.jpg)
بين أيلول ٢٠٢٤ وآذار ٢٠٢٦ تكرّر الخوف معظم الطريق، حتى صارت القرية التي أعشق أثقل من قدرتنا على البقاء. ظنَنت أن يوم ٢٣ أيلول ٢٠٢٤ سيكون كباقي الأيام التي استجدّت علينا، انطلاقًا من ٨ أكتوبر ٢٠٢٣، بعد إعلان حرب الإسناد لغزة. فيه ذهبت مع زوجتي وفتحنا محلّينا المجاوِرين لبعضهما في قبريخا، تلك القرية الوادعة على كتف وادي السلوقي - الحجير. واصطحبنا كعادتنا ابننا الصغير ذو العشر سنوات. فتحنا المحلَّين، وتركناه يلهو بدراجته الهوائية قريبًا منّا. جلست مقابل المحل أستظل بفيء شجرة، أخبرني جارٌ اعتاد إلقاء تحية الصباح عليَّ يوميًّا أن هناك إنذار إسرائيلي قد صدَر. قرأت الإنذار فوجدت فيه اختلافًا عما كان صدَر قبلًا. لم يسعفني الوقت كثيرًا، إذ بدأَت بعد قليل موجة من الغارات لم تهدأ.
كانت موجة لا تشبه ما مَرَّ علينا سابقًا، لأنها كانت تستهدف المنازل داخل القرى. هرَعت وزوجتي مُنادين ابننا الذي كان قد انزوى أسفل شجرة، بناء لتعليمات سابقة كنّا أخبرناه إياها، إذا ما أحسّ بالخطر. دخلنا محلّي مُقَرفِصين أرضًا خلف بوابته الحديد عَلّها تَقينا شرًّا قادمًا. بعد وقت قليل سمعنا صوت طفل في الخارج يصرخ ويبكي مناديًا أمّه، فأدخلناه إلى المحل وهو يرتجف مرعوبًا ريثما تهدأ الأمور فنوصله لأمه أو تأتي هي إليه. دقائق قليلة، جاءت أمه راكضةً باكيةً مناديةً باسمه، فهرع إليها. وما هي إلّا دقائق قليلة، حتى دخلت أيضًا إمرأة وطفلتها المرعوبة الباكية ليحتميا معنا. ثم قرَّرت الامرأة أن تغادر رغم عنف الغارات التي لم تهدأ.
كانت الأمور تتفاعل، وأخبار المجازر في القرى تصلنا تباعًا، والانفجارات لا تتوقّف، والاتصالات الهاتفية لا تهدأ. وَضَعنا ابنَنا بينَنا كي يشعر بالأمان، لكن إحدى الغارات القريبة رمَته مِن بين أحضاننا، فزَحف ليحتميَ أسفل طاولة خشبية في زاوية المحل، في مشهد مَزَّق روحَينا المرتجفتَين. احتضنّاه مجدّدًا، ووجهه مصفرّ، ومعدته تؤلمه، ويشعر بالغثَيان. شعرت أنّ كل شيء في كفّة، وهذا المشهد في كفّة أخرى. بقينا على هذه الحال حوالى الساعتين، وما أن هدأت الأمور قليلًا حتى توجّهنا صوب منزلنا القريب كي نأتي بحقيبة أغراضنا المجهّزة سلَفًا منذ بداية الحرب، كي نغادر بعيدًا إلى مكان آمن.
أثناء تواجدنا في المنزل عادت موجات جديدة من الغارات قطعت الطريقين اللذَين سنسلك أحدهما. كان علينا الانتظار مجدّدًا، وأن نتمسك بأمل النجاة. صعدتُّ إلى السطح لأرى أيّ وجهة من الاثنتَين هي الأكثر هدوءًا لنسلكها. كان المشهد سورياليًّا؛ الغارات والانفجارات والدخان في كل مكان، وسماء الجنوب باتت سوداء قاتمة. مع فتح إحدى الطرق، انطلقنا مدعّمين بأمل الحياة المرتقَب الذي نراه على وجه طفلنا، وكانت الساعة قد قاربت الخامسة عصرًا. طلبت من ابني الذي جلس في المقعد الخلفي أن يستلقيَ ويتغطّى بشرشف كي لا يرى ما سنراه في طريقنا.
كان على الطريق دمار في كل مكان، وألسنة نيران ودخان يعمّان. وبسب قطع العديد من الطرق وكمية النازحين، علقنا في زحمة سيارات عند بلدة العباسية، حيث قرّرت ركن السيارة جانب الطريق كي ترتاح ونرتاح قليلًا. لكن ما هي إلّا هُنيهات حتى خرقت غارتان قريبتان هدوء المكان، إحداهما نثرت الحجارة والدخان في اتجاهنا وفي اتجاه العالقين في سياراتهم وعلى جانبي الطريق، فاختلطت أصوات الرعب بأصوات الباكين والمتوسِّلين المحتَجَزين. ساعات مرّت ونحن عالقون في عنق الازدحام، وما أن أكملنا طريقنا حتى تعطّلت بنا السيارة في الصرفند.
مع مرور الوقت، وجدنا أنفسنا وحدنا، وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل. ظلام دامس، وأصوات غارات ومقاتلات حربيّة ومسيّرات، تخرقها أصوات كلاب وواويّة. لم تنفع كل اتصالاتي لحل أعطال السيارة ولم يتوقّف أحد لمساعدتنا، فضغط السير في اتجاه الشمال على الخطَّين كان أحد العوائق والناس لا تلوي على شيء خوفًا وهربًأ من المجهول. بقيت على هذه الحال ساعات، حتى حلَّ الفرج من قِبل شاب كان يطوف بدراجته النارية حول الازدحام ويحمل سندويشات المجدّرة التي لفّتها أمّه ليوزّعها على العالقين في الطرقات. اقترب منّا مستطلعًا فأعلمنا بأن لديه صديق يعمل ككهربائي سيارات، اتصل به لكي يأتي لمساعدتنا على تشغيل محرك السيارة.
كان الطريق إلى صيدا سالكًا، فالسيارات قد سبقتنا، ولا سيارات على الطريق إلّا القليل منها مركونة على جانب الطريق لعطل فيها. ومن صيدا التي غادرناها حوالى الثامنة صباحّا، كانت رحلتنا إلى شكّا، حيث كان صديق مسافر قد هاتفني بعد بدء الغارات، وعرَض عليّ منزله هناك لآوي إليه.
استغرقت رحلتنا في انتظار توقُّف الغارات حوالى سبع ساعات. ثم مكثنا في زحمة السير ومدة تعطُّل السيارة حوالى ثماني عشرة ساعة. مرَّ علينا أكثر من يوم كامل في هذا الجو من دون أن نعرف النوم.
ظننت للوهلة الأولى أن هذا المشهد يحدث مرة في العمر. لكن اليوم الثاني من آذار ٢٠٢٦ حمل معه التجربة نفسها. بعد منتصف الليل، حيث كنا نيامًا عندما تلقّينا اتصالًا من بيروت يخبرنا بإطلاق ستة صواريخ من الجنوب في اتجاه إسرائيل. تكرر المشهد الأول، لكن بحدّة أخفّ. فلم تتعطّل سيارتنا، وكانت الغارات أقلّ وكذا زحمة السير. وجهتنا هذه المرة كانت أقرب، واستهلكت حوالى عشر ساعات، إلى بلدة الوردانية في الشوف.
بعد أن انتهت الجولة الثانية المفتوحة، ولأنني لا أريد أن يتكرّر المشهد لمرة ثالثة وأُعرِّض طفلي وزوجتي للرُّعب غير مرّة، قرّرت أن أغادر قريتي التي أعشق وفي الروح عصارة من ألَم.
وهكذا غادرتها حاملًا حبّي وخوفي وذاكرتي وعائلتي. ففي هذه المرة الثانية اقتنعت أن النجاة هي ألّا ننتظر المرة الثالثة. غادرت الجنوب وتركت هناك جزءًا مني ينتظر عودةً لا أعرف متى تكون.


