.jpg)
إنّ التاريخ ليس ترفًا معرفيًّا ومجرد سردٍ للماضي، بل هو أيضًا ذاكرة المجتمعات. وقراءته ضرورية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فكثير مما نراه اليوم لا يمكن فهمه دون العودة إلى الماضي.
إنّ مهمة الباحث أو المؤرّخ هي أكبر من مجرد نقل أحداث منه تحت عناوين معيّنة. بل مهمته، وخصوصًا في المواضيع الجدلية الخلافية، هو عرض النصوص المتاحة جميعًا دون استنساب، ومقارنتها وتمييز العنصر الثابت من المتغيِّر، والتمييز بين الوقائع والآراء فيها، وفهمها في سياقها الزمكاني وظروف نشأتها، بعيدًا من تأويلات وإسقاطات المتأخر والحاضر.
إن الموضوعية لا تتطلب من الباحث التخلّي عن مشاعره ومواقفه وعقائده، بل تعني التخلّي عن التحيّز الخاضع للرغبة والموقف السياسي والديني والمذهبي والآيديولوجي له، والابتعاد عن توظيف التاريخ في السياسة والطائفية، وقبول النتيجة التي تقوده إليها المصادر، حتى ولو لم تتوافق مع أهوائه أو مع الصورة التي يحبّها لنفسه وجماعته وماضيه وحاضره.
لأن الذاكرة التاريخية هي جزء من الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي في لبنان، فقد شهد هذا البلد، وعلى مراحل مختلفة، كتابات تاريخية متحيّزة لطوائفه تتناول النشأة والأحداث المفصلية والتحركات البشرية فيه.
لقد كانت هذه التحركات ولا زالت هذه الكتابات تشتدّ مع النقاط المفصلية فيه، ومع الأحداث التي يعتبرها الأطراف تشكل تهديدًا وجوديًّا لها. اشتدّ هذا النوع من الكتابة في سبعينات القرن المنصرم مع استفحال الحرب الأهلية. واليوم تشتدّ بأساليب كتابية وسمعية وبصرية وبما يتوافق مع أدوات نقل المعرفة العصرية.
فتح «حزب الله» في ٨ أُكتوبر ٢٠٢٣ جبهة الجنوب اللبناني مطلقًا ما أسماه وقتها حرب الإسناد لـ«قطاع غزة». وكانت هذه الحلقة الأولى من أبواب الجحيم التي حلّت على الطائفة الشيعية في لبنان وصولًا إلى اليوم. عشرات آلاف القتلى والجرحى، واحتلال إسرائيلي لمساحة جغرافية كبيرة، ودمار كبير في المنشآت المدنية، وتهجير لأهالي قرى بأكملها، واقتصاد مجتمع شيعي متضعضع خصوصًا في الجنوب، وأمن مفقود. كل هذا ترافق مع أفق مسدود ينتظر الحلول من الخارج الذي لا ينظر إلى الوضع اللبناني إلّا كورقة تجاذب ضمن إطار المصالح الإقليمية والدولية.
مقابل ذلك، ولتحصين الفعل الحاضر بالمقدس منعًا للنقد والاستفهام والسؤال عن الكلفة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، سيقَت التبريرات وشُرعِنت أفعال الحاضر الكارثية باستجلاب الماضي المجيد والمقدَّس، في مغالطات واضحة تحشد ما يدعم القرار وتغفل عن سواه من فروقات في انتقائية تاريخية هشّة. أُعيد تشكيل الماضي وكأنه نسخة مبكرة من الصراع الحالي! وكالعادة، رأينا كيف استحضرت دائمًا شخصية الإمام الحسين واستُدعيت واقعة كربلاء، في تجاوز كامل لباقي تجارب الإمام الحسين في حياته، ولتجارب النبي محمد وباقي الأئمة. لكن الأمور تعدّت هذا الأمر أيضًا إلى التبرير للقرار المتهوّر الحاضر عبر استحضار أفعال أسلاف الجماعة الدينية نفسها في لبنان. ومن هنا احتاج الدفاع المستميت عن تهوُّر الحاضر إلى التلاعب بتاريخ الجماعة، من خلال انتقاءات لنصوص وتحريف معانيها وإخفاء أخرى.
أراد «حزب الله» كتابة تاريخ الطائفة، فقدّم «تاريخي». وبعبارة أدقّ، كان في محطات عديدة منه تأريخه هو الذي استهواه وأراده لخدمة حاضره وتبرير خياراته، لا «تاريخنا» كطائفة. فكان «تاريخي» نسخة مشوّهة من «تاريخنا».
في «تاريخي»، وعلى خطى كتابات سبقت في هذا الخصوص، وأُلِّفت فيها العديد من الكتب، قُدِّمت بعض المحطات من تاريخنا على طريقة الحكواتي الشعبوي، لكن مع مفاهيم مختارة بدقة تترك آثارًا عاطفية عند المتلقّي. ومع استحضار لأسماء كتب ومصادر ومراجع تمّ استنباطها لتحصِّن المعروض وتثبِّته في أذهان مَن لا طاقة لهم على البحث. لم تكن مشكلة ما قُدِّم في أصل منهجية «التقميش» القائمة على جمع المواد التاريخية المتعلقة بموضوع البحث، بل في اللاموضوعية التي رافقته من خلال تجاهل الأدلة التي تعارض المواقف والأفكار المسلَّم بها (مغالطة قطف الكرز)، وأيضًا من خلال الدراسة والنقد والتحليل والاستنتاج.
في التعليق على حلقات «تاريخي» عن الفقيه الإمامي أحمد بن محسن بن ملّي البعلبكي (١٢٢٠ - ١٢٩٩)، والمبنية في الكثير منها على سرديات ومنهجية الشيخ جعفر المهاجر، سنعرض لنقطتين: الأولى حول واقع وخيارَي مجتمع أهل بعلبك إبّان الغزو المغولي؛ والأخرى حول تتبّع المماليك لابن ملّي ووفاته في قرية بخعون في جبال الضنّية. ومن خلال النقد سنلاحظ أنّ «تاريخي» والمهاجر يقدّمان أمورًا غير موجودة في المصادر التاريخية. فيقومان، وتحت عنوان «التقميش»، بصناعة معرفة بطريقة لا موضوعية ونابعة من خلفيات وإسقاطات سياسية ومذهبية، وبطريقة تحليلية استنتاجية وانتقائية من مصادر موجودة، ثم يقدّمانها على أنها مسلّمات محسومة.
سرَد المقدِّم حكاية عن الغزو المغولي لبعلبك، وهي التي حصلت عام ١٢٦٠ بعد سقوط دمشق بقليل. بدأها بحكاية عن استسلام قسم من أهل بعلبك للغُزاة الجدد، وكانوا بقيادة شخصية تُدعى تقي الدين الحشائشي (لخبرته بالحشائش)، وقسم آخر قرّر المواجهة وكانوا بقيادة ابن ملّي الإمامي الإثنا عشري. ثم ذكر أنّ المصادر التاريخية تحدثت عن جَمع هذا الفقيه الإمامي لـ١٠ آلاف مقاتل رابَط بهم في الجبل الشرقي وشَنّ حرب عصابات على المغول، مع عبارة مكتوبة مُرِّرت أثناء كلامه تشير إلى المصدر: المؤرخ قطب الدين البعلبكي اليونيني الحنبلي (١٢٤٢ - ١٣٢٦) في كتابه «ذيل مرآة الزمان». ثم بدأت الرسالة السياسية خلف هذا النسج المذهبي تظهر. فقال المقدِّم: «في أدبيات تلك المرحلة شو اسمو هيدا؟ انتحار سياسي. وفي أدبيات هيدي المرحلة شو اسمو هيدا إللي عمبيصير؟ كمان انتحار سياسي. مش هيك؟ ولكن هيدي الطريقة إللي كانوا الشيعة يكتبو فيها التاريخ بهيدي الجغرافيا».
وفي مكان آخر أيضًا، ولدعم السردية المقاوِمة بمظلومية المقاومين، تحدّث عن وفاة ابن ملّي في قرية بخعون في جبال الضنية هربًا من المماليك الذين كانوا يتعقبونه لأسباب مذهبية بعد خروج المغول من المنطقة. وكان المهاجر قبلًا في كتيّبه «شيعة لبنان والمنطلق الحقيقي لتاريخه»، وبعد ذكره الصلح الذي تلا حصار القلعة، اعتبر أنّ ابن ملّي لُقِّب بـ"الملك الأقرع» في مواجهة الزحف المغولي و«نظّم وقاد مقاومة شعبية ناجحة ضدهم، في بعلبك وجبالها. في وقت تهاوت فيه العروش، ولم تثبت الجيوش، من تركستان إلى أبواب مصر». كما اعتبر هؤلاء المقاومين جميعًا من الشيعة دون ريب، ولا يمكن إغماض العين عن هذا التصوّر. رغم أنه، هو ذاته، وفي الكتيّب نفسه، يعترف أنه ما من نصٍّ موجود يقول إن الفرز الذي حصل في بعلبك بين مقاومين ومستسلمين كان فرزًا مذهبيًّا.
مما ذُكِر، أراد «تاريخي» والمهاجر أن يستنتجا أنّ القسم السنّي من المجتمع البعلبكي آنذاك قرّر الاستسلام أو المهادنة، بينما أخذ القسم الشيعي خيار المواجهة، رغم غياب التكافؤ، كحالهم اليوم. رغم أنه لو فرضنا أن جهة سنّية قررت المهادنة بعد الحصار، وهذا ثابت، فهذا لا يقودنا في غياب النص إلى أن الجهة التي قاومت هي بالضرورة شيعية. هذا غير لازم منطقيًّا. وعندما نذهب إلى المصدر المذكور وغيره، لا نجد ذكرًا للأخبار عن أن ابن ملّي قد جمع هذا الجيش لمقاومة المغول، بل نجد أن مَن قاد العصيان الأوّلي ضد المغول كان «شجاع الدين إبراهيم والي القلعة ومَن عنده من المستخدمين وقريب نصف أهل البلد». وأن «سائر أهل البلاد إلّا القليل منهم قد صعدوا إلى القلعة بأموالهم وحريمهم مصمّمين على العصيان». ثم تطرّق المصدر إلى حصار القائد المغولي كتبغا للقلعة وضربه بالمجانيق أحد أحصن أبراجها ففتحت به «طاقة كبيرة كالباب الكبير فأذعن أهل القلعة بتسليمها وطلبوا الأمان فأمّنهم كتبغا على أنفسهم». ثم بعد ذكره قتل شجاع الدين وآخرين، يختم اليونيني قائلًا: «وجرى بألطاف الله تعالى بأهل بعلبك ما لم يكن في الحساب فـللّه الحمد على ذلك».
إذًا، نرى في النصوص أنّ أهل المدينة على تنوّعهم الطائفي قد قاوموا بقيادة والي القلعة ما أمكنهم، قبل أن يُهزَموا بعد الحصار بسبب الفارق الشاسع في القُدرات وفي الواقع المحيط بهم. ثم عُقدت تسوية ما في وقت لاحق توسّط بها بدر الدين الخوارزمي الذي كان كبير الغُزاة هولاكو قد أعطاه فرَمانًا بولاية بعلبك وأعمالها. ولم يطُل الأمر حتى طرد المماليك بقيادة سيف الدين قطز هؤلاء المغول من كامل بلاد الشام بعد أشهر قليلة إثر معركة عين جالوت (بين بيسان ونابلس) في مطلع أيلول من عام ١٢٦٠. كما أنّ لقب الأقرع الذي نسبه المهاجر إلى ابن ملي إنّما ذكره اليونيني في مواضع أخرى غير التي نتناولها، وخصّ بها شمس الدين سنقر الأقرع أحد غُلمان الملك المظفّر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين في إقليم الجزيرة الفراتية في تركيا الحالية.
كذلك الأمر، لا يوجد لدينا بحدود بحثنا نصوص تقول إن المماليك كانوا يتعقّبون ابن ملّي للخلاف المذهبي معه، كما أورد «تاريخي». وأن هذا التعقُّب بعد خروج المغول من البلاد هو الذي منعه من العودة إلى بعلبك، وإنما تمّ جمع معلومات عن رحلات ابن ملّي المتعددة بين الحواضر الإسلامية في مصر (إسنا، أسوان) والعراق (بغداد) وغيرها، ثم وفاته في بخعون وعدم عودته إلى بعلبك. رُسِّخ كل ذلك كمواد استنتاج لهذه الرواية المفترضة.
لكن مقابل ذلك التحليل، هناك نص تاريخي واضح وصريح للمؤرّخ علم الدين البرزالي (١٢٦٧ - ١٣٣٩) في كتابه «المقتفي على كتاب الروضتين» يذكر فيه أنّ ابن ملّي كان قد التجأ إلى بخعون بسبب التتار (المغول). وهذا يشير إلى أنه قد قضى جزءًا يسيرً ا من عمره هناك منذ دخول المغول للمنطقة، وهذا ما يعارض الرواية المفترضة عن تتبّع المماليك له. كذلك هناك نص آخر للمؤرّخ الصعيدي المصري كمال الدين الأدفوي (١٢٨٦ - ١٣٤٧) في كتابه «البدر السافر عن أنس المسافر» يذكر فيه أن رحلاته إلى الأمصار كانت بغرض التدريس: «ودرَّس بدمشق، وقدَم الصعيد متوليًّا مدرسة أسوان، ودرَّس بها مدّة». كما ذكر المؤرّخ شمس الدين الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام» أنه اشتغل في حلب أيضًا. وهذا يدحض ما يحاول السرد الإيحاء له من أن تنقّلاته كانت بسبب الخوف من تعقّب المماليك له.
إنّ ما نراه هنا هو قراءة مذهبية وسياسية آنية للتاريخ. قراءة اعتمدت منهجًا خاصًّا قام على الانتقائية للنصوص التي تدعم السردية التي يُراد إيصالها، وعلى افتراضات مسبقة تعتمد تركيبات لاموضوعية. وقد تمّ تسويقها حتى باتت عند البعض وكأنها مسلّمات تملأ كتب المصادر. كل ذلك تمّ توجيهه لغاية سياسية ومذهبية، تشير إلى أنّ مقاومة العدو الأقوى يُعتبر اليوم، كما في ذلك الزمان، عند الكثيرين بمثابة انتحار سياسي. وفي ذلك يبغون تبرير وشرعنة خيار الانتحار الذي قادوا فيها الطائفة حديثًا، معتبرين أنه خيار الشيعة التاريخي الطبيعي في هذه الجغرافيا، ولا بديل منه، وأيضًا الإشارة إلى مظلومية مَن يواجه العدو من خلال افتراض مظلومية ابن ملّي.
كما ظهر لنا آنفًا، لا تكمن خطورة الكتابة المذهبية للتاريخ في اختلافها عند تفسير وقائع الأحداث فحسب، بل في توظيف الذاكرة في خدمة السياسة والمذهبية، وفي تحويل الماضي إلى مادة حاضرة من أجل التبرير والشرعنة والتقديس، مع ما تتضمنه من ليٍّ لعنق النصوص كي تقول ما يُراد لها أن تقول. إنّ التاريخ الحقيقي هو ليس ذلك الذي يمنحنا ما نريد سماعه، بل ذلك الذي يضع السرديات الموجهة على منضدة التشريح والسؤال والاستفهام والنقد والتشكيك.





