26・09・2026
من العدد ٣٨
الشيعة بين منطق الحرب ومنطق الدولة



في ظلِّ التطورات المتسارعة التي يشهدها لبنان والمنطقة، لم يعد من الممكن التعامل مع الواقع السياسي والأمني بمنطق الشعارات القديمة، ولا الاستمرار في إقناع الناس بأن الحرب وحدها قادرة على حماية لبنان أو أي طائفة من طوائفه.

لقد أثبتت التجارب المتتالية أن اللبنانيين، وخصوصًا أبناء الجنوب والبقاع والمناطق التي دفعت ثمنًا باهظًا للحروب، هم أول من يدفع كلفة الصراعات الإقليمية، بينما تبقى القرارات الكبرى في كثير من الأحيان مرتبطة بحسابات تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة.

واليوم، أمام انسداد الخيارات العسكرية وارتفاع كلفة المواجهة، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا نريد أن نفعل لحماية أهلنا ومستقبل أبنائنا؟

 

منطق الحرب أم منطق الدولة؟

إذا كانت المواجهة العسكرية قد وصلت إلى مرحلة أصبح فيها استمرارها يهدد بتوسيع رقعة الدمار وإلحاق خسائر أكبر بالمناطق اللبنانية، فإن الاستمرار فيها لمجرد الحفاظ على صورة سياسية أو شعارات تاريخية لا يمكن أن يكون بديلًا عن قرار وطني مسؤول.

المطلوب ليس الاستسلام، ولا التخلّي عن الحقوق الوطنية، بل الانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة، ومن منطق المحاور إلى منطق الدولة.

فحماية لبنان لا تكون فقط بامتلاك السلاح، وإنما أيضًا بامتلاك قرار سياسي مستقل، ودولة قادرة على حماية حدودها، وجيش قادر على القيام بمهماته، واقتصاد يستطيع إعادة بناء ما دمرته الحروب.

 

وماذا عن الطائفة الشيعية؟

من أكثر الأسئلة إلحاحًا اليوم: ما الذي يخدم مصلحة الشيعة اللبنانيين فعلًا؟

هل مصلحتهم أن يبقوا في حالة حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية؟

أم أن المصلحة تقتضي فتح باب سياسي جديد يضمن لهم الأمن والاستقرار وحقوقهم الدستورية والسياسية، ويعيد إعمار مناطقهم، ويضع حدًّا لاستخدام بيئتهم كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟

إن الشيعة اللبنانيين ليسوا مجرد ورقة في صراع إقليمي، وليسوا مُلزمين بأن يدفعوا من دمائهم وبيوتهم واقتصادهم ثمن صراعات الآخرين.

لقد حان الوقت لكي يصبح للشيعة، كما لكل اللبنانيين، قرار وطني مستقل يضع مصلحة لبنان أولًا.

 

السلاح مقابل الدولة وإعادة الإعمار

إذا كان هناك بالفعل استعداد للبحث في تسوية سياسية تتضمن معالجة ملف السلاح، وإعادة الإعمار، وضمانات أمنية وسياسية، فإن المطلوب ليس رفضها مسبقًا ولا قبولها بشكل أعمى، بل إخضاعها لمفاوضات وطنية شفافة.

أي تسوية جدية يجب أن تقوم على توازن واضح:

لا سلاح خارج الدولة، مقابل دولة تحمي مواطنيها.

لا حرب مفتوحة، مقابل ضمانات أمنية حقيقية.

لا تدمير للمناطق اللبنانية، مقابل انسحاب إسرائيلي واحترام السيادة اللبنانية.

ولا نزع للسلاح من دون مسار سياسي واقتصادي يعيد بناء الدولة والمناطق المتضررة.

بهذه المعادلة فقط يمكن الانتقال من تسوية مؤقتة إلى سلام مستدام.

لماذا لا نناقش السلام بجرأة؟

قد يقول البعض إن الحديث عن السلام مع إسرائيل هو تنازل أو تطبيع أو خروج عن الثوابت.

لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا:

هل السلام، إذا كان يحفظ حياة الناس ويمنع الحرب ويُعيد إعمار المناطق المدمرة ويُعيد القرار إلى الدولة، يجب أن يبقى من المحرمات السياسية؟

إن السلام ليس كلمة سحرية، كما أن الحرب ليست بطولة بحد ذاتها.

المعيار الحقيقي يجب أن يكون: ماذا تحقق للبنان واللبنانيين؟

وإذا وصل لبنان إلى مرحلة يصبح فيها خيار السلام ممكنًا ضمن اتفاق يحفظ السيادة اللبنانية ويضمن الحقوق ويمنع الاعتداءات ويؤمّن إعادة الإعمار، فمن واجب القوى السياسية أن تناقش هذا الخيار بجدّية، بعيدًا من التخوين والتقديس والشعارات.

وماذا عن اتفاقات أبراهام؟

الانخراط في اتفاقات أبراهام، إن طُرح مستقبلًا، لا ينبغي أن يكون قرارًا عاطفيًّا، لا بالقبول ولا بالرفض.

يجب أن يخضع لنقاش وطني واسع يدرس نتائجه السياسية والأمنية والاقتصادية، وعلاقته بالسيادة اللبنانية وبالقضية الفلسطينية وبالمصالح العربية.

أما الأولوية المباشرة، فهي وقف الحرب، تثبيت الأمن، إعادة الإعمار، واستعادة الدولة اللبنانية لقرارها.

وبعد ذلك يستطيع اللبنانيون أن يناقشوا، بهدوء ومسؤولية، شكل العلاقات التي يريدونها مع محيطهم ومع المجتمع الدولي.

 

كلمة إلى أبناء الطائفة الشيعية

أقولها بوضوح:

حماية الشيعة لا تعني حماية السلاح لذاته، كما أن نزع السلاح لا ينبغي أن يعني ترك الشيعة بلا حماية أو ضمانات.

الحماية الحقيقية هي في دولة عادلة وقوية، وفي جيش وطني، وفي مؤسسات فاعلة، وفي اقتصاد يوفر فرص العمل، وفي إعمار يُعيد الناس إلى قراهم وبيوتهم، وفي نظام سياسي يضمن الشراكة والحقوق.

لقد آن الأوان لأن ينتقل الشيعة من موقع الطائفة التي يُطلب منها دائمًا أن تقاتل إلى موقع الطائفة التي تشارك في صناعة السلام والدولة والاقتصاد والمستقبل.

 

لو كان القرار لي

لو كنت أملك القرار السياسي في هذه اللحظة، لاخترت فورًا الدخول في مسار تفاوضي جدّي نحو السلام، شرط أن يكون مسارًا يحفظ سيادة لبنان وحقوقه، ويؤمّن ضمانات واضحة، ويضع حدًّا للحرب، ويضمن إعادة إعمار المناطق المتضررة.

وسأتعامل مع أي مسار إقليمي، بما فيه اتفاقات أبراهام، من زاوية واحدة:

هل يخدم لبنان؟ هل يحمي اللبنانيين؟ وهل يضمن للشيعة مستقبلًا آمنًا داخل دولة قوية، بدلًا من إبقائهم وقودًا لحروب الآخرين؟

إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نمتلك الشجاعة السياسية لمناقشته.

فالسياسة ليست تمسُّكًا أبديًا بالماضي، والسيادة ليست شعارًا يُرفع فوق أنقاض البيوت.

السيادة الحقيقية هي أن يصبح قرار الحرب والسلام لبنانيًّا، وأن يصبح مستقبل الشيعة واللبنانيين جميعًا مرتبطًا بالدولة، لا بالسلاح ولا بالمحاور الإقليمية.

وربما تكون هذه اللحظة، بكل ما تحمله من مخاطر وأثمان، فرصة تاريخية للخروج من دائرة الحرب والانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها:

الدولة أولًا، والإنسان أولًا، ولبنان أولًا.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...