11・09・2026
من العدد ٣٨
حين تصبح العمامة حزبية؛ قراءة في ملاحظات الشيخ محمد مهدي شمس الدين


تتجاوز ملاحظة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بشأن عدم مشروعية انتماء رجل الدين إلى حزب سياسي حدود الموقف من العمل الحزبي بالمعنى التنظيمي الضيق، لتلامس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الوظيفة الدينية وموقعها في المجال العام. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان رجل الدين يستطيع أن يكون سياسيًّا أو أن يتخذ موقفًا من قضايا الدولة والمجتمع، وإنما ما إذا كان انخراطه التنظيمي في حزب ما يظلّ منسجمًا مع وظيفته بوصفه صاحب موقع ديني يفترض فيه أن يمتلك قدرة على مخاطبة المجال الاجتماعي بأسره، لا جمهورًا سياسيًّا بعينه. ومن هنا تكتسب عبارته حول سقوط «الأهلية العامة» لرجل الدين الحزبي دلالتها السياسية والاجتماعية، لأنها تنقل النقاش من سؤال المشاركة السياسية إلى سؤال الاستقلال الذي يتيح للعالِم أن يحتفظ بصفته العامة. 

في تصوُّر شمس الدين، ثمة فارق جوهري بين رجل دين يمارس حقه في إبداء الرأي السياسي، وبين رجل دين يدخل في بنية حزبية يصبح جزءًا من منظومتها التنظيمية. فالموقف السياسي يمكن أن يكون تعبيرًا عن اجتهاد أو تقدير أو قراءة للواقع، في حين أن العضوية الحزبية تُنشئ رابطة مختلفة، قوامها الالتزام ببرنامج وقيادة وخيارات وأولويات جماعية. وحين يصبح رجل الدين طرفًا في هذه المعادلة، فإن صورته لا تعود منفصلة عن الحزب الذي ينتمي إليه، مهما حاول الفصل بين صفته الدينية وموقعه التنظيمي. عندها يتحول، وفق منطق شمس الدين، من شيخ عام إلى شيخ لحزب، ومن إمام يستطيع أن يمثل المجال الديني في عموميته إلى إمام لجماعة محدّدة، الأمر الذي يضيّق تلقائيًّا دائرة تأثيره ومشروعيته الاجتماعية.

وتنبع أهمية هذا التمييز من أن السلطة الدينية، بخلاف السلطة الحزبية، تستمد جزءًا من مشروعيتها من قدرتها على تجاوز الانقسام السياسي. فالحزب يقوم بطبيعته على التمايز والاصطفاف والمنافسة، بينما يفترض في المرجعية الدينية، في صورتها العامة، أن تكون قادرة على استيعاب التعدّد داخل المجتمع، وأن تحتفظ بمسافة تسمح لها بممارسة النقد حتى تجاه القوى الأقرب إليها. ولذلك فإن استقلال العالِم عن الحزب لا يعني تحييده عن الشأن العام، بل يحافظ على قدرته على النظر إلى السياسة من موقع لا يخضع بالكامل لمنطقها. وهذه المسافة هي التي تمنح الموقف الديني وزنه الأخلاقي، لأن العالِم يُصبح قادرًا على تأييد ما يراه صوابًا ورفض ما يراه خطًا، بصرف النظر عن هوية الجهة السياسية التي يصدر عنها الفعل.

وتبدو هذه الإشكالية أكثر حضورًا في الواقع الشيعي الراهن، حيث أصبح الحزب في بعض البيئات إطارًا مركزيًّا لتنظيم المجال الاجتماعي والسياسي، ولم تعد وظيفته مقتصرة على التنافس الانتخابي أو الوصول إلى السلطة، بل امتدت إلى مجالات اجتماعية وثقافية وخدماتية ورمزية. وفي مثل هذا السياق يصبح التداخل بين رجل الدين والتنظيم السياسي أكثر تعقيدًا، لأن العمامة نفسها يمكن أن تتحول من رمز ديني جامع إلى مؤشر على الانتماء السياسي. وحينها يصبح المتلقّي أمام سؤال لا يتعلق بمضمون الخطاب وحده، بل بمصدره أيضًا؛ هل يتحدث رجل الدين باعتباره عالمًا مستقلًّا، أم باعتباره جزءًا من جماعة سياسية لها حساباتها وأولوياتها؟ 

هذه النقطة تقود إلى جوهر آخر في رؤية شمس الدين، يتمثل في مشكلة «الأولوية السياسية». فحين تتقدّم السياسة لتصبح المعيار الذي تُقاس به القضايا الأخرى، يصبح من الممكن أن يُعاد ترتيب المجال الديني والاجتماعي وفقًا لحاجات الصراع السياسي. وما يبدأ بوصفه مشاركة في الشأن العام قد ينتهي إلى إخضاع الشأن العام كله لمنطق الأولوية السياسية. وفي هذه الحالة لا تعود القضية علاقة رجل الدين بالحزب، بل تصبح علاقة الدين نفسه بمنظومة الأولويات التي ينتجها الحزب. فإذا كانت المصلحة السياسية تتطلب موقفًا معينًا، يصبح الموقف الديني معرضًا لأن يُقرأ من خلال هذه المصلحة، وإذا تغيّرت الحسابات السياسية تغيّرت معها درجات الاهتمام بالقضايا المختلفة.

وهنا تكمن إحدى أكثر المشكلات عمقًا في التجربة الإسلامية الحديثة، إذ إن الانتقال من الدعوة إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى السياسة، يفتح باستمرار سؤالًا حول الحدود الفاصلة بين الدين باعتباره مرجعية قيميَة، والسياسة باعتبارها مجالًا لإدارة المصالح والصراعات والسلطة. وعندما يصبح النجاح السياسي معيارًا مركزيًّا، يمكن أن تتراجع الاعتبارات التي لا تحقق مكاسب سياسية مباشرة، حتى لو كانت أكثر اتصالًا بالوظيفة الأخلاقية والدينية. وبذلك تصبح «الأولوية السياسية» أكثر من ترتيب للأجندة، إذ تتحول إلى طريقة في النظر إلى الواقع وإعادة تعريف الضروري والمهم والهامشي. 

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في الحالة الشيعية، لأن التداخل بين المؤسسة الدينية والمجتمع السياسي ليس ظاهرة طارئة، بل يرتبط بتاريخ طويل من إنتاج القيادة والتمثيل والحضور الاجتماعي. غير أن التحول من المرجعية الاجتماعية إلى التمثيل الحزبي يطرح مشكلة مختلفة، إذ إن المرجعية العامة تحتاج إلى الاعتراف بالتعدد داخل البيئة نفسها، بينما يميل الحزب بطبيعته إلى إنتاج موقف أكثر تجانسًا وانضباطًا. ومن هنا فإن تحويل الاختلاف السياسي إلى اختلاف ديني يمثل أحد أخطر النتائج المحتملة لهذا التداخل، لأنه يجعل الانقسام السياسي قابلًا للتحول إلى انقسام في الشرعية والانتماء، ويُضعف قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته بوصفها اختلافات طبيعية في الرؤية والمصلحة والاجتهاد.

ولا يعني ذلك أن المجتمع الشيعي ينبغي أن يكون بلا أحزاب أو أن رجال الدين يجب أن ينسحبوا من الحياة السياسية. فمثل هذا الفصل الكامل بين الدين والسياسة ليس واقعيًّا، ولا ينسجم مع طبيعة المجتمعات التي تتفاعل فيها القيّم الدينية مع الخيارات العامة. إن المسألة الأكثر واقعية هي الحفاظ على استقلال الوظيفة الدينية عن الالتزام التنظيمي. يستطيع العالم أن يتخذ موقفًا سياسيًّا واضحًا، وأن يُناصر قضية أو يُعارض سياسة، لكنه عندما يدخل في حزب يصبح مُطالبًا، بحكم طبيعة الحزب، بمستوى من الالتزام والانضباط يتعارض في بعض الأحيان مع مقتضيات الدور النقدي الذي يفترض أن يؤدّيه صاحب المرجعية الدينية.

ومن هنا يمكن قراءة موقف شمس الدين بوصفه محاولة لحماية المجال الديني من التحول إلى امتداد للمجال الحزبي. فهو لا يضع السياسة في مواجهة الدين، وإنما يحذّر من انقلاب العلاقة بحيث تصبح السياسة هي التي تحدّد للدين مجاله وأولوياته وحدود خطابه. فالفرق كبير بين عالم يستخدم موقعه الديني للتأثير في الحياة العامة، وبين عالم يستخدم موقعه الديني لخدمة مشروع حزبي محدّد. في الحالة الأولى تظلّ السياسة موضوعًا من موضوعات الاجتهاد والموقف، أما في الثانية فإن السياسة تصبح إطارًا منظِّمًا للهوية الدينية نفسها.

وإذا أسقطنا هذا التصوّر على الواقع الشيعي الحاضر، فإن السؤال الذي يبرز ليس حول شرعية الأحزاب أو مشروعية المشاركة السياسية، بل حول مستقبل الوظيفة الدينية في مجتمع تتزايد فيه الحاجة إلى مرجعيات قادرة على تجاوز الاصطفافات. فكلما ازداد التصاق رجل الدين بحزب، ازدادت صعوبة احتفاظه بصورة المرجع الذي يستطيع أن يخاطب المختلفين معه بالقدَر نفسه من الشرعية. وقد يكسب الحزب بذلك قوة رمزية إضافية، لكنه قد يخسر المجتمع في المقابل جزءًا من استقلال المؤسسة الدينية وقدرتها على أداء دور جامع. 

لهذا تبدو فكرة «الأهلية العامة» التي طرحها شمس الدين مفتاحًا لفهم المسألة بأكملها. إنها تعني، في أعمق دلالاتها، أن وظيفة رجل الدين لا تستمد قيمتها من قربه من السلطة السياسية أو من قوة التنظيم الذي ينتمي إليه، وإنما من قدرته على الاحتفاظ بمسافة تتيح له أن يرى المجتمع خارج حدود الحزب. فالعمامة، بهذا المعنى، ليست موقعًا تنظيميًّا ولا أداة تعبئة سياسية، وإنما مسؤولية عامة. وكلما تحوّلت إلى جزء من بنية حزبية ضاقت دائرتها من المجال العام إلى المجال الخاص بالجماعة السياسية. ومن هنا تظلّ ملاحظة شمس الدين راهنة لأنها تضع أمام الواقع الشيعي سؤالًا يتجاوز الأشخاص والأحزاب؛ كيف يمكن للدين أن يحضر في السياسة من دون أن يتحول إلى حزب، وكيف يمكن لرجل الدين أن يكون فاعلًا في المجال العام من دون أن يفقد أهليته العامة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي، في نهاية المطاف، اختبار لقدرة المؤسسة الدينية على الحفاظ على استقلالها، وقدرة المجتمع على التمييز بين المرجعية الدينية والتمثيل السياسي، وبين المبدأ الذي يفترض أن يبقى ثابتًا والحساب السياسي الذي يتغيّر بتغيُّر الظروف.

مقالات مشابهة
27・10・2026
توضيح وزارة البيئة حول أزمة النفايات في بعلبك
شهيرة زعيتر
كان لـ«الفان رقم ٤» لقاء بموظفة في وزارة البيئة وبالتحديد في مصلحة البيئة السكنيّة وهي مهندسة بيئية في الأربعينات من العمر طلبت عدم ذكر اسمها، وذلك لعدم حصولنا على كتاب خطّي من الإدارة، وقد خوّلت من قِبل الوزارة بالحديث عن الملف، تقول: «إن إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان ككل صعب، تحاول الوزارة التخفيف منه عبر الفرز من المصدر كلما أمكن ذلك، وبمعالجة أمر المطامر عبر التخفيف من الطمر ذات التكلفة
19・10・2026
بين مقاعد الدراسة وشاشات التعليم عن بُعد... كيف عمّقت الحرب الفجوة التعليمية بين أطفال لبنان؟
حسن سنديان
«كان وضعي النفسي مشتّتًا وممزّقًا. لم يكن ذهني منصبًّا على الدروس، بل كان معلّقًا ببيتنا في بيروت المهدَّد بالقصف في أي لحظة، وبعائلتي وأقاربنا وجيراننا الذين لم يتمكنوا من النزوح لعدم توفر مأوى لهم في المناطق الآمنة. عشنا تحت ضغط نفسي هائل وخوف دائم على من نحب».
13・10・2026
بيوت قليلة ونازحون كثر: الحرب ترفع الطلب على الإيجارات في جنوب لبنان
أحمد خواجة
وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار. مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات.
أيضاً للكاتب/ة
21・10・2026
أعلام الخلاف تكشف خطورة الاحتقان في الجنوب
داود رمّال
قد تبدو حادثة حومين الفوقا، في ظاهرها، خلافًا عاديًّا حول أعلام، لكنها في مضمونها تكشف مشكلة أكثر عمقًا تتصل بطبيعة العلاقة بين جمهورَي «حركة أمل» و«حزب الله» في الجنوب وفي كل المناطق، وبمدى قدرة الطرفين على ضبط التنافس بينهما ومنع تحوّله إلى احتكاك ميداني، خصوصًا في ظلّ حروب المقتَلة التي ساق «حزب الله» إليها لبنان وبالأخصّ الجنوب،
29・09・2026
بشير الجميل: الرئيس الذي ذهبت الدولة معه إلى قبره
داود رمّال
الأهم من ذلك أن اهتمام بشير بالمنطقة الغربية لم يكن فقط اهتمام عسكري بما يفعله الخصم. كان يريد معرفة أوضاع الناس هناك بصورة مستمرة. وكان على تواصل دائم مع أصدقاء له من سياسيين وصحافيين في المنطقة الغربية، ويسأل عن توافر المواد الأساسية، وعن الغذاء والدواء والمحروقات، وعن الأسعار وكيفية مساعدة السكان. وكان يعمل على تسهيل تمرير الطحين والأدوية بالتنسيق مع شخصيات في المنطقة الغربية...
01・09・2026
لبنان ليس روح إيران
داود رمّال
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم وفرَصهم التنموية نتيجة تراكم الصراعات على أرضهم. عشرات آلاف العائلات عاشت دورات متتالية من النزوح والخوف والانهيار وفقدان المستقبل. إن الدولة اللبنانية، وفق دستورها ومنطق القانون الدولي، ليست ملكًا لأي محور، ولا تشكل امتدادًا روحيًّا أو أمنيًّا أو سياسيًّا لأي دولة أخرى. لبنان ليس «روح» أحد، بل وطن لمواطنيه وحدهم.