.jpg)
أليس من الغباءِ والجنونِ وقلَّةِ الوعي والخبرةِ والتّجربةِ أن نعاديَ إسرائيلَ لصالحِ إيران ومشروعِها الإمبرياليّ في المنطقة والّذي أثبت فشلَه وتسبّب بدمار وخراب وتجويع لبنان وغزّة وسوريا والعراق واليمن؟!
ألا يجبُ مصارحةُ الشَّعبِ اللبنانيّ والشُّعوبِ العربيّةِ بكلّ ما يجري، كي لا تدفع هذه الشعوبُ ثمنَ استغبائِها باسمِ المقاومةِ والممانعة؟!
إنّهم يتلاعبون بمشاعرِها باسمِ الدّينِ والمقاومةِ، ويُحَرِّضون هذه الشُّعوبَ على بعضِها، «حين تقتضي المصلحةُ ذلك» بفتاوى دينيّة غُبّ الطَّلب، «جاهزةٍ ومُعلَّبةٍ» وبرواياتٍ صفراءَ، أكل الدَّهرُ عليها وشربَ، ويبثُّون الأحقادَ ضدّ غير المسلم، بتكفيرِهم للمسيحيّين واليهود، تحت عنوان «الّذين أشركوا» وأنّ اليهودَ هم قَتلةُ الأنبياء، وأشدُّ الناسِ عداوةً للذين آمنوا، مُتناسين أنَّ «جماعة الإسلام السّياسي» هم قتلةُ الإنسانِ والفِكر والمُفكِّرين والمُتنوِّرين، ولائحةُ ضحاياهم من المفكّرين طويلةٌ طولَ لحاهُم العفِنَةِ والقذِرة.
أنا أرى بأنّ أشدَّ الناسِ عداوةً للذين آمنوا بالحريّةِ والدِّيمقراطيّةِ والعدالة في العالم هم هؤلاءِ جماعةُ الإسلامِ السِّياسيّ، «الّذين لا نظيرَ لهم في الجهلِ والتَّوحُّشِ والإرهابِ». ولقد أحسنَ المفكِّر السُّودانيّ محمود محمّد طه، (الّذي أعدمَه الرّئيس السُّوداني جعفر النّميري بطلب من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين) حيث قال: «سوف يأتي يومُ تُوضَعُ على بابِ الأزهرِ خشبةٌ مكتوبٌ عليها: هنا كان يُدرَّسُ الجًهل».
وإنّ أشدَّ النّاسِ عداوةً للذين آمنوا بالحرِّيَّةِ والعدلِ والدّيمقراطيَّةِ هم هؤلاءِ المرتزقةُ، زعماءُ الميليشياتِ والطّوائفِ في لبنان، (وإن شئتَ فقُل بعضهم) «الّذين اعتلَوُا عروشَ السّلطةِ على جثث مئاتِ الآلاف من اللبنانيّين، والّذين نهبُوا وسرقوا وأفقروا وأفلسُوا النّاسَ والخزينةَ العامَّةَ للدّولة، واحتلّوا المؤسّساتِ الوطنيّةَ، المدنيَّةَ والعسكريَّةَ، واستعمروا الأرضَ، وانقلبُوا على الدّستور والنّظامِ اللبنانيّ وتفنَّنوا بأقصى فنونِ الاحتيال حتّى أدهشُوا إبليسَ فاستقال من منصبِهِ».
بينما اليهودُ والإسرائيليُّون، فهاكَ ما يُدهشُك، ونقلًا عن صفحة المفكّر اللبناني صلاح بكري: «تشيرُ تقديراتُ صندوقِ النّقدِ الدَّوليّ لعامِ ٢٠٢٦ إلى أنّ نصيبَ الفردِ من النّاتجِ المَحليِّ الإجماليّ قفزَ ليتراوح بين ٦٠ و٦٥ ألفَ دولار».
وبهذا الإنجاز، تتفوَّقُ إسرائيلُ رسميًّا على عمالقةِ القارّةِ الأُوروبيّةِ، مثل بريطانيا (٥٦ ألف دولار) وفرنسا (٥١ ألف دولار)، فضلًا عن إيطاليا وإسبانيا الّلتين تراجعتا بفارق كبير.
إضافةً إلى ذلك فهم يتمتّعون وينعمون بالحريّةِ والدِّيمقراطيّةِ والعدلِ، وبالطّبابةِ والتّعليمِ المَجانيّ، والقضاءِ الحُرِّ والمُستقلِّ، غيرِ المُسَيَّسِ الّذي يحكمُ بالسَّجنِ مدّةَ ثلاثِ سنواتٍ على رئيسِ حكومةٍ متّهمٍ بفسَادٍ ماليٍّ، لا قيمةَ له مقارنةً بفسادِ هؤلاءِ الحُكَّامِ واللصوصِ وجماعةِ الإسلامِ السِّياسيّ الّذين يقولُ فيهم القرآنُ:{وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(٢٠٦)}.
وبالتّأكيد وممّا لا شكّ فيه فهم يُعادون إسرائيل من أجلِ مصالحِهم ومنافعِهم الشّخصيّةِ والحزبيَّةِ، وكلٌّ مُستعدٌّ من تحت الطّاولةِ لأن يلعقَ الحذاءَ الاسرائيليّ إذا اقتضت ذلك مصلحتُه ومصلحةُ عائلتِه وحزبِهِ.
يقولُ المفكِّرُ الإيطاليّ نيكولو ميكيافلّي في كتابِهِ «الأمير»: «الأميرُ العاقل ينبغي له، حين تُواتيْهِ الفرصةُ، أن يُثيرَ العداوةَ بدهاءٍ، حتّى يزيدَ بقمعِها من عظمةِ نفسِهِ».
يرى نيكولو ميكيافلّي أنّ وجودَ الأعداءِ أو اختلاقَهم يُعَدُّ أداةً استراتيجيَّةً رئيسَةً لتثبيتِ دعائمِ السُّلطةِ السّياسيَّةِ، وتوحيدِ الجماهيرِ خلفَ القائدِ، من خلال خلقِ حالةٍ من التّعبئةِ والولاءِ المطلقِ للخليفةِ أو الحاكمِ، عبرَ إخافتِهم من خطرٍ خارجيٍّ أو داخليٍّ مشترك.
ويرى في ذلك تبريرًا للقبضةِ الأمنيَّةِ عبرَ إعطاءِ الحاكمِ المُبَرِّرَ الشّرعيّ لتوسيعِ نفوذِهِ، وفرضِ السَّيطرةِ، وتقييدِ الحُرِّيّاتِ تحت عُنوان (درء الخطر)، وفي ذلك إلهاءٌ للرَّعيّةِ، بتحويلِ أنظارِ الشّعبِ عن المشكلاتِ الاقتصاديَّةِ والداخليّةِ الفاشلةِ وتوجيهِ غضبِهم نحو العدوِّ المُصطنَعِ.
ولقد كان حكّامُ السّلطةِ في لبنان، ومرتزقتُهم في الماضي القريبِ، يُخيفون اللبنانيّينَ بالمخابراتِ السُّوريّة، واسمُ المخابراتِ السُّوريّةِ وحدَه كان كفيلًا بأن يبُثَّ الرُّعبَ في قلوب الكثيرين.
وما ذلك إلّا ليبقى هؤلاء الفاسدون والمنافقون والمجرمون جاثمين على صدورنا.
أتذكرون عبارةَ «الصَّبي ضايع»، هذه العبارةُ الّتي كانت تُطلقُ على كلِّ مَن ينطقُ في المجالسِ الخاصَّةِ بأحاديثَ ينتقدُ فيها جرائمَ المخابراتِ السُّوريَّةِ في لبنان؟! في حين لم نسمعْ بـ«الصَّبي ضايع» عندما كانت إسرائيلُ في لبنان.
واستعْدَوْا إسرائيلَ ليبقى اللبنانيُّ، وخاصّةً جمهورَ الثّنائي، صامتًا عن جرائمِ السُّلطةِ، باعتبارِها مقاوِمةً لـ«العدو»، حسبَ تعبيرِهم، فأبدعوا في فنونِ الفصاحةِ والبلاغةِ حتّى يتمكّنوا من احتلالِ عقولِ الجمهورِ وبرمجتها واللعِبِ على مشاعرِهِ، فقال قائلٌ منهم: «يا أشرفَ النّاس، وأطهرَ النّاس». وتفنّنَ هؤلاءِ الحُكّامُ بأقصى فنونِ اللعِبِ على الكلام وعند كلِّ مناسبةٍ وتحت عناوينَ وبدعٍ كثيرة، منها ما سمَّوه «تشريعَ الضّرورةِ» بهدفِ التّمديدِ المُتكرِّرِ للمجالسِ النّيابيَّةِ والبلديَّةِ، لإطالةِ عُمرِ احتلالاتِهم لمؤسّساتِ الدّولة والوطن.
وعلى قاعدة {فذكِّرْ فإنّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنين}، كان لا بُدَّ لي من تذكيرِ المؤمنين والمؤمناتِ، من جماعة الثّنائي في لبنان، ومَن يدورُ في فَلكِه، بكلام رئيسِ حركة أمل نبيه برّي وبكلام الشّيخ عبد الأمير قبلان، رئيسِ المجلسِ الإسلاميِّ الشِّيعيّ الأعلى في ثمانينات القرنِ الماضي، يُكرِّران في كلامِهما موقفَ الإمامِ السّيّد موسى الصَّدر، وذلك وفقَ مصدر عن مدّونة جبل عامل.
قال رئيسُ حركةِ أمل نبيه بري: «لن نسمحَ بالدُّخولِ المَسرحيّ (للفصائلِ الفلسطينيَّةِ) إلى الجنوب، فللجهادِ أبوابُه وطرقُه، ومنها أن تكون كلُّ الحدودٍ العربيَّةِ مفتوحةً، وأوَّلُها الضَّفةُ الغربيَّة. ولن أتسامحَ بعد اليومِ بأيِّ نقطةِ دمٍ جنوبيَّةٍ تُراق».
ولقد جاء كلامُ المفتي الشّيخ عبد الأمير قبلان في نفسِ السِّياق، حيث قال: «لا عودةَ إلى ما قبل العامِ ١٩٨٢، وإلى موضةِ الانفلاتِ المسلّحِ والاستعراضاتِ العسكريَّةِ، وإذا أرادوا التَّحريرَ فلْيتفضَّلُوا، ولكنْ بغيرِ البياناتِ والخُطَب، لماذا لا تتحرَّكُ الثَّورةُ من داخلِ فلسطين، وعددُ الفلسطينيِّين في الضّفةِ الغربيّةِ أكثرُ من عددِ الجنوبيِّين»؟؟؟!!!
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى، كي لا يتحمّلَ وِزْرَ تدميرِ لبنان وإبادةِ شعبِهِ المظلومِ والمقهورِ الّذي يئِنُّ منذ عقودٍ طويلةٍ تحتَ وطأةِ الجُوعِ والتّسيُّبِ والفلتانِ الأمنيِّ على قاعدةِ لا {يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلّا وُسْعَهَا}، و"رَحِمَ اللهُ امْرَءًا عَرَفَ حَدَّهُ فوقفَ عندَه"».





