28・09・2026
من العدد ٣٨
الجنوب بين العجز والانتظار فهَل يضيع في لعبة الأمم الكبرى ؟



في صراعات الأمم، تستطيع الدول أن تنتظر وتتفاوض وتبدّل حساباتها، أما الأرض فلا تملك هذا الترف. وهذه ربما أخطر معضلة يواجهها الجنوب اللبناني اليوم: أن يصبح مصيره معلقًا بمسار صراع إقليمي طويل، فيما الواقع على الأرض يتغيّر بأسرع من قدرة لبنان على تحمُّله.

ما انتهت إليه مغامرة حربي الإسناد لا يحتمل الكثير من التأويل. «حزب الله» خرج منهما مهزومًا عسكريًا، وتراجعت قدرة الردع التي بنى عليها جزءًا كبيرًا من مشروعيته طوال سنوات، فيما كانت الكلفة أكبر بكثير من الحزب نفسه: قرى مدمرة، سكان مهجّرون، أرزاق ضائعة، وأجزاء من الأرض اللبنانية بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية. الحزب خسر عسكريًّا، لكن لبنان تلقّى الهزيمة، والجنوبيون دفعوا ثمنها الأكبر.

المشكلة اليوم ليست في الهزيمة وحدها، بل في قبول الوقائع التي نتجت عنها. فلا يزال جزء كبير من خطاب «حزب الله» يستدعي معادلات ما قبل الحرب، ويقابل الاعتراض الداخلي بالتخوين والتشكيك في النوايا، كأن المشكلة تكمن في من يضيء على الواقع لا في الواقع نفسه. والهزيمة التي لا تنتج مراجعة تصبح أكثر خطورة، لأنها تمنع صاحبها من فهم حدود ما يستطيع فعله بعدها.

وتبدو المفارقة أكبر حين يصبح هذا التخوين موجّهًا إلى الدولة نفسها. فـ«حزب الله» لم يكن طوال العقدين الماضيين قوة معزولة عن النظام اللبناني، بل كان أحد أكثر القوى نفوذًا فيه؛ شارك في الحكومات والمجالس النيابية والتسويات الكبرى، وامتلك قدرة واسعة على فرض خطوط حمراء في القضايا المرتبطة بسلاحه وخياراته الإقليمية والسياسة الداخلية. لذلك من المعيب تحميل الدولة وحدها وزر ضعف ساهم الحزب نفسه، على مدى سنوات، في تكريسه حين تعلق الأمر بقرار الحرب والسلم.

لكن هذا لا يلغي مسؤولية الدولة عن عجزها. فهي لم تستطع فرض رؤيتها على «حزب الله» حين كان القرار لا يزال قابلًا للاحتواء في الداخل، ولا تزال عاجزة إلى اليوم عن استعادة قرارها كاملًا، فيما لم تحقق المفاوضات مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي حتى الآن ما يحملها على تغيير الواقع في الجنوب. وهكذا يجد لبنان نفسه أمام مأزق واضح: حزب فقد جزءًا أساسيًّا من قدرته على الردع، ودولة لم تستطع ملء الفراغ.

وفي المقابل، تعمل إسرائيل على فرض وقائع أمنية جديدة مستفيدة من اختلال ميزان القوى وعامل الوقت. وهنا تكمن خطورة الزمن: فما يبدو كإجراء فرضته الحرب قد يتحول، إذا طال، إلى أمر واقع يصبح تغييره أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل المقاربة الأمنية الإسرائيلية التي أعقبت السابع من أوكتوبر، والقائمة على إبعاد ما تعتبره مصادر تهديد عن حدودها وفرض ترتيبات أكثر صرامة حولها.

أما الرهان على تغير موازين القوى إقليميًّا، فيضع لبنان أمام مشكلة أخرى. فإيران دولة كبيرة تخوض صراعًا متعدّد الساحات، وتملك ملفات تستطيع أن تفاوض عليها وتربط بينها وتغيّر أولوياتها وفق مصالحها. ولبنان لا يملك هذه المساحة، والجنوب بالنسبة إليه ليس ورقة يمكن خسارتها في مكان وتعويضها في مكان آخر.

لبنان ليس إيران، والجنوب ليس ورقة في مفاوضاتها.

الخوف أن نستيقظ بعد سنوات، بعد أن تنتهي جولة من الصراع الإيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو تتغير الإدارة الأميركية أو تُعقد التسويات الكبرى، لنكتشف أن الجميع حصل على شيء، وأن لبنان بقي ينتظر.

وسط كل ذلك، يدفع الجنوبيون الثمن الحقيقي. فخلف الحديث عن الردع والتوازنات والمفاوضات عائلات خسرت بيوتها وأرزاقها، وأناس لا يعرفون متى يعودون إلى قراهم أو كيف يعيدون بناء حياتهم. والخطر أن يتحول النزوح مع السنوات إلى استقرار في مكان آخر، ثم إلى ابتعاد دائم عن الأرض. فالشتات لا يبدأ دائمًا بقرار نهائي؛ قد يبدأ بحالة مؤقتة تطول حتى يصبح الرجوع منها أصعب.

وهنا تتجاوز المسألة خسارة الحجر. فالجنوب قرى ومجتمعات وذاكرة وعلاقة بالأرض، وإذا تشتّت أهله فإن إعادة بناء المنازل وحدها لن تعيد ما كان. لذلك فإن سؤال الجنوب اليوم ليس عسكريًّا فقط، بل وجودي أيضًا: ماذا سيبقى من المكان إذا طال غياب أهله عنه؟

لهذا، فإن الاعتراف بالهزيمة ليس خيانة، والقول إن ميزان القوى تغيّر ليس استسلامًا، وانتقاد المغامرات التي أوصلت لبنان إلى هنا ليس طعنًا بالمقاومة. الأخطر هو إنكار الواقع إلى أن يصبح تغييره مستحيلًا.

لقد تحمّل الجنوب ما يكفي من الحروب والرهانات على مشاريع الآخرين. ولا يجوز أن يتحول أهله مرة أخرى إلى من يدفعون ثمن حسابات لم يختاروها، أو أن تصبح أرضهم معلّقة إلى أن يقرر الآخرون شكل المنطقة ومستقبل صراعاتها.

كفى إنكارًا للوقائع وتخوينًا لمن يوصّفها، وكفى عجزًا عن مواجهتها. الجنوب ليس جبهة دائمة، ولا ورقة إيرانية، ولا منطقة عازلة إسرائيلية. هو أرض لبنانية، وأهله ليسوا وقودًا لمشاريع أكبر منهم.

قد يستمر الخلاف طويلًا حول من كان محقًّا، ومن أخطأ، ومن انتصر، ومن هُزم. لكن أمام الأرض يصبح هذا السجال صغيرًا جدًّا.

فالروايات يمكن الدفاع عنها إلى الأبد، أما الأرض إذا ضاعت فلا تُعيدها الروايات.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...