.jpg)
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم، متناسين أنهم هم أنفسهم من تعرّضوا للسحل أمام المجلس النيابي، وأن أموالهم هُدرت، وأن عاصمتهم فُجّرت في آب ٢٠٢٠، والأمثلة لا تنتهي.
أنا هنا لا أشير إلى حالة واحدة إنما أستدل على نموذج للتفكّر في مسألة النظام اللبناني، وكيف أن التموضع الشكلي، إن صحّ التعبير، في ما سُمّي زورًا بـ«ثورة» ١٧ تشرين، لم يكن سوى قشرة خارجية تخفي طبقة سميكة من الانتماء الطائفي والسياسي، كشفتها الأحداث الحربية التي انطلقت في السابع من أوكتوبر ٢٠٢٣ من غزة، وصولًا إلى لبنان فسوريا فالمنطقة بأسرها.
فماذا يعني أن ينهار النظام المالي، وتُنهب أموال الناس، فيما تبقى البنية السياسية قادرة على الاستمرار؟ إذا كان النظام عاجزًا عن حماية أموال الناس، فلماذا بقي قادرًا على حماية نفسه؟ ولماذا لم يؤدِّ انهيار ٢٠١٩ إلى انهيار النظام السياسي معه؟ ربما لأن ما انهار كان جزءًا من النظام، لا النظام نفسه. وهنا يُصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كيف استطاع هذا النظام أن يستمر رغم الانهيار، وما الذي يجعل اللبنانيين أنفسهم يُعيدون إنتاجه، حتى بعد أن اختبروا نتائج بقائه؟ هي أسئلة لم تُجب عليها ١٧ تشرين، بل كانت مجرد لحظات عابرة شذَّت عن المألوف، هي محاولة ليس إلّا، لأن النظر إلى مآلات مواقف بعد السابع من أوكتوبر كشفت المستور وكشفت العقم المتجذِّر في المسألة اللبنانية برمّتها.
من هنا، كانت مرحلة ما بعد انتفاضة ١٧ تشرين لحظة اكتشاف أن السلطة أعمق من السياسيين الذين يتولّونها. فما انهار في ٢٠١٩ لم يكن النظام نفسه، بل إحدى ركائزه. الانتفاضة اصطدمت ببُنية سياسية واجتماعية أكثر تعقيدًا من مجرد طبقة من السياسيين الفاسدين. والطوائف ليست مجرد انتماءات اجتماعية أو دينية، بل هي أنظمة سياسية واجتماعية مغلقة، لها زعاماتها وشبكاتها ومصالحها وآلياتها الخاصة لحماية وجودها، مع قدَر كبير من التشابك في المصالح بين الناس والأحزاب السياسية، وهو ما ظهر لاحقًا في عودة الأحزاب التقليدية إلى تحقيق نتائج انتخابية وسياسية كاسحة، مكّنتها من البقاء في السلطة.
وفي قلب هذه المعادلة، برزت المسألة الشيعية بوصفها عقدة لا يمكن تجاوزها في أي محاولة لإعادة تأسيس النظام اللبناني. فمسألة أن غالبية الشيعة خرجوا من الثورة حين دعاهم السيد حسن نصرالله ليست تفصيلًا، والتفكير في أن الشيعة شكّلوا شارعًا مضادًا للثورة ليس أمرًا هامشيًّا كذلك، هي أحداث تخبرنا اليوم عن المسألة الشيعية والمسألة اللبنانية برمّتها.
فـ«حزب الله» ليس حزبًا سياسيًّا عاديًّا يمكن إسقاطه بصندوقة الاقتراع أو بحركة احتجاجية، بل قوة سياسية وعسكرية تمتلك قدرة على فرض نفسها داخل الدولة وخارجها، فيما بقيت غالبية من البيئة الشيعية تنظر إلى سلاح الحزب باعتباره ضمانة في مواجهة تهديدات خارجية وتاريخ من التهميش والصراع. لذلك، لم تستطع ١٧ تشرين أن تتحول إلى لحظة تأسيس سياسي جديد، إذ بقيت عاجزة عن اختراق إحدى أكثر البيئات السياسية تماسكًا، وبقي السلاح خارج النقاش الديموقراطي الكامل، لا سيما وأن السلاح منح الحزب قوة تتجاوز موقعه كحزب سياسي داخل النظام.
وبقيت المسألة الأعمق: «المسألة الشيعية» وسلاح «حزب الله»، اللذان يجعلان قيام «المسألة اللبنانية» نفسها أكثر تعقيدًا. منذ نشوء القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، مرورًا بالدور السوري كخاصرة إقليمية للنظام اللبناني تمثّلت، لسنوات طويلة، في سوريا بشار الأسد.
وصولًا إلى الصراع الإيراني - الإسرائيلي، ظلّ لبنان ساحة تتقاطع فيها صراعات أكبر منه، مع عدم إمكانية عزله عن محيطه بحكم موقعه الجيوسياسي، وقد استُخدم تاريخيًّا كساحة لصراعات وتدخلات دول أخرى، في وقت كان يمكن فيه لصراعات المنطقة أن تُدار على أراضي دول أخرى مثل سوريا والأردن ومصر.
كل ذلك يأخذنا إلى أن لبنان بلد ذو وجه ممانع، جذوره ممانعة، وهذا التأسيس الممانع يقوده «حزب الله». والخطاب المقاوم جزء أساسي وجوهري من بنية الخطاب الممانع. فمن استطاع التحرر من شبكة العلاقات الطائفية والتمرد على بنية النظام اللبناني، من ثوار ١٧ تشرين، لم يستطع، تحت وطأة الشعور بأولوية القضية الفلسطينية والمقاومة، أن يتحرر ويفهم أن الحروب الخارجية إنما تُعيد إنتاج السلطة في الداخل.
كثيرون من ثوار «الورق» لم يُدركوا أن الثورة يجب أن تكون كلّية شاملة، وليست ثورة على الكاتالوغ، كالقول الساذج بأن: «حزب الله» مقاومة في مواجهة إسرائيل؛ وحزب سلطوي فاسد أو متحالف مع الفاسدين في الداخل! وحزب محتلّ حين دخل سوريا، وميليشيا حين حمل سلاحه بمواجهة لبنانيين آخرين في السابع من أيار ٢٠٠٨. هي معادلات يستحيل أن تتواءم مع بعضها البعض.
ومن هنا، كان التوفيق بين أفكار وتموضعات ومواقف متناقضة أمرًا لا يعكس سوى حجم التعقيد في المسألة اللبنانية وغياب الرؤية عن ١٧ تشرين. وليس المطلوب مواجهة «حزب الله» بقدر ما كان لزامًا على الثوار فهم الواقع اللبناني وفهم أنفسهم والصدق مع الناس حيال الشعارات التي طرحوها ثم تخلّوا عنها.
إذا كان لا بد من السؤال عن أحد أوجه غياب الرؤية عن ١٧ تشرين، فهو أنها توجهت إلى الحلقة الأضعف في بنية النظام اللبناني: رئاسة الحكومة. لماذا كان يجب أن يسقط رئيس الحكومة السني، فيما بقي نبيه بري ورئاسة الجمهورية خارج دائرة المساءلة الفعلية؟ لقد سقطت حكومة سعد الحريري فعلًا، لكن ماذا تغيّر بعد ذلك؟ جاءت حكومة حسان دياب، بتسمية ودعم القوى التي كان في مقدّمها «حزب الله» وحركة «أمل»، ولم يؤدِّ تغيير الحكومة إلى تغيير في بُنية النظام أو في موازين القوى داخله.
نجحت ١٧ تشرين في إسقاط حكومة، لكنها لم تكن تملك تصوُّرًا لكيفية إسقاط النظام الذي أنتج تلك الحكومة وإعادة بناء نظام بديل. وقد قلنا حينها: إن حارة حريك هي عاصمة لبنان، فلماذا يتوجّه «الثوار» إلى القصر الحكومي؟ وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الثورة التي لا تعرف أين تكمن السلطة، ولا كيف تُعيد توزيعها، قد تنجح في إسقاط الحلقة الأضعف، لكنها تترك البُنية التي أنتجتها قائمة على حالها.
وإذا كان الحراك قد أخطأ في استهداف الحلقة الأضعف في بُنية النظام، فإنه أخطأ أيضًا في تشخيص المشكلة التي يفترض أن يواجهها. من هنا، يأخذنا ذلك إلى مسألة الصراع الطبقي التي روّج لها البعض، وكنت مع كثيرين من مؤيّديها، لكن اليوم ليس كالأمس، وباتت الصورة أوضح. فقد دخل لبنان حربًا أهلية طائفية استمرت ١٥ عامًا، ونتج عنها اتفاق الطائف الذي حدّد المشكلة ودعا إلى إلغاء الطائفية السياسية. لكن الحراك في تشرين تجاوز هذه الحقيقة، وانشغل بنظريات ثانوية، بدل أن يضع المشكلة الأساسية أمامه: الطائفية.
كان يمكن للحراك أن يطالب بتغييرات جزئية بدل رفع شعارات كبيرة من قبيل «تغيير النظام». فالبلدان لا تتغيّر دفعة واحدة، وإنما تتغيّر بالتراكم. وربما كان من الأولى المطالبة بتغييرات بُنيوية في الدستور، وتطبيق اتفاق الطائف وإلغاء الطائفية السياسية، إلى جانب تغييرات تتعلق بحقوق المرأة، والتحول نحو أنظمة مدنية في المحاكم، والتخلّص من سطوَة رجال الدين، وغيرها من الإصلاحات التي تمسّ بُنية النظام بصورة مباشرة. وبذلك، تكون التغييرات في بُنية النظام موضعية لكنها تراكمية، ويمكن أن تُفضي في نهاية المطاف إلى تحوّل جذري تلقائي.
كذلك، فحين أشير إلى أعداء الثورة، فقد كانوا كثيرين، حتى من الثوار أنفسهم. سأعطيكم مثالًا هنا: رفيقة مناضلة رفعت شعار «كلن يعني كلن»، وفي عام ٢٠٢٣ تنازلت عن شعارها واصطفّت خلف «حزب الله» في حربه ضد إسرائيل. حين هُزم «حزب الله» عام ٢٠٢٤، غيّرت موقفها وصارت مع الدولة !
ربما كانت تظن أن الحرب نزهة، أو أن الحزب سيكسب الحرب، وبالتالي يجب عليها أن تجد موطئ قدَم لها مع الفائز كي لا تصير مهمّشة. لكن حين طالت الحرب وبدأت تؤثر على حياتها وقريتها والجنوب الذي تنتمي إليه، بدّلت موقفها واكتشفت أن يحيى السنوار ليس بطلًا (كان بطلًا في البداية مع أبو عبيدة، ونشرت صوَره على صفحتها في الفايسبوك وتغنّت بجاذبيته)، وإذ بالرياح تأتي بما لا تشتهي السفن.
هذه واحدة من قصص كثيرين من ثوار ١٧ تشرين: مثقفين وصحافيين وإعلاميين وموظفي مجتمع مدني و«أنجي أوزيين»... إلخ، ممن شكّلوا عصَب ١٧ تشرين الفكري. والقصص تكاد لا تُحصى، فمنهم من نقَل بندقيته من كتف إلى كتف واستمر على العهد، ومنهم من تحوّل، ومنهم من ترك الساحة وفضّل عدم خوض غمار السياسة كونها شائكة، ومنهم من كانوا منذ البداية مزروعين في رحم الثورة والثوار، ومنهم من استفاق متأخرًا على انتمائه الطائفي لكنه يغلّفه بغلاف أخلاقي. وكما نعلم، فالمواقف السياسية حين تُغلّف بالأخلاق تصبح جامدة وغير قابلة للنقاش.
فالانتماء إلى المقاومة لم يكن بالنسبة إلى هؤلاء الثوار مجرد موقف من إسرائيل؛ بل أصبح، في لحظة الحرب، قادرًا على إعادة تفعيل الانتماء السياسي والطائفي الذي ظنوا أنهم تجاوزوه في ١٧ تشرين. فكيف يمكن لثورة أن تواجه نظامًا سياسيًّا، فيما هي نفسها لم تتحرر من البُنية الطائفية والسياسية التي يقوم عليها هذا النظام؟
وجدير بالقول إن تأييد المقاومة هنا هو تأييد للحرب، ولا مجال للفصل بينهما اليوم. وربما باتت الطوائف الأخرى تخشى النزول إلى الشارع، لأنها تعرف أن الشيعة لن يشاركوا في أي حراك، بل قد يقفون في مواجهته. وهذا شكل من العقَم الشعبي الذي أنتجته ١٧ تشرين، أو على الأقل كشفَته عن غير قصد، خصوصًا بعدما ثبُت لغالبية اللبنانيين أن الشعارات التي رفعتها فئة كبيرة من ثوار ١٧ تشرين كانت غير واقعية، وهم لم يطبّقوها حتى على أنفسهم.




