.jpg)
كلّ صباح، أحضّر قهوتي وأجلس أمام نافذتي، أرتشف من فنجاني رشفة، وأبتلع كلّ ما تراه عيني.
شجرة وحيدة تقف في مسافة ضيّقة بين البيوت. المكان ليس مكانها! هل دفعتها الحياة إلى هنا ثم نسيتها؟
هذه ليست شجرة، هذه أنا، أو لربّما تتشابه حكاياتنا أكثر ممّا يجب.
هي ليست بين أهلها، ولا مع شجر يشبهها، ولا الأرض تشبه الأرض التي كان يجب أن تكبر فيها. لا أشباه لها، ولا رفاق حولها، ولا فسحة واسعة تمدّد فيها أغصانها.
ومع ذلك، واقفة، جميلة، حرّة وغريبة... كأنها أنا.
أنا كذلك امرأة تغرّبت في بلدها.
لا لأنني أردتها، أو لأنني حلمت ببيت آخر، أو مللت الأرض التي تغرّبت منها. تغرّبت لأنني قلت: لا.
قلت لا للحرب حين طُلب مني أن أصفّق وأهلّل لها. قلت لا للموت حين صار الموت طعمه أشهى من العسل. قلت لا للمجازفة بوطن من أجل مشاريع لا تشبه أحلام أبنائه. قلت لا للدمار، لا لانتهاك السيادة، لا لتحويل لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة لحسابات الآخرين.
قلت لا، ولا زلت أقول: لا أريد أن يكون وطني مرهونًا للخارج، لا أريد بلدًا رهينةً لأحد.
ولأنني امرأة قالت «لا» بصوت مسموع، صار صوتي مشكلة.
وفي بيئتي، يغفرون لك الكثير من الأمور، لكنهم لا يغفرون لك أن تكون حرًّا بصوت مسموع، أن تسأل وتناقش وتختلف وتعترض، أن تقول: وطني ليس ملكًا لحزب، ولا حكرًا على طائفة، لا لفكرة قد تُسقط بلدي في المجهول، مهما كانت مقدّسة في عيون أصحابها.
قلت لا للحرب حين طُلب مني أن أصفّق وأهلّل لها. قلت لا للموت حين صار الموت طعمه أشهى من العسل. قلت لا للمجازفة بوطن من أجل مشاريع لا تشبه أحلام أبنائه. قلت لا للدمار، لا لانتهاك السيادة، لا لتحويل لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة لحسابات الآخرين.
كانت غربتي غريبة، فقط لأنني آمنت أن الإنسان أقدس وأغلى من الشعارات، وأن حياة المواطن اللبناني ليست تفصيلًا عابرًا في معركة أكبر منه.
دفعت ثمن مواقفي في أماكن كان يُفترض أن تكون مساحة احتواء وأمان، لا مساحة رفض وعقاب.
وجدت نفسي في بيت آخر، أمارس فيه حياة طبيعية، أجلس فيه وأنام فيه، أفتح نوافذه، أطبخ، أكنِّس وأمسِّح... لكنني أفتقد إلى بيتي، وأحاول جاهدةً إقناع نفسي، وعبثًا أحاول.
ووجدت نفسي في عمل لا يُشبه عملي، لا يُشبهه في المكان، ولا في الدوام، ولا حتى في إتقان العمل.
ما أقسى هذه الغربة!
ما أصعب أن تكون تحت سقف يحمي جسدك، وروحك في خطر، أن تكون محاطًا بجدران، لكنك في العراء، أن تعود إلى بيت، لكنك لم تعد.
كل شيء موجود حولي،
إلّا أنا.
أنا التي كانت تعرف طريقها، أنا التي كان لي مكانها، وعملها، وناسها، وأصواتها، ويومياتها، ووجوهها التي اعتادت أن تراها.
كلّ ذلك صار بعيدًا.
وأنا صرت أطلّ كلّ صباح على تلك الشجرة وأفكّر: كيف يمكن لشجرة أن تكون غريبة إلى هذا الحدّ ولا تنكسر؟ كيف يمكن لشيء اقتُلع من مكانه، لكنه يصرّ على أن يبقى جميلًا؟
ربما لأن الحرية لا تحتاج إلى جمهور، ولأن الكرامة لا تحتاج إلى تصفيق، أو لربما لأن بعض الكائنات خُلقت لتبقى واقفة حتى يحين أن يركع كلّ ما حولها. تأبى الانكسار.
هي وأنا لم نختَر غربتنا، لكننا اخترنا ما هو أقسى وأصعب، لقد اخترنا أنفسنا كي نبقى.
اخترت أن أدفع ثمن حريتي عوضًا عن أن أعيش رخيصةً في مكان يُطلب فيه مني الصمت.
واخترت الوحدة على أن أكون جزءًا من جماعة تصفّق لأشياء تُذرف الدموع لها.
هذه ليست حكايتي كلّها، لكن هذه أجمل فصول الحكاية.
امرأة حرّة تغرّبت، حزنت، تألّمت، بكَت، لكنها لم تندم.
خسارة البيت والعمل وبعض الناس أهوَن بألف مرة من خسارة الصوت، لأنني آمنت أن من يخسر صوته لا يحتاج إلى سجن، لأنه يصبح هو سجّان نفسه، وأنا لن أعيش سجينةً داخلي.
لذلك، كلّما فتحت نافذتي ونظرت إلى الشجرة، أتأمّلها، أحيّيها، وأبتسم لها، وأغمرها بنظرات الحب.
هي وأنا هنا، في مكان ضيّق المساحة، واسع الحرية.
هذه ليست حكايتي كلّها، لكن هذه أجمل فصول الحكاية.
امرأة حرّة تغرّبت، حزنت، تألّمت، بكَت، لكنها لم تندم.
لم ولن تندم، لأنها تريد وطنًا، وطنًا لا يمجّد الحروب، ولا يقدّس الموت، ولا يُدفن فيه صوت الحق.
أنا اليوم حرّة، أعيش أقسى أنواع الغربة بأجمل أنواع الانتصار.




