21・09・2026
من العدد ٣٨
ملامح الاعتراض الشيعي المستجد خارج عباءة التغييريين



كان للتحرّكات التي شهدها لبنان منذ العام ٢٠١١ متأثّرةً بموجة الربيع العربي وسلسلة الثورات المتتالية في المنطقة، أن أدخلت مفهوم «النّاشطيّة» إلى فضاء العمل السيّاسي اللبناني، وقدّمت «الناشط السياسي» كلاعب جديد في لعبة التحشيد وصناعة الرأي مستفيدًا من الفضاءات المستجدّة التي خلقَتها وسائل التواصل الاجتماعي. استطاع الناشطون توظيف حضورهم الافتراضي لتحويل متابعيهم على منصّات التواصل الاجتماعي إلى جمهور مشارك في سلسلة التحرّكات والاحتجاجات المتقطّعة والمتواصلة منذ حراك «إسقاط النظام الطائفي» عام ٢٠١١، مرورًا بحراك «النفايات» عام ٢٠١٥، لتبلغ ذروتها عام ٢٠١٩ مع ما اصطُلح على تسميته «ثورة ١٧ تشرين».

 وقد شهدت تحرّكات ١٧ تشرين انخراطًا لافتًا في المناطق، ما جعل الحرّاك يمتدّ خارج نطاق العاصمة بيروت بشكلٍ غير مسبوق، لتخرج التحركات بذلك عن مركزيّتها المعتادة، فشهدت الأطراف تفاعلًا شعبيًّا عارمًا مع موجة الاحتجاجات المتنقلة. ولم يكن الجنوب، ولا سائر المناطق ذات الأغلبية الشيعيّة، بمنأى عن هذه التحرّكات، فانخرط الكثير من شباب تلك المناطق في سيل الاحتجاجات المتنقلة هذه، وفي الفترة عينها تزايد الحديث عن «ناشطين شيعة معارضين»، وما عُرف لاحقًا بـ«الشيعة التغييريين».

لكنّ ملامح التعاطف الشيعي الواسع مع هذه التحرّكات، سرعان ما فرملَته إطلالات الأمين العام الراحل لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، المتتالية بدءًا من خطاب «أول يومين» المعروف. واستطاع بالتكافل والتضامن مع «حركة أمل»، أن يزرع مزاجًا من التوجّس داخل البيئة الشيعية تجاه هذه التحركات وقواها وناشطيها، من خلال الإشارة إلى الروابط العضوية بين هذه الجمعيات والقيِّمين عليها وبين السفارات الأجنبية والجهات المانحة، والتشديد على مصادر تمويلها الخارجية.

وقد ساهم ذلك في تكريس صورة سلبية عن الجزء الأكبر من هذه النخب المدنية وناشطيها، وفي خلق حاجز نفسي وسياسي كبير بين قطاعات واسعة من البيئة الشيعية وبين هذه الجمعيات وهؤلاء الناشطين، الذين أصبح العديد منهم لاحقًا مرشّحين على لوائح المعارضة في الانتخابات النيابية في العام ٢٠٢٢. 

ورغم أن تيّارات المجتمع المدني قد استطاعت بالفعل إيصال عدد من مرشحيها إلى قبّة المجلس النيابي في انتخابات ذاك العام، ومن بينهم مرشحون على لوائح الجنوب تحديدًا، فإنّ لوائح الناجحين خلَت تمامًا من أي مرشح شيعي معارض، لتترسّخ، على المستوى النيابي، حالة القطيعة الشيعيّة الشعبيّة مع الناشطين التغييريين.

إضافة إلى العامل السياسي وبذور التوجّس التي زرعها الأمين العام الراحل لـ«حزب الله»، ساهم انسلاخ الجزء الأكبر من هؤلاء الناشطين الشيعة والمرشحين التغييريين عن بيئاتهم الاجتماعية التقليدية في تعميق هذه الهوّة. وإذا أردنا التوقف عند الجنوب تحديدًا، فإنّ الفجوة لم تكن سياسية فقط، بل كانت واضحة أيضًا في تفاصيل المعاش اليومي، ومكان السكن، وأنماط الحياة، والقيَم الاجتماعية والثقافية.

بمعنى آخر، لم يكن الاختلاف محصورًا في المواقف السياسية أو في مضمون الخطاب الذي يحمله هؤلاء، بل امتدّ إلى المسافة الاجتماعية بينهم وبين الجمهور الذي يخاطبونه. فمن نافل القول إنّ الخطاب السياسي لا يرتبط حصرًا بمضمونه، وإنّما يرتبط أيضًا بحامله، وبالصورة الاجتماعية التي يمثّلها في نظر المتلقّي. 

من هنا، لعبت الخلفيات الشخصية والاجتماعية والثقافية لهؤلاء الناشطين دورًا واضحًا في ترسيخ حالة القطيعة المستدامة بينهم وبين البيئة الشيعيّة في المناطق الجنوبية. فقد أصبحت هذه الخلفية الاجتماعية والثقافية جزءًا من الرسالة التي يتلقّاها الجمهور، قبل أن يتلقّى مضمون خطابهم السياسي نفسه حتّى.

ومع تسارع الأحداث الرهيب منذ زلزال السابع من أوكتوبر وما تلاه، إضافةً إلى حربي الإسناد وما رافقهما من تطورات دراماتيكية متلاحقة والوقائع العسكرية والديموغرافية الجديدة التي تسبب بها الاجتياح العسكري الإسرائيلي الواسع في جنوبي لبنان وصولًا إلى تخوم النبطية، قد ساهمت جميعها في إعادة صقل خطابات العديد من الناشطين الشيعة والحركات التغييرية من خلفهم، لنجد بعضهم قد بلغ حدّ التماهي مع خطاب وأدبيات «حزب الله»، وخفتت بالتالي نبرة معارضته أداء الحزب وسلوكياته إلى حدّ الانكفاء، فيما دفعت الأحداث نفسها بناشطين معارضين آخرين إلى مزيد من الراديكالية في معارضة «حزب الله». 

اليوم، ورغم أن مساحة الاعتراض داخل البيئة الشيعية قد بلغت مستويات غير مسبوقة، ورغم أنّ مجمل خيارات «حزب الله» الاستراتيجية، نتيجة تراكم الهزائم والخيبات المرتبطة بأدائه السياسي والعسكري، قد باتت عُرضة لمراجعات جديّة وتساؤلات كبرى، فإنّ المفارقة تكمن في أنّ استقطاب حالة الاعتراض هذه لا تتمّ عبر الناشطين التغييريين الشيعة، بل يبدو أنّ حالة الانزعاج والنقمة تتبلور من خلال التفاف مستجدّ على عدد من الشخصيات الشيعية، التي رغم حملها خطابًا متقدّمًا في معارضة «حزب الله» وأدائه، لكنّها شخصيات تنتمي إلى بيئات شيعية تقليدية، وبعضها مرتبط بـ«حركة أمل» وإن لم يكن خطابها السياسي ملتزمًا الخطاب الرسمي للحركة.

اليوم نشهد موجة صعود نجوم جدد من الناشطين الجنوبيين الشيعة على وسائل التواصل، يحملون خطابًا يمكن وصفه بالمتقدّم جدًّا في نقد الأداء اليومي لـ«حزب الله» ومن ورائه المحور الذي ينتمي إليه، لتتحوّل صفحات هؤلاء تدريجيًّا إلى إحدى أبرز واجهات التعبير عن حالة التململ والاعتراض الجنوبي الناقم على سلوكيات الحزب السياسية والأمنية والاجتماعية.

وهنا تبرز المفارقة الأساس: فبينما يخفق الناشطون التغييريون الشيعة الذين تصدّروا المشهد المعارض منذ ١٧ تشرين، في تحويل حضورهم إلى حالة استقطاب واسعة داخل بيئاتهم الاجتماعية، يبدو أنّ حالة الاعتراض تجد لنفسها اليوم حوامل مختلفة، حوامل أكثر التصاقًا بالبيئة التي تخاطبها، وأكثر قدرة على مخاطبة جمهورها من داخل منظومته الاجتماعية والثقافية.

وبقليل من الاندفاع والجرأة في الاستنتاج، يمكن القول إنّ الاعتراض الشيعي في وجه «حزب الله» قد بات اليوم، في الجانب الأوضح منه، يلبس لبوسًا أخضر، بألوان «حركة أمل». 

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...