07・09・2026
من العدد ٣٨
في نقد «العقل الأمني»: مأزق مقاربة قضية «حزب الله»


يسود المشهد السياسي اللبناني اليوم نمطان من التفكير، الأول «سياسوي» يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية والجرأة في اتخاذ و/ أو إنفاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، بما في ذلك القرار الأمني؛ والثاني أمني اختزالي يغلّب منطق الحسم ويفتقر إلى المرونة السياسية، فيدعو عمليًّا إلى مفاقمة الأزمات وتوليد أزمات جديدة بدلًا من إدارة و/ أو معالجة الأزمات المزمنة. والمنطقان معًا يعجزان عن مقاربة الواقع اللبناني بما هو واقعٌ معقّدٌ سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، ومأزومٌ إنسانيًّا، ومحكومٌ بشروطٍ دولية وعربية صارمة لم يعد ممكنًا تجاهلها، فهي لم تعد متصلة بالاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني فحسب، بل أيضًا بإعادة الإعمار، أي بإعادة إنتاج الحياة في مناطق عديدة تعرّضت للإبادة العمرانية والبيئية وأصبحت خالية من مظاهر الحياة.

أمام الاستعصاء السياسي، تستمر أزمة تآكل شرعية الدولة اللبنانية. فهي عاجزة عن احتكار السلاح والقرارات المصيرية، وعن منع التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وعن فرض إصلاحات بنيوية جدّية وحاسمة تطال صلب النظام الاقتصادي والمالي والإداري. وبالتوازي، تتآكل شرعية «حزب الله»، العاجز بدوره عن تلبية وعوده والوفاء بالتزاماته تجاه قاعدته الجماهيرية، والثابت على موقفه في رهن أمن لبنان للنفوذ الإيراني وتحويله إلى ورقة تفاوضية بيد طهران تحت ذرائع متعدّدة.

ومما يسترعي الانتباه أن الدعوات إلى المواجهة المباشرة بين الجيش اللبناني و«حزب الله» تتزايد، في سبيل «إنقاذ» لبنان من مأزقه الأمني، وإن لم تتجاوز بعد نطاق دعوات فردية صادرة عن فاعلين في السياسة والإعلام. غير أن هذه الدعوات تتلاقى، بشكل مباشر، مع الضغوط والمساعي الإسرائيلية لجرّ الجيش إلى هذه المواجهة، بالتوازي مع التمدّد الجغرافي لإسرائيل، وتوسيعها التدريجي لما يسمّى بـ«المنطقة الأمنية العازلة»، ورفضها إلحاق بلدات جديدة في جنوب لبنان بما يُعرف بـ«المناطق التجريبية»، في تناقض صارخ مع الاتفاق الإطاري الذي يعكس بدوره حجم الاختلال في ميزان القوى والذي اعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «إنجازًا تاريخيًّا كبيرًا».

غير أن الإشكالية الأساسية في الطرح الأمني المذكور أعلاه تتمظهر في تجاهل البنية الاجتماعية والسياسية المعقّدة التي يقوم عليها «حزب الله»، وفي التعامل مع هذا الحزب ككيانٍ عسكري معزول لا تأثير لقاعدته الاجتماعية في حاضر لبنان ومستقبله، وكأن سلاح الحزب ظاهرة يمكن اجتثاثها جراحيًّا من دون المساس بالنسيج الاجتماعي الذي يُغذّيها ويُؤمّن لها الغطاء الحقيقي. ولا يمكن فهم أي ظاهرة اجتماعية بمعزلٍ عن تناقضاتها الداخلية، فـ«حزب الله» بدوره أيضًا ليس كتلةً متجانسة، بل هو مؤسسة تعبّر عن تناقضات المجتمع الشيعي اللبناني نفسه، ومن غير السليم تجاهل هذه التناقضات أو التخفيف من وطأتها، ولعلّ أبرزها وأخطرها في آنٍ معًا هو التناقض الذي يحكم قاعدته الجماهيرية بين الولاء السياسي والأيديولوجي للجمهورية الإسلامية في إيران والانتماء العضوي للبنان حيث تعيش وتعمل وتبني العلاقات الاجتماعية والإنسانية، أي الازدواجية بين هويتها الوطنية وارتباطها الأيديولوجي العابر لحدود هذا الوطن، والذي تبرّره على الدوام بضرورة دعم «المقاومة».

هذا التناقض وغيره من التناقضات تجعل طرح المواجهة العسكرية المباشرة مع «حزب الله»، إذا ظلَّ طرحًا يتيمًا غير مرتبط بحزمة متكاملة من البدائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية تلامس مباشرة حياة القاعدة الاجتماعية المحتضنة لهذا الحزب، أداةً لتكريس التناقضات إياها، وتحويلها إلى أرض خصبةٍ لولادة أزمات أشدّ استعصاءً، بدءًا من التناقضات التي تحكم البنية الداخلية للمجتمع الشيعي، وصولًا إلى تلك التي تحكم القاعدة الجماهيرية للحزب نفسه. هنا بالذات تكمن أزمة «العقل الأمني»، الذي يتقاطع في نقطة معينة مع «العقل السياسوي»، ليعكسا خللًا بنيويًّا يشوب عقل الطبقة المسيطرة في الأصل، بما هو عقلٌ يميل أكثر إلى نبذ التخطيط، ونجد جذوره في النزعة الاستهلاكية ومنطق الربح السريع اللذين يعكسان بنية الاقتصاد الخدماتي، فنراه يتجسّد على المستوى السياسي في منطق الربح السريع إياه، متخطّيًا جميع تعقيدات البنية الاجتماعية وتفاعلاتها الداخلية.

وكما يغطي «حزب الله» فشله العسكري بالتصعيد الخطابي ضد خصومه السياسيين، وبالأخصّ ضد رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، لصرف انتباه قاعدته بشكل مستمر عن مأزقه وما له من مفعولٍ كارثي مباشر في حق تلك القاعدة، وذلك منذ ما قبل اتفاق الإطار، وقبل انخراطه في حرب الإسناد الثانية في ٢ آذار ٢٠٢٦، وحتى قبل الإتيان بنواف سلام رئيسًا للحكومة، يغطي الداعون إلى «الدولة القوية» فشلهم السياسي بالدعوة إلى استئصال «حزب الله» في «عملية جراحية»، وكأنهم في مواجهة مع عصابة صغيرة معزولة اجتماعيًّا وسياسيًّا، وليسوا في مواجهة مباشرة مع ظاهرة سياسية واجتماعية ترتبط بقسمٍ غير يسير من المجتمع اللبناني. وبدلًا من التفكير في أن اللُبنة الأساسية لقيام الدولة الفعلية في لبنان هي في استمالة القاعدة الجماهيرية لهذا الحزب لمصلحة مشروع الدولة، نجد «العقل الأمني» يطرح، برعونة لا مثيل لها، مسألة المواجهة المباشرة بين الجيش اللبناني و«حزب الله» وحسم هذا الملف  أمنيًا بحجة أن هذا الحسم هو الشرط الأساسي لوقف التمدّد الإسرائيلي في جنوبي لبنان. ونجده كذلك يقفز فوق حقيقة أن إسرائيل لم تحترم، وربما لن تحترم، الاتفاق الإطاري الذي هو، بشكلٍ أو بآخر، نواة عملية سلام بين إسرائيل ولبنان، ولو طالت وتعقّدت مراحلها التفاوضية، بالتالي، فإسرائيل لا تريد فعليًّا، في الممارسة، تحقيق السلام.

والتناقضات الداخلية التي تطبع القاعدة الاجتماعية لـ«حزب الله»، تواجهها تناقضات أخرى لا تقل خطورة منها تطبع البنية الداخلية اللبنانية، والتناقضان على المستويين يفرضان حالةً من الشلل السياسي أكثر من كونهما محفّزان للتغيير. فالدولة تسعى إلى تحقيق ذاتها، كدولة مكتملة الأوصاف، في البدء عبر حصر السلاح بيدها، وبالتالي عبر الإمساك بالقرار الأمني. وحصر السلاح بيد الدولة الذي يشترط مواجهة «حزب الله»، بشكلٍ أو بآخر، يشترط في الوقت ذاته مواجهة إسرائيل، أو على الأقل، عدم الخضوع للمطالب الإسرائيلية حين تنتقص تلك الأخيرة من السيادة اللبنانية، سواء أكان ذلك في الأرض أو الأمن أو الحقوق السيادية. وفي هذا الخضوع، في الخطاب والممارسة، إضعافٌ لثقة القاعدة الاجتماعية للحزب بمشروع الدولة مستقبلًا، وبالدولة ككيانٍ مترنّحٍ ما يزال يقف عاجزًا أمام نتائج انهيار عام ٢٠١٩ حاضرًا. وهذا التناقض هو تعبيرٌ عن أزمة في مفهوم الدولة ودورها تتملّك العقل الذي يدعو إلى قيام الدولة على أنقاض الدويلة المتمثلة بـ«حزب الله».

حلّ معضلة «حزب الله»، رغم بُعدها الأمني، لا يمكن أن يكون أمنيًّا بحتًا، وبالتأكيد لا يمكن أن يحمل طابعًا قسريًّا في الجانب الأمني منه. هذه المعضلة سياسية واجتماعية وأيديولوجية - ثقافية بالدرجة الأولى، تتصل بالبنية السياسية والاجتماعية اللبنانية. وسلاح «حزب الله»، وإن كان سببًا لأزمات، بل لكوارث حلّت بلبنان، هو بدوره نتيجة لأزمة أعمق بكثير، نجد جذورها في ضعف الدولة اللبنانية من جهة، والبنيان الاجتماعي الطائفي الذي يتسلّل وينتشر عبرها النفوذ الخارجي بمسمّيات عدة، ليس النفوذ الإيراني سوى أحدها، ولا شكّ في أنه وجد بيئة خصبة له في لبنان إبان الحرب الأهلية الطائفية بالذات. وهنا يتّضح خللٌ آخر يعتري «العقل الأمني»، حيث إنه لا يعي خطورة الحرب الأهلية، بما هي مسارٌ تاريخي معقَّد وليست مجرد لحظة صدام واحدة - مسارٌ ينتج عنه احتمالات متعددة ومكثفة، لا يمكن التنبؤ مسبقًا في طبيعتها، أو في حجم تأثيرها ومستوى تفاعلها.  

وفي هذا السياق، يفضّل هذا «العقل» التقاطع مع إسرائيل في مواجهة جزء من المجتمع اللبناني، كوصفةٍ جاهزة لحلٍّ سحري يستحضره حين يتخيَّل المواجهة مع «حزب الله» منفصلةً عن القاعدة الاجتماعية التي تشكّل عموده الفقري. وإذا كان اعتراف «حزب الله» بهزيمته شرطٌ لتجاوزها والبدء بالتفكير في حلول حقيقية خارج إطار ما فُرِض على لبنان من قرارات وخيارات، فإن اعتراف الدولة بفشلها في التعامل مع ملف سلاح الحزب باعتباره منفصلًا عن قاعدته الاجتماعية من جهة، وتاريخ الاعتداءات والاحتلالات في جنوبي لبنان من جهة أخرى، واختزاله بكل بساطة في النفوذ الإيراني، هو شرطٌ من شروط قيام هذه الدولة التي لا قيام لها في حالة تنابذٍ تامٍ مع المجتمع الذي يجب أن تستمد شرعيتها وقوّتها منه. ليس المطلوب استبدال الجانب الأمني من هذا الملف بالجانب الاقتصادي والاجتماعي منه، بل المطلوب أن نعيد مقاربة هذا الملف من زاوية مختلفة، أكثر شمولًا واتصالًا بالواقع الاجتماعي، فقضية «حزب الله» وسلاحه هي قضيةٌ اجتماعية قبل أن تكون قضية أمنية.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...