03・09・2026
من العدد ٣٨
تقرير شهري – آب ٢٠٢٦: من وعود «اتفاق الإطار» إلى حصار علي الطاهر

بدأ آب على مفارقة حادة: كانت الدولة اللبنانية تدخل جولة تفاوضية سابعة مع إسرائيل في روما، فيما كانت الوقائع في الجنوب تتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا. فبدل أن يُترجم المسار الدبلوماسي إلى تثبيت لوقف إطلاق النار أو انسحاب من «مناطق تجريبية» جديدة، استمر القصف والتفجير والحرق والتجريف، وبرزت المنصوري وتلة علي الطاهر بوصفهما مركزين متقدمين لسياسة فرض الوقائع. وهكذا، لم يعد السؤال خلال الشهر إن كانت المفاوضات تحقق تقدمًا تقنيًا، بل ما إذا كان «اتفاق الإطار» قادرًا أصلًا على تغيير ميزان القوة على الأرض.

وقع التحول الأهم في منتصف الشهر وما بعده. فالضربات التي أوقعت ١١ قتيلًا و١٢ جريحًا في أنصار ودير الزهراني في ١٥ آب، ثم توسيع الغارات والتوغلات وعمليات نسف المنازل، نقلت المشهد من استنزاف يومي موزع إلى ترقب مواجهة مركزة حول علي الطاهر. وبات الموقع، في الخطاب السياسي والإعلامي، أكثر من تلة عسكرية؛ إذ صار اختبارًا لمن يملك القرار الأمني، ولحدود قدرة الجيش اللبناني على الانتشار، ولما إذا كان نزع السلاح أو تسليم المواقع يمكن أن يتم بالتوافق أو تحت ضغط النار الإسرائيلية.

انتهى الشهر من دون حسم. بقيت الجولة الثامنة من مفاوضات روما مطروحة لشهر أيلول، لكن موعدها وشروطها وآلية التحقق ظلّت موضع غموض. وتمسكت رئاسة الجمهورية والحكومة بالتفاوض باعتباره أقل كلفة من الحرب، مع تأكيد حصرية السلاح ودور الجيش، فيما صعّد «حزب الله» رفضه للمسار ووصفه بأنه يشرعن العدوان. أما «حركة أمل»، فجمعت بين رفض «اتفاق الإطار» كما طُبّق، والتشديد على الجيش والدولة والوحدة الوطنية والحضور الدولي في الجنوب. وبذلك، دخل لبنان نهاية آب أمام عقدة مزدوجة: ميدان يتآكل تحت النار، وسياسة لا تملك بعد صيغة داخلية قابلة للتنفيذ ولا ضمانة خارجية توقف التوسع الإسرائيلي.

أولًا: علي الطاهر والمنصوري

استحوذ الجنوب على كامل الأحداث الميدانية تقريبًا خلال الشهر، فيما بقيت الوقائع المسجلة في البقاع وبيروت وجبل لبنان محدودة بالمقارنة. ولم يكن هذا التركّز مجرد أثر لحجم التغطية؛ إذ تكررت طوال أسابيع أنماط ثابتة: تفجير مبانٍ ومنازل، وإحراق حقول وأحياء، وقصف مدفعي، وغارات جوية، وإلقاء متفجرات وقنابل حارقة من مسيّرات، وتوغلات موضعية ترافقها جرافات ودبابات وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة. وقد ظهرت المنصوري وحداثا وزوطر الشرقية وحولا وميس الجبل والخيام ودوحة كفررمان بصورة متكررة، لكن الثقل السياسي والعسكري انتقل تدريجيًا إلى علي الطاهر.

 

في مطلع الشهر، ارتبط اسم علي الطاهر باشتباك ليلي تحدثت عنه مصادر إسرائيلية في ١ آب، وقالت إن ضابطًا إسرائيليًا أُصيب خلاله. وقد أطلقت إسرائيل سلسلة من العمليات حول التلة شملت قصفًا مدفعيًا، وقنابل فوسفورية وحارقة، ومتفجرات ألقتها طائرات مسيّرة، بالتوازي مع روايات إسرائيلية عن منشآت وأنفاق لـ«حزب الله». ومنذ تلك اللحظة، لم تعد التلة مجرد موقع ضمن نطاق النبطية، بل تحولت إلى محور تتجمع حوله التقديرات العسكرية والشروط التفاوضية.

 

بالتزامن، كانت المنصوري تمثل النموذج الأوضح لسياسة الإخلاء القسري وتغيير شروط الحياة. تكررت فيها عمليات القصف والتفجير وإحراق المنازل، وظهرت تحركات للآليات الإسرائيلية في المشاع، كما تعذر على الجيش اللبناني، في إحدى المحاولات، استكمال انتشاره بسبب الدمار وقطع الطرق، قبل أن يعود برفقة فرق هندسية. وفي ١٩ آب، سجلت المواد جرف منازل وإحراق أخرى، وتمركز دبابة «ميركافا»، وقصفًا مدفعيًا وغارات جوية. ولا تأتي أهمية المنصوري من حادث منفرد، بل من انتظام الضغط عليها بما يعطل العودة، ويجعل أي انسحاب أو انتشار لبناني عملية هندسية وأمنية وإنسانية معقدة، لا خطوة عسكرية بسيطة.

 

يمكن تقسيم المسار الميداني إلى ثلاث مراحل. امتدت الأولى من بداية الشهر إلى ختام جولة روما في ٦ آب، واتسمت بتصعيد متزامن مع التفاوض، خصوصًا في المنصوري وعلي الطاهر. وفي المرحلة الثانية، بين ٧ و١٥ آب، اتسعت عمليات النسف والتوغل، وبرزت ميس الجبل والطيبة والخيام وكفرتبنيت، قبل أن تبلغ الكلفة ذروة دامية في غارات أنصار ودير الزهراني. أما المرحلة الثالثة، من ١٨ آب حتى نهايته، فشهدت تضييقًا متدرجًا على علي الطاهر، وغارات أوسع في محيط النبطية ودوحة كفررمان ودير سريان وبرعشيت، مع استمرار التدمير في القرى الحدودية.

 

كان ٢٧ آب يومًا دالًا على اتساع الرقعة؛ إذ شملت الغارات المنصوري وبرعشيت والنبطية وكفررمان وعلي الطاهر، ووصلت إلى عربصاليم، حيث أعلنت وزارة الصحة مقتل امرأة وإصابة ستة أشخاص، بينهم طفلة وامرأة ومسنّان. وفي ميس الجبل، تحركت دبابات وجرافات، وسُجل قصف منازل وحرقها وجرف خيم زراعية. وعلى الرغم من أن المؤشرات الواردة في المواد كانت تتحدث عن احتمال إبقاء أي مواجهة واسعة محصورة حول علي الطاهر، فإن توزيع الضربات أظهر أن الضغط العملياتي لم يكن محصورًا بالتلة وحدها، بل استُخدمت جغرافيا أوسع لعزلها ورفع كلفة بقائها.

 

ومع حلول ٣١ آب، كانت الغارات والقذائف، ومنها قذائف وُصفت في المواد بأنها فوسفورية، لا تزال تستهدف محيط علي الطاهر، مع سماع حركة دبابات وآليات. ولم تسجل المواد سقوط التلة أو تسليمها، كما لم تثبت حصول تسوية عليها. لذلك، انتهى الشهر في حالة حصار واستعداد، لا في حالة حسم، وهو ما جعل علي الطاهر عنوانًا للشهر التالي أيضًا.

ثانيًا: مفاوضات روما — تقدم تقني بلا أثر ميداني

انعقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في روما على مدى ثلاثة أيام، وانتهت في ٦ آب. وتوزعت المباحثات على مسارات عسكرية وسياسية وقانونية–حدودية. تناول المسار العسكري المصطلحات والقضايا التقنية، وبحث المسار السياسي وقف إطلاق النار و«المناطق التجريبية»، فيما حضر ملف الأسرى وإمكان إشراك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إضافة إلى التفكير في مرجعية أممية لمرحلة ما بعد «اليونيفيل».

 

قدمت الرئاسة اللبنانية النتائج باعتبارها تقدمًا في ملفي الحدود والأسرى، مع استمرار العمل الأميركي على وقف النار والمناطق التجريبية. لكن مواد أخرى من داخل التغطية نفسها قالت إن الجولة لم تحسم الجهة التي ستتحقق من التنفيذ، ولم تحدد منطقة تجريبية جديدة بسبب إصرار إسرائيل على التحقق أولًا من إجراءات الجيش في زوطر الغربية وفرون. كما تضاربت الروايات بشأن اتفاق مزعوم على قائمة دول تشارك في التحقق؛ إذ تحدثت تقارير عن بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا، قبل أن ينفي مسؤول لبناني وجود اتفاق نهائي.

 

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في ١٣ آب، أن إسرائيل لن تنسحب من «المنطقة الأمنية» قبل نزع سلاح «حزب الله»، وأن قواتها تستعد لوجود مطول. وجاء رد أميركي، كما نقلت المواد، يعتبر الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم غير منسجم مع «اتفاق الإطار»، إلا أن هذا الاعتراض لم يقترن بتحول ميداني ظاهر. وكانت النتيجة أن لبنان الرسمي تمسك بالاتفاق، بينما أعادت إسرائيل ترتيب التسلسل: نزع السلاح والتحقق أولًا، ثم بحث الانسحاب.

 

في النصف الثاني من الشهر، تراجع اليقين بانعقاد الجولة الثامنة مطلع أيلول. تحدثت مصادر رسمية عن غياب موعد محدد وضعف احتمال انعقادها، ثم أعلن وزير الخارجية الإيطالي، في ٢٦ آب، أن جولة جديدة ستُعقد في روما خلال الشهر التالي. وظل الإعلان عامًا، فيما بقيت شروط المشاركة والجدول والضمانات غير محسومة. وبذلك، انتقل المسار من توقع خطوات عملية قريبة إلى إدارة أزمة مفتوحة، مع رهان لبناني على دور أوروبي أكبر في آلية التحقق وفي صيغة دولية لمرحلة ما بعد «اليونيفيل».

 

الأهم أن التفاوض لم يوقف التدمير، وقد صار هذا الانفصال بين الطاولة والميدان الحجة المركزية لخصوم الاتفاق. فمن وجهة نظرهم، لم تقلص سبع جولات مساحة الاحتلال، ولم تمنع نسف القرى. أما المدافعون عنه، وفي مقدمهم الرئيس جوزاف عون، فشددوا على أن التفاوض صعب وبطيء، لكنه يبقى أفضل من الحرب، وأن الأهداف هي وقف النار، والانسحاب، وعودة الأسرى والأهالي، وانتشار الجيش، وإعادة الإعمار. والمفارقة أن الطرفين انطلقا من الوقائع نفسها، لكنهما اختلفا في معيار الحكم: النتائج الفورية عند المعترضين، وتجنب حرب أشمل وإبقاء القناة السياسية مفتوحة عند الدولة.

ثالثًا: الدولة والجيش — حصرية السلاح بلا خيار الصدام الداخلي

حافظت رئاسة الجمهورية والحكومة خلال آب على خط متماسك في عناوينه العامة: التفاوض قرار دولة، والجيش هو الجهة الشرعية التي ينبغي أن تنتشر حتى الحدود، وإعادة الإعمار مسؤولية الدولة بعد الانسحاب. وفي ٢٦ آب، قال الرئيس عون إن لا خيار إلا التفاوض، وإن صعوباته لا تجعله أقل تفضيلًا من الحرب. وفي ٣٠ آب، أكد أن السلاح الذي يحمي الأرض هو سلاح الدولة الشرعي وحده، رافضًا أن يبقى الجنوب منطقة منسية أو ورقة تفاوض.

 

لكن التنفيذ كشف حدود هذا الموقف. فقد قال قائد الجيش إن المؤسسة تواصل مهماتها المتعلقة بـ«اتفاق الإطار» ضمن الإمكانات المتاحة، فيما تعيق الاعتداءات الإسرائيلية انتشارها. وأكد نائب رئيس الحكومة طارق متري أن الحكومة لن تتراجع عن تثبيت مفهوم الدولة، لكنها لا تريد فرض قراراتها بالقوة على نحو يهدد الوحدة الوطنية. ورسمت هذه المعادلة سقف السياسة الرسمية: لا تراجع عن مبدأ حصرية السلاح، ولا استعداد لتحويله إلى مواجهة عسكرية داخلية.

 

برزت علي الطاهر هنا باعتبارها الاختبار الأصعب. وتناولت اقتراحات متداولة إمكان تسليم التلة إلى الجيش، مقابل انسحاب إسرائيلي من مناطق أخرى أو الحصول على ضمانة بألا تدخلها القوات الإسرائيلية لاحقًا. إلا أن هذه التسريبات أشارت إلى رفض إسرائيلي لبعض الصيغ، وإلى عدم الحصول على ضمانات كافية، فضلًا عن عدم تجاوب «حزب الله» مع رسائل رسمية، وفق مصدر لبناني. ولا يمكن تثبيت كل تفاصيل هذه الاتصالات، لكن تكرارها يكشف محاولة لصوغ حل تبادلي يجنب الجيش صدامًا مع الحزب ويمنع إسرائيل من احتلال الموقع؛ وهي محاولة لم تنتج تسوية حتى نهاية الشهر.

 

أُضيف إلى ذلك ملف مستقبل «اليونيفيل». تعاملت الرئاسة و«حركة أمل» والجيش مع احتمال انتهاء المهمة الدولية بوصفه خطرًا ينذر بفراغ أمني، وبآلية قد تدفع إلى تنسيق مباشر غير مرغوب فيه بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. لذلك، تحرك الرئيس عون في روما والفاتيكان للحصول على دعم لصيغة دولية بديلة أو ممتدة، فيما طرح نبيه بري قوة أممية تحت علم الأمم المتحدة تحظى بتوافق أوروبي–أميركي. وهكذا، توازى مسار حصرية السلاح مع البحث عن مظلة دولية تمنع تحميل الجيش وحده أعباء الانتشار والتحقق والاحتكاك.

رابعًا: «حزب الله» — تشدد سياسي واحتواء ميداني

أظهرت المواد الإعلامية حول «حزب الله» فصلًا واضحًا بين مستوى الخطاب ومستوى النشاط العسكري الموثق. فعلى المستوى الميداني، وردت روايات عن اشتباك علي الطاهر في ١ آب، وعن مسيّرة قيل إن الحزب أطلقها باتجاه قوة إسرائيلية في ٧ آب، لكن المواد لا تقدم سلسلة متواصلة من البيانات العملياتية الجديدة طوال الشهر. كما أن مادة بثها الإعلام الحربي في ١٨ آب عن استهداف تجمعات إسرائيلية بالمسيّرات أحالت صراحة إلى «الأيام الأخيرة قبل وقف إطلاق النار»، أي إلى مادة استرجاعية، لا إلى عملية جديدة. لذلك، لا تسمح البيانات بوصف آب بأنه شهر تصعيد عسكري معلن من الحزب، بقدر ما كان شهر تثبيت للموقف السياسي والاستعداد الدفاعي حول المواقع.

 

سياسيًا، تصاعد رفض الحزب للمفاوضات تدريجيًا. في بداية الشهر، ركز خطابه على عجز «اتفاق الإطار» عن وقف الاعتداءات، ثم انتقل، بعد مجزرة ١٥ آب، إلى مطالبة السلطة بمراجعة شاملة ووقف «اللهاث» خلف الضمانة الأميركية. وبعد العقوبات والتصنيفات الأميركية في ٢١ آب، أكد الحزب علاقته بإيران، ورفض تقديمها بوصفها نقيضًا للانتماء اللبناني، وربط الضغوط المالية بهدف تجريد لبنان من عناصر قوته وإحداث اضطراب داخلي.

 

مثّلت كلمة الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، في ٢٨ آب، خلاصة الموقف في نهاية الشهر. فقد أعلن استمرار المقاومة في مواجهة المشروع الأميركي–الإسرائيلي، واعتبر أن التفاوض المباشر يشرعن العدوان ويفرط بالسيادة، ودعا جمهور الحزب إلى مزيد من الصبر. ولم يقدم الخطاب مخرجًا تفاوضيًا لملف السلاح أو علي الطاهر، بل ثبّت معادلة الصمود وعدم التسليم. وبذلك، انتقل الحزب من نقد نتائج التفاوض إلى نزع الشرعية السياسية عن المسار نفسه.

 

تنظيميًا واجتماعيًا، استمرت نشاطات التشييع وإحياء ذكرى ضحاياه والمناسبات الدينية، واحتلت تضحيات «مجتمع المقاومة» مساحة مركزية في خطاب الحزب. وقد أدت هذه الوظيفة إلى ربط الكلفة البشرية بفكرة الاستمرار، لا بمراجعة الخيار. أما سرديته الإعلامية، فتمحورت حول أربعة عناصر: إسرائيل تستخدم المفاوضات غطاءً لتوسيع الاحتلال؛ والولايات المتحدة شريك وليست وسيطًا؛ والسلطة اللبنانية عاجزة أو خاضعة؛ والمقاومة هي الضمانة المتبقية للسيادة. ولم يطرأ على هذه العناصر تحول جوهري، لكن لهجتها تجاه الدولة ازدادت حدّة كلما تقدم الشهر.

خامسًا: «حركة أمل» — تمايز داخل وحدة الموقف الشيعي المتبنّي لسردية الحزب

لم تطابق «حركة أمل» خطاب «حزب الله» بصورة آلية. صحيح أن الحركة رفضت الاعتداءات وهاجمت نتائج المفاوضات، لكنها أبقت الجيش والدولة والمؤسسات الدولية في قلب طرحها. ففي ١٩ آب، قال نبيه بري إن الولايات المتحدة ورئيسها قادران على إلزام إسرائيل بوقف الحرب والانسحاب، وتعهد، عندئذ، بانتشار فوري للجيش جنوب الليطاني، ليكون القوة الوحيدة الحافظة للأمن والحاملة للسلاح في المنطقة. وفي اليوم التالي، اعتبر إنهاء مهمة «اليونيفيل» خطيئة كبرى وتهديدًا للقرار ١٧٠١.

 

عكست هذه المواقف براغماتية مختلفة عن خطاب الحزب؛ فتحميل واشنطن المسؤولية لم يمنع مخاطبتها بوصفها الجهة القادرة على فرض الانسحاب، والتمسك بالجنوب لم يمنع تأكيد حصرية القوة المسلحة جنوب الليطاني بالجيش.

 

في خطاب ٣١ آب، بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، شدد بري على رفض «اتفاق الإطار» والتفاوض تحت النار، وقال إن سبع جولات رافقها اتساع الاحتلال والتدمير. لكنه وضع، في المقابل، السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش ضمن خطوط حمراء، وحمّل الدولة مسؤولية حماية الجنوب وإعماره، ورفض المنطقة العازلة أو الحزام الأمني، كما رفض إسقاط حق لبنان في مقاضاة إسرائيل. وبذلك، انتهى الشهر على تمايز واضح: تقاطعت «أمل» مع الحزب في رفض المسار القائم، لكنها قدمت الجيش والدولة والشرعية الدولية بوصفها أدوات أساسية، وحذرت من نقل الصراع إلى الداخل.

سادسًا: الانقسام على تعريف السيادة

طرحت «القوات اللبنانية» و«الكتائب» وأصوات سيادية أخرى نزع سلاح «حزب الله» في مقدمة الأولويات، ورأت أن الازدهار واستعادة الثقة الدولية يبدآن بحصر السلاح بيد الدولة. وحمّلت بعض هذه الأصوات رفض الحزب مسؤولية استمرار الذريعة الإسرائيلية، ودعت إلى دعم الجيش لتنفيذ خطة شاملة.

 

في المقابل، ركز «التيار الوطني الحر» وجبران باسيل على مساءلة الحكومة عن ملاحق أمنية أو وثائق غير منشورة مرتبطة بـ«اتفاق الإطار»، وعلى ضرورة مناقشة استراتيجية دفاعية بدل الاكتفاء بإملاء نزع السلاح. كما برز وليد جنبلاط بخطاب ينتقد ما سماه التنظير للهزيمة تحت شعار حصرية السلاح، في وقت دعمت فيه أصوات أخرى استمرار التفاوض والضغط الدولي. وهذا التعدد مهم؛ لأنه يبين أن الانقسام لم يكن بين مؤيد للسلاح ومعارض له فحسب، بل شمل أيضًا طريقة الانتقال إلى حصرية الدولة: هل تتم تحت ضغط اتفاق خارجي ونار إسرائيلية، أم ضمن تسوية وطنية وضمانات انسحاب؟

 

بلغ الصراع ذروته في تعريف السيادة. عرّفتها الدولة ومعارضو الحزب بوحدة القرار العسكري والأمني تحت سلطة المؤسسات. أما «حزب الله» وحلفاؤه، فربطوها بالقدرة على مقاومة الاحتلال، واعتبروا أن نزع السلاح قبل الانسحاب يلغي عنصر الردع. وبين التعريفين، حاولت مواقف وسطية الجمع بين أولوية الجيش ورفض الصدام الداخلي. لكن الشهر لم ينتج لغة مشتركة، بل رسخ وجود مسارين: مسار قانوني–دولتي بلا أدوات تنفيذ كاملة، ومسار مقاوم يملك القدرة على الرفض من دون أن يقدم تسوية قابلة للتطبيق.

سابعًا: البيئة المحلية — عودة معلقة

لم تكن العودة مسارًا مستقرًا. فالمواد تحدثت عن نحو ٥٠ عائلة استقرت في زوطر الغربية، لكن النقاش بشأن عودة عشرات الآلاف إلى بنت جبيل والخيام بقي مرتبطًا بانسحاب إسرائيلي لم يحصل، وبإمكان توفير مساكن جاهزة وإطلاق الإعمار. وفي عين إبل ورميش ودبل، ظهرت قيود القوافل، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية والمحروقات والخدمات، وغياب فرص العمل، مع تحذير محلي من إفراغ البلدات تدريجيًا. لذلك، لم يكن النزوح مجرد نتيجة مؤقتة للقصف، بل تحول إلى ضغط ديموغرافي واقتصادي طويل الأمد.

 

أما المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والشخصيات الدينية، فركزوا على رفض تهميش الجنوب، والتحذير من الفتنة، والدعوة إلى الوحدة. وكان خطاب المفتي أحمد قبلان الأكثر حدة تجاه السلطة؛ إذ ربط بقاء لبنان بثلاثية الجيش والمقاومة والوحدة الوطنية، بينما شدد نائب رئيس المجلس، الشيخ علي الخطيب، على رؤية وطنية جامعة ورفض تحويل الجنوب إلى ورقة انتخابية إسرائيلية. وتعكس هذه المواقف اتساع الفجوة النفسية بين قطاعات من البيئة الشيعية والدولة، مع بقاء الخوف من الصدام الداخلي عنصرًا ضابطًا للخطاب.

ثامنًا: السرديات الإعلامية — أربع روايات تتنافس على تفسير الشهر

قدمت وسائل «حزب الله» الشهر في إطار رواية عن تفاوض فاشل تستخدمه إسرائيل ستارًا للتدمير. وتكررت أوصاف «السلطة» بدل «الدولة» أو «الحكومة»، بما ينزع عن الفريق الرسمي صفة المرجعية الجامعة، ويقدمه بوصفه طرفًا سياسيًا. وركزت هذه السردية على الشراكة الأميركية في العدوان، وعلى أن كل توسع ميداني يثبت عقم الضمانات. ومع اقتراب نهاية الشهر، أصبح رفض الاتفاق جزءًا من تعريف المقاومة لنفسها، لا مجرد اعتراض على بند أو آلية.

 

في رواية الدولة، كان التفاوض أداة لتقليل الخسائر وفتح طريق الانسحاب والعودة، حتى إذا لم يقدم نتائج سريعة. وربط هذا الخطاب بين السيادة وانتشار الجيش، وأكد أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تستقر من دون الدولة. لكنه واجه مشكلة مصداقية عملية؛ إذ كان كل يوم من التفجير يمنح خصومه دليلًا جديدًا على غياب الردع والضمانة.

 

أما الرواية المعارضة للحزب، فقرأت المشهد من زاوية الذريعة والسلاح. فإسرائيل، وفق هذه الرواية، تستفيد من بقاء بنية عسكرية خارج الدولة، ولا يمكن استعادة الثقة أو المساعدات أو وقف الحرب من دون نزع السلاح. غير أن بعض الأصوات ذهبت أبعد من غيرها، فدعت إلى ضغط تنفيذي سريع، بينما حذرت أصوات أخرى من صدام داخلي، وطالبت باستراتيجية دفاعية وتوافق سياسي.

 

وقدمت «حركة أمل» رواية رابعة أكثر تركيبًا: إسرائيل تسعى إلى إقامة حزام أمني ومحو القرى، والتفاوض تحت النار لم ينجح، لكن الرد ليس إسقاط الدولة أو التشكيك بالجيش، بل تحصين الوحدة، وتثبيت الحضور الدولي، وتحميل الدولة مسؤولية الجنوب.

تاسعًا: الكلفة الإنسانية — واتجاه واضح

في ٧ آب، نقلت المواد عن وزارة الصحة حصيلة تراكمية منذ ٢ آذار بلغت ٤٣٣٥ قتيلًا و١٢٢٧٣ جريحًا. وفي ٢١ آب، ارتفعت الحصيلة للفترة نفسها إلى ٤٣٤٨ قتيلًا و١٢٣٠٧ جرحى. وبذلك، تشير الأرقام المتاحة إلى زيادة لا تقل عن ١٣ قتيلًا و٣٤ جريحًا بين التاريخين.

 

تُظهر الحوادث المفردة حجم الكلفة أيضًا. أعلنت وزارة الصحة إصابة ثمانية أشخاص في غارات برج الشمالي في ٦ آب، وإصابة شخصين في استهداف بمسيّرة في النبطية في ١١ آب، مع تضرر سيارة إسعاف لـ«جمعية الرسالة». وفي ١٥ آب، أشارت التقارير إلى أن غارات أنصار ودير الزهراني أوقعت ١١ قتيلًا، بينهم نساء وأطفال، و١٢ جريحًا. وفي ٢٤ آب، انتُشل جثمانا شابَّين في السابعة عشرة من العمر بعد استهداف دراجتهما في دوحة كفررمان. ثم أعلنت الوزارة، في ٢٧ آب، مقتل امرأة وإصابة ستة أشخاص في عربصاليم.

 

لكن الكلفة الأوسع لا تُختصر بعدد الضحايا. فحرق المنازل وجرفها، وتعطيل الطرق، وتقييد الوصول إلى الحقول، واستمرار مراكز الإيواء، وتأخر بدل السكن والمساعدات، كلها مؤشرات على أن الحرب كانت تعيد تشكيل شروط الحياة اليومية. كما أن تدمير الآبار والمدارس والبنى التحتية جعل العودة مرتبطة بإعادة بناء منظومة خدمات كاملة، لا بمجرد توقف القصف.

الخلاصة

يمكن اختصار آب ٢٠٢٦ بأنه الشهر الذي انتقل فيه «اتفاق الإطار» من وعد سياسي إلى اختبار ميداني أخفق في إنتاج أثر سريع. بدأت الجولة السابعة في روما بأحاديث عن الحدود والأسرى والمناطق التجريبية، وانتهى الشهر وتلة علي الطاهر تحت القصف والحصار، فيما بقيت المنصوري وقرى أخرى عرضة للنسف والحرق والتجريف. لم تسقط قناة التفاوض، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على إقناع خصومها، وصارت الجولة الثامنة المحتملة مطالبة بإثبات أنها أكثر من إدارة للوقت.

 

ميدانيًا، انتهى الشهر بلا حسم لعلي الطاهر وبلا توقف للاستنزاف. وسياسيًا، ترسخت حصرية السلاح هدفًا رسميًا، لكن الحكومة أكدت أنها لن تنفذه بالقوة، وبقي «حزب الله» على رفضه، فيما حاولت «حركة أمل» وصل حماية البيئة الجنوبية بالدولة والجيش وغطاء الأمم المتحدة. والمسألة المفتوحة التي انتقلت إلى أيلول لم تعد مجرد موعد تفاوض جديد، بل إمكان بناء معادلة متزامنة: وقف النار والانسحاب والعودة من جهة، ومعالجة السلاح وسلطة الدولة من جهة أخرى. ومن دون تزامن حقيقي، ستبقى كل خطوة في أحد المسارين ذريعة لتجميد الآخر.

مقالات مشابهة
03・08・2026
تموز ٢٠٢٦: الجنوب اللبناني بين «اتفاق الإطار» والتفجيرات الهائلة
دخل لبنان شهر تموز و«اتفاق الإطار» الذي أُعلن في نهاية حزيران يتصدر المشهد السياسي، بوصفه محاولة لنقل المواجهة مع إسرائيل من الحرب المفتوحة إلى مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية برعاية أميركية. إلا أن الشهر لم يكن شهر تطبيق مستقر للاتفاق بقدر ما كان شهر اختبار لشروطه وحدوده: استمرت الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب.
03・07・2026
حزيران ٢٠٢٦: من الحرب إلى الانقسام حول «اتفاق الإطار»
دخل لبنان شهر حزيران ٢٠٢٦ وهو يحمل إرث وقف إطلاق النار غير المطبّق، ومفاوضات عسكرية وأمنية لم تُنتج انسحابًا إسرائيليًا، ومعارك برية امتدت نحو دبين والشقيف وشمال نهر الليطاني، وانقسامًا داخليًا متصاعدًا حول التفاوض والسلاح. استمرت، خلال الأيام الأولى من حزيران، العمليات البرية التي كانت قد بدأت في أواخر أيار حول دبين وقلعة الشقيف ووادي السلوقي...
03・06・2026
أيار ٢٠٢٦: هدنة تشبه الحرب...
اتسم الشهر بتزامن مسارين متناقضين: مسار تفاوضي تقوده مؤسسات الدولة اللبنانية برعاية أميركية، ومسار ميداني اتجه نحو مزيد من الاتساع والخطورة؛ وبينما كان لبنان يطالب بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، امتدت العمليات البرية الإسرائيلية إلى محاور حداثا وزوطر الشرقية ودبين ومرتفعات الشقيف. وانتهى الشهر من دون تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، ومن دون انسحاب إسرائيلي، مع ارتفاع الكلفة البشرية واتساع الخ