30・09・2026
من العدد ٣٨
الجنوب يدفع ثمن قرارات لم يتخذها

هناك لحظة يُصبح فيها الحديث عن «إعادة الإعمار» نوعًا من الهروب من الحقيقة.

فالجنوب لا يحتاج اليوم فقط إلى من يعيد بناء بيوته. يحتاج أولًا إلى من يضمن بقاء قراه، وعودة أهلها، وألّا تتحول الحرب الجارية على أرضه إلى واقع جغرافي جديد.

الجرّافة الإسرائيلية لا تسأل لمن كان هذا المنزل. الأرض تُسوّى، البيوت تُنسف، المقابر تُنبَش، والناس يشاهدون قراهم من بعيد.

لكن الأخطر أن أحدًا لا يبدو واعيًا لما يجري فعلًا: جرف قرى كاملة، تدمير معالمها، قطع صلَتها بأهلها وفرض وقائع جديدة على الأرض قد تغيّر تركيبتها الديموغرافية. ما يحدث ليس مجرد أضرار حرب قابلة للتعويض، بل مسار يوازي، في نتائجه على الأرض والناس والذاكرة؛، نكبة عام ١٩٤٨: اقتلاع السكان، تدمير القرى، ومحو المكان تمهيدًا لمنع العودة أو جعلها مستحيلة.

لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل مؤتمر إعمار هو:

كيف وصَل الجنوب إلى هنا، ومن يتحمل المسؤولية؟

إسرائيل تهدم. هذا ليست موضع نقاش.

إسرائيل هي التي تنفّذ عمليات القصف والنسف والجرف، وهي تتحمل المسؤولية المباشرة عن أفعال قواتها.

لا وجود «حزب الله» ولا سلاحه يمنحان إسرائيل حق تدمير الممتلكات المدنية أو تغيير معالم القرى.

وقد وثّقت منظمات دولية دمارًا واسعًا في البلدات الحدودية، شمَل منازل وأراضي زراعية ومساجد ومقابر وطرقات ومرافق عامة، ودعت إلى التحقيق في عمليات قد تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.

لكن تحميل إسرائيل مسؤولية ما تفعله لا يُعفينا من السؤال اللبناني: كيف وصل الجنوب إلى وضع أصبحت فيه الدولة عاجزة عن حماية أرضها وأهلها؟

أين السلاح الذي قيل إنه يحمي الجنوب؟

لسنوات، طُلب من اللبنانيين التسليم بمعادلة واحدة: سلاح «حزب الله» يحمي الجنوب. ونظرية جيش شعب ومقاومة.

ومن اعترض على السلاح اتُّهم بأنه يريد إضعاف الجنوب. ومن طالب بحصرية قرار الحرب والسلم في يد الدولة أصبح خصمًا لـ«المقاومة». ومن سأل عن كلفة ربط لبنان بصراعات المنطقة اعتُبر متآمرًا عليها.

اليوم لا نحتاج إلى نظريات.

انظروا إلى الجنوب.

إذا كانت إسرائيل تستطيع أن تقصف وتنسف وتجرف وتمنع سكانًا من العودة إلى قراهم ومدنهم وتفرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض، فمن حق أهل الجنوب قبل غيرهم أن يسألوا:

ماذا حمى هذا السلاح؟

المشكلة ليست أن «حزب الله» لم يستطع منع إسرائيل من شنّ الحرب. لا أحد يستطيع ضمان ذلك.

المشكلة أن الحزب منح نفسه حق امتلاك السلاح وتحديد وظيفته وتوقيت استخدامه خارج القرار النهائي للدولة.

وعندما جاءت النتائج، أصبحت الدولة مطالَبة بالتفاوض، والجيش مطالَبًا بالانتشار، والخزينة مطالَبة بإعادة الإعمار، واللبنانيون مطالَبين بدفع الثمن.

القرار للحزب، والفاتورة على الدولة والناس.

وهنا تقع مسؤوليته السياسية الأساسية.

بري لا يستطيع أن يكون خارج الصورة.

الرئيس نبيه بري ليس مراقبًا لما حدث.

لا يمكن أن يكون ركنًا أساسيًّا في «الثنائي» الذي حمى معادلة السلاح، سياسيًّا، طوال سنوات، ثم يقف عند وقوع الكارثة في موقع المطالب للدولة بإنقاذ الجنوب وكأنه كان خارج هذه المعادلة.

إما أن تكون الدولة مرجعية فعلية، وإما لا تكون.

فإذا كانت هي المرجعية، يجب أن يكون الجيش صاحب السلطة العسكرية، والحكومة صاحبة قرار الحرب والسلم، والمؤسسات الدستورية صاحبة السياسة الأمنية والخارجية.

أما أن يكون القرار العسكري في مكان والمسؤولية الدستورية والمالية في مكان آخر، فهذا يعني ببساطة أن صاحب القرار لا يتحمل نتائج قراره.

وهنا مسؤولية بري: الغطاء السياسي لمعادلة ثبُت أن الجنوب هو من يدفع ثمنها.

من دفع الثمن فعلًا؟

ليس الذين تحدثوا عن «وحدة الساحات».

وليس أصحاب خطابات الردع.

وليس الذين رسموا خرائط الانتصارات على الشاشات.

أهل الجنوب دفعوا الثمن.

تركوا بيوتهم، وخسروا أراضيهم وأرزاقهم، وبعضهم يقف اليوم على مسافة من قريته ولا يستطيع الوصول إليها.

ثم يُطلب منهم أن يسمّوا ذلك صمودًا.

لكن الصمود ليس أن تتحول القرية إلى ركام.

الصمود أن يبقى أهلها فيها.

والانتصار بالنسبة إلى المزارع أن يعود إلى أرضه، وبالنسبة إلى صاحب المنزل أن يفتح بابه، وبالنسبة إلى العائلة أن تستطيع الوصول إلى مقبرة موتاها.

بيت جدّي لم يعد حكايتي.

عندما فُجّر بيت جدّي، رأيته أولًا كخسارة شخصية.

لكن ماذا تعني الخسارة الشخصية عندما يُصبح الجنوب مليئًا ببيوت الأجداد المدمّرة؟

كل بيت هناك يحمل عائلة وذاكرة، وكل شجرة وطريق يحملان أسماء ووجوهًا وحكايات.

وعندما تختفي هذه الأشياء لا نخسر حجارة فقط، بل نخسر العلاقة بين الإنسان والمكان.

لهذا لا يكفيني أن أعرف كم ستكون قيمة التعويضات أو كم مليار دولار يحتاج الإعمار.

السؤال الذي يسبق ذلك هو:

هل سيعود الناس أصلًا؟ وإذا عادوا، إلى ماذا سيعودون؟

والدولة ليست بريئة.

تحميل «حزب الله» مسؤوليته لا يمنح الدولة اللبنانية براءة.

الدولة تراجعت طوال سنوات أمام الأمر الواقع، وقبلت أن تكون صاحبة السيادة في النصوص فيما يتقاسم آخرون قرارها على الأرض.

واليوم لا يكفي أن تنتظر نهاية العمليات لتبدأ إحصاء الأضرار.

المطلوب توثيق كل متر يتغيّر: منزل يُهدم، أرض تُجرف، مقبرة تتضرّر، طريق تتبدّل معالمه.

صوَر أقمار صناعية، خرائط عقارية، مُلكيات، إحداثيات، وتوثيق ميداني وقانوني متكامل.

لأن الخطر الأكبر هو أن يتحول الأمر الواقع العسكري إلى أمر واقع جغرافي وديموغرافي، وأن يصبح تهجير الناس وتدمير قراهم مقدمة لإعادة رسم الجنوب من دونهم.

وهنا تقع مسؤولية الدولة اليوم: منع الدمار من أن يتحول إلى خسارة دائمة للأرض والعودة والسيادة.

المسؤولية واضحة… فلا نضيّعها بالتكرار.

لسنا في حاجة إلى توزيع المسؤولية بالتساوي، لأنها ليست متساوية أصلًا.

إسرائيل مسؤولة عن التدمير الذي تنفّذه قواتها.

«حزب الله» مسؤول سياسيًّا عن وضع قرار السلاح والحرب خارج الدولة.

نبيه بري ومن حمى هذه المعادلة مسؤولون عن غطائها السياسي واستمرارها.

والدولة مسؤولة عن عجزها الطويل، وعن واجبها اليوم في استعادة القرار والأرض.

أما أهل الجنوب، فليسوا مسؤولين عن شيء من ذلك، ومع ذلك هم الذين دفعوا الثمن الأكبر.

وهذه هي المفارقة التي يجب أن تنتهي.

الجنوب ليس مُلكًا لأحد.

الجنوب ليس ملك «حزب الله».

وليس ملك «حركة أمل».

وليس ورقة بيَد إيران.

وبالتأكيد ليس منطقة أمنية إسرائيلية.

الجنوب أرض لبنانية، وأهله ليسوا وقودًا دائمًا لصراعات الآخرين.

وليس المطلوب استبدال نفوذ بنفوذ، ولا استخدام رفض سلاح «حزب الله» لتبرير ما تفعله إسرائيل.

المطلوب العودة إلى قاعدة يُفترض أنها بديهية:

قبل أن يُصبح الركام حدودًا.

قد يكون استخدام تعبير «محو الجنوب» قانونيًّا في حاجة إلى أدلّة تتجاوز حجم الدمار لإثبات وجود نيّة محددة.

لكن ذلك لا يلغي السؤال الأخطر.

عندما تُهدم المنازل، وتُجرف الأراضي، وتُنبَش المقابر، ويصعب على السكان العودة، وتتغيّر معالم القرى، في أي لحظة يتحول الدمار المؤقت إلى تغيير دائم في الجغرافيا البشرية؟

إن ما يجري ليس مجرد نسخة أخرى من دمار يمكن إصلاحه بالإسمنت والمال. عندما تُمحى قرى، ويُقتلع أهلها، وتُقطع صلتهم بأرضهم، يُصبح الأمر قريبًا في نتائجه من نكبة العام ١٩٤٨: أمكنة تُفرَّغ، وذاكرة تُمحى، وعودة أقرب إلى الاستحالة.

هذه هي المعركة الحقيقية الآن.

ليس فقط أن نُعيد بناء ما هُدم.

بل أن نمنع الركام من أن يتحول إلى حدود، وأن نمنع التهجير المؤقت من أن يُصبح تغييرًا ديموغرافيًّا دائمًا.

لقد دفع أهل الجنوب ما يكفي: بيوتهم، أراضيهم، أرزاقهم، ذكرياتهم وحتى قبور موتاهم.

كفى أن يدفعوا ثمن قرارات لم يتخذوها.

فالسؤال لم يعد من انتصر ومن هُزم.

السؤال الذي يجب أن يُخيفنا أكثر هو:

بعد أن تنتهي الحروب على أرضنا، أي جنوب سيبقى لنا؟ إذا بقي جنوب.

 

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
01・09・2026
رسالة نعيم قاسم إلى دمشق: هل يُفتح الطريق مجدّدًا نحو طهران؟
جاد الأخوي
لم تكن عبارة الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، في الرابع من آب، حول عدم ممانعته عقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة، عابرة في سياق خطاب سياسي طويل. فالقول إن «لا مانع» من لقاء دمشق، وإن «سوريا المستقرة سنَد للبنان ولبنان المستقر سند لسوريا»، يأتي بعد أشهر من التوتر الحاد بين الحزب والسلطة السورية الجديدة، وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد أعادت رسم خرائط النفوذ والحركة بين لبنان وسوريا وإيران
14・07・2026
لبنان بين مفاوضات واشنطن وسويسرا: استفادة محتملة أم ثمن مدفوع؟
جاد الأخوي
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.