.jpg)
كان الهواءُ في غرفتنا المؤقتة ثقيلًا، كأنّه خشبٌ قديم يرفض أن يدخل الرئة، لا يشبه أبدًا هواء «البلاد» الذي كان يغسل الروح قبل الوجه، ويحمل معه دائمًا رائحة الندى والتراب المبلول. جلس الحج محمد في ركنه المعتاد، مستندًا إلى وسادته الشاحبة، يرقب بجسده المنهك وغطائه الصوفي الغيماتِ الهاربة من النافذة، وكأنها مرسالٌ سرّيّ يأتي من تلال الجنوب المحروقة ليُخبره أن الوقت قد حان. لم يكن الحج يبكي، فالدموع عند الرجال الذين شهدوا مواسم الزيتون وهي تُعمّد بالنار وعاشوا مرارة التهجير، تتحول إلى ملحٍ دافئ يلتصق تحت الجفون ليحفظ الذاكرة من التعفّن والنسيان.
التفت الحج ببطء، وعيناه الغائرتان تلمعان ببريق الرحيل الوشيك، ونظر إلى حفيده الذي كان يجلس عند طرف الفراش، يُمسك بيده المرتعشة. وبصوتٍ متهدّج يشبه حفيف الشجر أوراق المتعب الذي توشك ريحه أن تسكن، قال له: «يا ابني... اسمعني جيدًا واكتب كلامي بدمعك إن جفّ حبرك. أنا هنا غريب، والجسد واهنٌ كما ترى، وأشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافي، برودة لا يشبهها إلّا شتاء الشَّتات. أخاف يا ابني أن يدركني الموت في هذه الغرفة الضيقة، بعيدًا عن شمس تشرق على تلالنا. لذلك، أنت اليوم وصيّتي. أنت الجسر الذي سيعبر فوق غيابنا. أنت الذي سيعود يومًا صوب البلاد، والبلاد هناك يا ابني لا تطلب في وصيّتي مالًا ولا طعامًا، بل تطلب فقط أن يظلّ السلامُ موصولًا، وألّا تنقطع سلالتنا عن ذاك التراب».
صمت الجد قليلًا ليستجمع أنفاسه اللاهثة، مستحضرًا في تلك اللحظة صورة جدّه الغائب؛ ذاك الفلاح العتيق الذي أخبره يومًا أن الشمس لا تغيب خلف الأفق لتنام، بل يفتّتها الأجداد بأصابعهم الخشنة ليلًا، فينثرونها نجومًا تسهر في «الليل» الذي يحرس القرى والبيوت المهجورة؛ وتابع يهمس بكبرياءٍ مبلَّل بالوجع: «جدي لم يمت يا ابني، صار جزءًا من تراب عيناتا، هو هناك في بنت جبيل وفي الخيام، عين ماء تمشي في وادي الحجير، وتسمع صوته في ضحكات الصغار الذين يتفركشون بدمعة الفراق قبل أن يقوى عودهم ويشتد حنينهم. وإليك وصيّتي الكبرى: إذا كُتبت لك العودة وقُدر لي الغياب قبلها، ومررت بالليطاني، فاصمت قليلًا، اخلع نعلَيك واحنِ رأسك، ودع النهر يخبرك عن عطشنا للأرض وعن حكايتنا التي ذابت في مياهه. وإذا وصلت إلى النبطية أو وقفت على مشارف الخيام، ووجدت الجيران يتفقّدون ركام بيوتهم، قل لهم إن الحج محمد مات وقلبه هناك، معلّقٌ بغصن زيتون عنيد لم ينكسر ولن ينكسر. قُل لهم إن عيوننا قد غلبها نوم الموت من فرط التعب، لكن أرواحنا تظلّ حيّة، ترصد كل حجر، وكل زاروب، وتطوف فوق كل حلمٍ منعتنا منه الأيام».
تنهد الجد بمرارة غصّت بها حجرته، متذكّرًا شالًا ضائعًا على تلة شلعبون، يخصّ طفلةً تاهت كلماتُها وسط دخان القذائف وعتمة الملاجئ، وقال بصوت مخنوق: «ستجد هناك في طرقات القرى من يسأل عن أهله الذاهبين في المجهول وهو لا يعرف من حاله شيئًا... إذا رأيتهم يا ابني، لا تبكِ أمامهم، بل غنِّ لهم. غنِّ لتراب الجنوب غناءنا القديم، فالغناء في بلادنا هو صلاتنا الأخيرة لكي تنام الأرواح المتعبة بسلام، وهو هويتنا التي لا تضيع».
أمسك الحج محمد بكف حفيده بقوة فاجأت ضعف جسده، وضغط عليها بشوقٍ يختصر مسافات التهجير وألم السنوات السبعين: «وفي ساحة الضيعة، تذكّر جيدًا... كانت هناك أشجار رمانٍ تملأ الدنيا بهجة باللون الأحمر والزهر النضر. قطعوا كل شيء وشرّدوا الظلّ، ولم يبقَ من ذلك البستان إلّا شجرة واحدة. وحيدةً كأرواحنا في هذا الشتّات البارد. أوصيك يا ابني، إن وصلت إليها، اسقِها من ماء عينيك إن جفّ ماء البئر وحرموك السقيا... فبقاء تلك الشجرة مخضرّةً هو صكّ عودتنا، وهو الدليل على أننا سنرجع يومًا»... أرخى الجد يده ببطء، وأغمض عينيه متعبًا، مستسلمًا لسكينة غريبة، بينما مضى الحفيد وصوت الوصية يتردد في أعماقه كأنه جرس كنيسة عتيق أو أذان فجر يتردّد في الوديان. وبقي الجد في ركنه يلملم ما تبقّى من حكايات وأنفاسه الأخيرة، موقنًا أن البلاد التي تسكنها قصائدُ الحنين والوصايا المكتوبة بالدم لا يمكن أن تضيع أبدًا، وأن كل مهجّرٍ يحمل في صدره «رفّ حمام» سيندفع يومًا ما رغمًا عن الموت والغياب، ليعود ويهبط فوق السطح العتيق لبيوتنا، نرفع عنها مناديل الحداد السوداء، لنعلن أن الموت كان مجرد غيمة عابرة، وأن البلاد تشفى حين يعود إليها أهلها».





