباقين فالموضوع يحتاج إلى توقف وستفهامات. فالرافضة هو مفهوم يُطلق على مجموعات مختلفة من الِفرق المنبثقة من الشيعة، سواء كانوا إسماعيليّين أو اثناعشريين أو نصيريّين، أو حتى دروز. والتيامنة هي نسبة إلى وادي التيم والذي كان يسكنه الدروز في حينها. والعلويّون وقتها هم غير علويّي اليوم المعروفين في النصوص التاريخية بالنصيريّين. والظنينين هي نسبة لبلاد الظنينين (الضنية) أو العكس. أمّا بخصوص المتأولة فليس لدينا معلومات وافية عنهم، لكن يظهر من نصّ ابن المحبّ الصامت أنّهم قريبين من العلويّين. ويرى المؤرخ عمر تدمري أنّ الظنينين والمتأوّلة هم من الفِرق النصيريّة. وبخصوص الحاكمية فهم فرقة إسماعيليّة نسبة إلى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. وأمّا الباطنيّة فتطلَق على فرق مختلفة من الإسماعيليّة النزاريّة والنصيريّة والدروز.
وهنا وبعد مطالعة كل هذه النصوص نستطيع أن نفهم لماذا سردَت الطوائف المختلفة في لبنان حكايتها الخاصّة. فالنصوص تشير إلى وجود جماعات متنوّعي المذاهب استهدفتهم الحملات في المنطقة. فاستنسبت كلّ طائفة ما يناسبها.
بعد نقد وتحليل النصوص حول هويّة المستهدفين في الحملات، يأتي السؤال الآخر: لماذا حصلت هذه الحملات خصوصًا الأخيرة منها والتي جاءت بعد طرد المماليك للصليبيّين والمغول من المنطقة وعملهم على تركيز سلطتهم الداخليّة؟
بشكل طبيعي اعتمد «تاريخي» على سرديّة مذهبيّة للحملات مركّزًا على نصّ ابن تيمية وغيره، والتي تظهر فيها بوضوح لا لبسَ فيه التعابير المذهبيّة. لكن، هل فعلًا نُفِّذت الحملات لهذه الغاية حصرًا؟ أم أنّها انطلقت لأسباب أخرى سياسيّة وأمنيّة وإداريّة ثمّ تمّ توظيف العامل المذهبي كعامل إضافي تبريري وشاحذ للهمم؟ بتعبير آخر، وبخصوص فتوى ابن تيمية، هل أساس الإشكال هو الخلاف المذهبي الذي أدّى إلى صدور فتوى ابن تيمية فكانت عندها الحملات المملوكيّة؟ أم أنّ الإشكال كان سياسيًّا - إداريًّا - أمنيًّا فأدّى ذلك إلى هذه الحملات التي استدعت تأجيجًا ودعمًا وتبريرًا فتوائيًّا مذهبيًّا؟
في مطالعة للنصوص، تمّ ذكر مجموعة من الأسباب ذات الطبيعة السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة. بعضها اتّهم أهل الجبل بالتعرّض لجُند المماليك المنهزمة أمام المغول في أعمال حمص أثناء طريق عودتهم عبر الساحل اللبناني. وبعضها اتّهمهم بممالأة الصليبيّين. وأخرى ذكرت خروج المنطقة عن سلطة الدولة وتمنُّعها عن دفع الضرائب، إضافةً إلى صدامات مع ملتزمين أو جُباة ضرائب موكّلين من السلطة، وغيرها. ونحن طبعًا لسنا في وارد تبنّي هذه الأسباب. فالمؤرّخون جميعًا يتبعون سلطة ذلك الزمان التي شَنَّت هذه الحملات. إنّما نحن في وارد التقميش بخصوص النصوص الموجودة حول هذا الموضوع والتعاطي معها ونقدها، والبحث عن سياقاتها أيضًا. فتسويق سرديّة السبب المذهبي للحملات حصرًا إنّما هو تسويق لسرديّة المظلوميّة الدائمة القائمة على أساس مذهبي. وهنا نسأل: إذا كانت الحملات أسبابها مذهبيّة، فلماذا لم تُشَنّ أيضًا على جبل عاملة ونواحيه وجزين وما حواليها والبقاع حيث يتواجد هؤلاء أيضًا؟ لماذا كانت الحملات على هذا القسم من جبل لبنان حصرًا؟
ختامًا، لا تكمن المشكلة في الاختلاف في قراءة التاريخ، فهو جزء من طبيعة البحث فيه. بل الإختلاف هو في التلطّي خلف التقميش لانتقاء ما يناسب النتيجة المقرّرة سلفًا. فالحملات المملوكية على كسروان كانت أكثر تعقيدًا من اختزالها في مواجهة مذهبيّة بين سلطة سنّية وجماعة رافضيّة محدّدة. وهنا الفارق بين «تاريخي» والتاريخ: بين استدعاء الماضي ليؤدّي وظيفة في الحاضر، وبين قراءة الماضي بما تُتيحه المصادر لفهم كيفيّة إنتاج معرفتنا به.





