22・09・2026
من العدد ٣٨
جسر العبور: صك العودة والمطر من يوميات نازح

كان الهواءُ في غرفتنا المؤقتة ثقيلًا، كأنّه خشبٌ قديم يرفض أن يدخل الرئة، لا يشبه أبدًا هواء «البلاد» الذي كان يغسل الروح قبل الوجه، ويحمل معه دائمًا رائحة الندى والتراب المبلول. جلس الحج محمد في ركنه المعتاد، مستندًا إلى وسادته الشاحبة، يرقب بجسده المنهك وغطائه الصوفي الغيماتِ الهاربة من النافذة، وكأنها مرسالٌ سرّيّ يأتي من تلال الجنوب المحروقة ليُخبره أن الوقت قد حان. لم يكن الحج يبكي، فالدموع عند الرجال الذين شهدوا مواسم الزيتون وهي تُعمّد بالنار وعاشوا مرارة التهجير، تتحول إلى ملحٍ دافئ يلتصق تحت الجفون ليحفظ الذاكرة من التعفّن والنسيان.

التفت الحج ببطء، وعيناه الغائرتان تلمعان ببريق الرحيل الوشيك، ونظر إلى حفيده الذي كان يجلس عند طرف الفراش، يُمسك بيده المرتعشة. وبصوتٍ متهدّج يشبه حفيف الشجر أوراق المتعب الذي توشك ريحه أن تسكن، قال له: «يا ابني... اسمعني جيدًا واكتب كلامي بدمعك إن جفّ حبرك. أنا هنا غريب، والجسد واهنٌ كما ترى، وأشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافي، برودة لا يشبهها إلّا شتاء الشَّتات. أخاف يا ابني أن يدركني الموت في هذه الغرفة الضيقة، بعيدًا عن شمس تشرق على تلالنا. لذلك، أنت اليوم وصيّتي. أنت الجسر الذي سيعبر فوق غيابنا. أنت الذي سيعود يومًا صوب البلاد، والبلاد هناك يا ابني لا تطلب في وصيّتي مالًا ولا طعامًا، بل تطلب فقط أن يظلّ السلامُ موصولًا، وألّا تنقطع سلالتنا عن ذاك التراب».

صمت الجد قليلًا ليستجمع أنفاسه اللاهثة، مستحضرًا في تلك اللحظة صورة جدّه الغائب؛ ذاك الفلاح العتيق الذي أخبره يومًا أن الشمس لا تغيب خلف الأفق لتنام، بل يفتّتها الأجداد بأصابعهم الخشنة ليلًا، فينثرونها نجومًا تسهر في «الليل» الذي يحرس القرى والبيوت المهجورة؛ وتابع يهمس بكبرياءٍ مبلَّل بالوجع: «جدي لم يمت يا ابني، صار جزءًا من تراب عيناتا، هو هناك في بنت جبيل وفي الخيام، عين ماء تمشي في وادي الحجير، وتسمع صوته في ضحكات الصغار الذين يتفركشون بدمعة الفراق قبل أن يقوى عودهم ويشتد حنينهم. وإليك وصيّتي الكبرى: إذا كُتبت لك العودة وقُدر لي الغياب قبلها، ومررت بالليطاني، فاصمت قليلًا، اخلع نعلَيك واحنِ رأسك، ودع النهر يخبرك عن عطشنا للأرض وعن حكايتنا التي ذابت في مياهه. وإذا وصلت إلى النبطية أو وقفت على مشارف الخيام، ووجدت الجيران يتفقّدون ركام بيوتهم، قل لهم إن الحج محمد مات وقلبه هناك، معلّقٌ بغصن زيتون عنيد لم ينكسر ولن ينكسر. قُل لهم إن عيوننا قد غلبها نوم الموت من فرط التعب، لكن أرواحنا تظلّ حيّة، ترصد كل حجر، وكل زاروب، وتطوف فوق كل حلمٍ منعتنا منه الأيام».

تنهد الجد بمرارة غصّت بها حجرته، متذكّرًا شالًا ضائعًا على تلة شلعبون، يخصّ طفلةً تاهت كلماتُها وسط دخان القذائف وعتمة الملاجئ، وقال بصوت مخنوق: «ستجد هناك في طرقات القرى من يسأل عن أهله الذاهبين في المجهول وهو لا يعرف من حاله شيئًا... إذا رأيتهم يا ابني، لا تبكِ أمامهم، بل غنِّ لهم. غنِّ لتراب الجنوب غناءنا القديم، فالغناء في بلادنا هو صلاتنا الأخيرة لكي تنام الأرواح المتعبة بسلام، وهو هويتنا التي لا تضيع».

أمسك الحج محمد بكف حفيده بقوة فاجأت ضعف جسده، وضغط عليها بشوقٍ يختصر مسافات التهجير وألم السنوات السبعين: «وفي ساحة الضيعة، تذكّر جيدًا... كانت هناك أشجار رمانٍ تملأ الدنيا بهجة باللون الأحمر والزهر النضر. قطعوا كل شيء وشرّدوا الظلّ، ولم يبقَ من ذلك البستان إلّا شجرة واحدة. وحيدةً كأرواحنا في هذا الشتّات البارد. أوصيك يا ابني، إن وصلت إليها، اسقِها من ماء عينيك إن جفّ ماء البئر وحرموك السقيا... فبقاء تلك الشجرة مخضرّةً هو صكّ عودتنا، وهو الدليل على أننا سنرجع يومًا»... أرخى الجد يده ببطء، وأغمض عينيه متعبًا، مستسلمًا لسكينة غريبة، بينما مضى الحفيد وصوت الوصية يتردد في أعماقه كأنه جرس كنيسة عتيق أو أذان فجر يتردّد في الوديان. وبقي الجد في ركنه يلملم ما تبقّى من حكايات وأنفاسه الأخيرة، موقنًا أن البلاد التي تسكنها قصائدُ الحنين والوصايا المكتوبة بالدم لا يمكن أن تضيع أبدًا، وأن كل مهجّرٍ يحمل في صدره «رفّ حمام» سيندفع يومًا ما رغمًا عن الموت والغياب، ليعود ويهبط فوق السطح العتيق لبيوتنا، نرفع عنها مناديل الحداد السوداء، لنعلن أن الموت كان مجرد غيمة عابرة، وأن البلاد تشفى حين يعود إليها أهلها».

مقالات مشابهة
27・10・2026
توضيح وزارة البيئة حول أزمة النفايات في بعلبك
شهيرة زعيتر
كان لـ«الفان رقم ٤» لقاء بموظفة في وزارة البيئة وبالتحديد في مصلحة البيئة السكنيّة وهي مهندسة بيئية في الأربعينات من العمر طلبت عدم ذكر اسمها، وذلك لعدم حصولنا على كتاب خطّي من الإدارة، وقد خوّلت من قِبل الوزارة بالحديث عن الملف، تقول: «إن إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان ككل صعب، تحاول الوزارة التخفيف منه عبر الفرز من المصدر كلما أمكن ذلك، وبمعالجة أمر المطامر عبر التخفيف من الطمر ذات التكلفة
19・10・2026
بين مقاعد الدراسة وشاشات التعليم عن بُعد... كيف عمّقت الحرب الفجوة التعليمية بين أطفال لبنان؟
حسن سنديان
«كان وضعي النفسي مشتّتًا وممزّقًا. لم يكن ذهني منصبًّا على الدروس، بل كان معلّقًا ببيتنا في بيروت المهدَّد بالقصف في أي لحظة، وبعائلتي وأقاربنا وجيراننا الذين لم يتمكنوا من النزوح لعدم توفر مأوى لهم في المناطق الآمنة. عشنا تحت ضغط نفسي هائل وخوف دائم على من نحب».
13・10・2026
بيوت قليلة ونازحون كثر: الحرب ترفع الطلب على الإيجارات في جنوب لبنان
أحمد خواجة
وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار. مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات.
أيضاً للكاتب/ة
20・10・2026
العنوان الوحيد… حكاية من زوطر الغربية
أكرم محمود
لا يُقاس الزمن في جنوبي لبنان بالشهور أو بالسنوات، ولا يُحسب بتعاقب الفصول التقويمية المدوّنة على الورق؛ بل يُقاس بفصول الشجر والزيتون، وبمواعيد الفلاحين مع الأرض عند انبلاج الفجر، وبأصوات الضحكات التي تتردد في باحات البيوت العتيقة. لكن الحرب حين تعصف بالقسوة والحديد، تجرف معها التقويم بأكمله، وتقتلع سكينة الأيام من جذورها...
08・10・2026
بين حيوية الأمس وتغيُّرات اليوم: كيف تبدَّلت ملامح الحياة الاجتماعية في قرى الجنوب؟
أكرم محمود
عند العودة بالذاكرة إلى عقد الثمانينات وما قبله، وتحديدًا خلال عقدَي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان الفضاء العام في قرى الجنوب يضجّ بحيوية فلكلورية وعفوية أصلية تعبّر عن روح المجتمع الريفي الأصيل. كانت ساحات القرى والمناسبات الاجتماعية، من أعراس ومواسم أعياد، تشهد حلقات الدبكة الشعبية المشتركة التي تجمع الشباب والشابات...
03・09・2026
الضاحية الجنوبية بين زنّانة السماء وحسابات الأرض: خريطة حيّة لمدينة تحبس أنفاسها
أكرم محمود
بين حركة الأرض الدائبة والترقب السياسي الكئيب، يبقى الصوت القادم من أعلى - صوت الطائرات المسيرة التي لا تهدأ ولا تغيب - يذكر الجميع في كل لحظة وكل حين بأن هذه المدينة، برغم ازدحام أسواقها وضحكات أطفالها على البسطات وحولها، ما زالت تعيش فصلًا استثنائيًّا وقاسيًّا من تاريخها، تحارب فيه الخوف بالاعتياد، وتداوي قلقها بالعمل، وتنتظر انقشاع الغموض لتستعيد كامل روحها وعافيتها.