.jpg)
في العاصمة بيروت وعند المسالك المؤدية إليها، تمتلئ اللوحات الإعلانية بأحجام مختلفة بحملات العودة إلى المدارس. مدارس ومعاهد ومكتبات ومتاجر ألبسة وأحذية موجّهة إلى أولياء الأمور وطلاب الجامعات، وتُغريهم بالعروض والخصومات.
المشهد نفسه يمكن رؤيته في مختلف المناطق اللبنانية، باستثناء الجنوب، ولا سيما المناطق القريبة من الخط الأصفر، حيث يلفّ الوجوم والحذر المشهد، فلا إعلانات ولا عروض ولا خصومات.
الأهالي الذين حضّروا حقائب للنزوح المفاجئ، تضمّ المال والمصاغ والأدوية بشكل رئيسي، خشية أن تتدهور الأمور بصورة مفاجئة، يعيشون سيناريو مرعبًا اختبروه مرتين خلال ثلاث سنوات. ومع ذلك، يتشبثون بضرورة تعليم أبنائهم مهما كانت الظروف.
لكن الأهالي، وكذلك المعلمين والتربويين والمسؤولين، يدركون جيدًا الأخطار التي تحيط بالموسم الدراسي وعودة التلامذة إلى فصولهم، في ظلِّ الحرب المستمرة وما نجم عنها من قتلى وتهجير وتدمير للبنى التحتية ومقوّمات الحياة.
وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز» قبل أيام، لا يزال أكثر من ٣٤٠ ألف شخص نازحين عن بلداتهم في جنوبي لبنان مع اقتراب انطلاق الموسم الدراسي، فيما تتوقع الأمم المتحدة أن تهدّد تداعيات الحرب انتظام تعليم أكثر من ١٠٠ ألف طفل. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الكثير من المدارس والمراكز التربوية تُستخدم مراكزَ إيواء.
وفي السياق نفسه، تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» إلى أن نحو ٣٤٠ مبنًى تربويًّا تضرّرت بسبب الحرب الأخيرة، فيما تعرّض بعضٌ منها لأضرار كبيرة أو متوسطة، ودُمّر بعضها الآخر بشكل كامل.
لا يمكن قياس الضرر الذي أصاب قطاع التعليم في لبنان، وبالأخص في الجنوب، بعدد الأبنية المتضررة أو المدمرة فقط. فالعام الدراسي يبدأ هذه المرة مع آلاف التلامذة الذين عاشوا تجربة النزوح والخوف وفقدان المنازل، وما يرافق ذلك من آثار نفسية وتعليمية واجتماعية، ومع معلمين اضطروا هم أيضًا إلى ترك بلداتهم وحياتهم المعتادة، وواجهوا أنواعًا مختلفة من المصاعب.
في البلدات القريبة من الخط الأصفر، لا تبدو العودة إلى المدرسة مسألة سهلة بالنسبة إلى الأهالي. فحتى إذا نجا المبنى التربوي من الدمار، تبقى عوامل أساسية تتحكم في قرار العودة إلى التعليم الحضوري، من أمن الطريق المؤدّي إلى المدرسة وسلامة المعلمين والتلامذة، إلى توافر المستلزمات والتجهيزات الأساسية لإطلاق العملية التعليمية، ولو بالحد الأدنى.
مدارس الشريط الحدودي استحالت معظمها حطامًا، فيما يجد أهالي البلدات الذين نزحوا إلى منازل ومراكز إيواء خارج الخط الأصفر صعوبة في إيجاد مدارس ليلتحق أبناءهم بها. فغالبيتهم الساحقة لا تملك القدرة على تحمّل تكلفة أقساط المدارس الخاصة ومستلزماتها، بينما تخطت المدارس الرسمية في بلدات النزوح أصلًا قُدراتها الاستيعابية.
أما المدارس الرسمية التي خرجت مبانيها عن الخدمة، فتواصل التعليم عبر الإنترنت، من خلال شبكة من المعلمين والطلاب والإدارات. الأستاذ يشرح الدرس من مكان نزوحه للطالب النازح، بإشراف نُظّار ومديرين اضطروا بدروهم أيضًا إلى مغادرة بلداتهم.
في حديث لـ«فان رقم ٤»، تقول أم حسان، ابنة بلدة ميس الجبل الجنوبية، إنها نزحت من قريتها في العاشر من تشرين الأول ٢٠٢٣، ولم تعد إليها منذ ذلك اليوم، باستثناء زيارات متقطعة إلى المقبرة، وذلك قبل اندلاع حرب الإسناد الثانية. وتلفت إلى أن أولادها الثلاثة درسوا عن بُعد «أونلاين» خلال السنوات الثلاث الماضية، في ظلّ ضعف خدمات الإنترنت والكهرباء، وكثرة أيام التعطيل بسبب الظروف الأمنية. وبالتالي، «بالكاد اكتسبوا بعض المفاهيم» التعليمية، وفق تعبيرها.
وحاولت أم حسان إلحاق أبنائها بمدرسة خاصة في محيط مدينة صور، حيث نزحت، إلّا أن ارتفاع الأقساط فاق قُدرتها، فيما لم تنجح في إيجاد مقاعد لهم في المدارس الرسمية، ما يعني أنهم سيتعلمون مرة جديدة عن طريق الـ«أونلاين».
وتؤكد أم حسان أن العائلة تحاول المستحيل لتعليم أبنائها مهما كلّف الأمر، رغم الأضرار المادية والنفسية التي أصابتها، وخسارة مصدر دخلها الأساسي، والخوف والرعب اللذين يلازمان الأطفال بعد الصدمات التي تعرّضوا لها مرة تلو الأخرى.
وفي وقت تدور فيه أحاديث عن احتمال حضور التلامذة النازحين بعض الحصص في المدارس الرسمية في بلدات النزوح، حتى وإن كانوا مسجلين في المدارس الرسمية في قراهم، لا تزال الآلية التي ستُعتمد لضمان انتظام تعليمهم غير واضحة بالنسبة إلى كثير من الأهالي.
الواقع المرير يعيشه أيضًا المعلمون أنفسهم، الذين تحوّل كثير منهم من معلّم داخل صفه إلى معلّم أمام شاشة حاسوبه أو هاتفه، بعدما اضطر إلى مغادرة بلدته والنزوح إلى مناطق أكثر أمانًا.
حسان هو أحد المعلمين في القطاع الرسمي، اضطر إلى النزوح من بلدته الحدودية باتجاه منطقة النبطية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى طرابلس، حيث سيواصل اليوم تدريس طلابه عن بُعد للعام الرابع على التوالي، في حال لم تسؤ الأمور أكثر ويتعطل العام الدراسي.
يقول وسام إنه يسكن اليوم في طرابلس بعدما خسر منزله الأول في حرب الإسناد، قبل أن تطاول الحرب الثانية المنزل الذي استأجره في منطقة النبطية. وهو يضطر اليوم إلى التعليم عن بُعد، ويواجه في ذلك مشاكل كثيرة، من بينها بطء خدمة الإنترنت وصغر مساحة المنزل الذي يقطنه مع عائلته المؤلفة من خمسة أفراد، ما يجعل العملية التعليمية أكثر صعوبة.
ويؤكد وسام عدم فاعلية التعليم «أونلاين» بالقدَر الكافي، فهو يدرك ذلك كمدرّس، وكأب لثلاثة أطفال يدرسون بدورهم عن بُعد، بعدما لم ينجح في تسجيلهم في المدارس الموجودة في المنطقة التي نزح إليها بسبب عدم توافر مقاعد.
ويقول وسام إن التعليم عملية متكاملة يحتاج إليها الطفل في مرحلة النمو، فلا يكفي الطالب أن يقرأ الشرح أو يستمع إلى مقطع فيديو، بل عليه أن يتفاعل مع زملائه داخل غرفة الصف، ويتنافس معهم، وينمّي مهارات التواصل والمشاركة وغيرها من المهارات. وهي كلها أمور يفتقدها طلاب الجنوب اليوم بسبب الحرب والظروف التي نجمت عنها.
الأخصائية النفسية لين الجندي تؤكد بدورها، في اتصال مع «فان رقم ٤»، أهمية التعليم الحضوري بالنسبة إلى الطلاب. فذاكرة الطلاب في سنٍّ صغيرة لا تكون سمعية في الغالب، بل يحتاج الطفل إلى أن يرى ويتفاعل ويمسك الأدوات بيده ويتواصل مع محيطه بشكل مادي وجسدي، لكي تترسخ المفاهيم في ذهنه.
كذلك، تشير الجندي إلى التأثير السلبي للحرب وتداعياتها المستمرة على التحصيل العلمي، موضحةً أن التلميذ يعيش في حالة خوف مستمرة ويفعّل «وضعية النجاة»، ما قد يؤدّي إلى سلوكيات غير صحية يستخدمها للتعبير عن مخاوفه أو للَفت الانتباه.
لا تؤثر الحرب في الطلاب خلال سنواتها فقط، بل تترك آثارًا تمتد إلى ما بعدها. أطفال الجنوب الذين أمضوا سنواتهم الدراسية بين النزوح والخوف وتعطّل التعليم وفقدان الاستقرار ودويّ القصف، لا يخسرون حصصًا دراسية فحسب، بل يخسرون جزءًا من صحتهم النفسية وتوازنهم الذهني في فترة نموهم الذهني والجسدي.
ومع استمرار هذه الظروف، يبقى خطر تراكم الفاقد التعليمي والنفسي والاجتماعي قائمًا، وقد يظهر أثره في السنوات المقبلة على قدرتهم على متابعة تعليمهم، وبناء علاقاتهم، والانخراط في المجتمع، وحتى في اختيار مستقبلهم المهني.





