05・09・2026
من العدد ٣٨
بين النفوذ وجذور الهوية هل يستعيد المجتمع الشيعي اللبناني أصالة تاريخه ؟


شهد المجتمع الشيعي في لبنان على مدى العقود الأربعة الماضية تحوّلًا بنيويًّا عميقًا إذ أدّى تدفق الأموال والتمدُّد السياسي والعقائدي الأُحادي إلى إعادة تشكيل الهندسة الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة. ولم يقتصر هذا التغيير على تموضع الموقف السياسي فحسب بل امتدّ ليمسّ دقائق الحياة اليومية من نمط العيش والمأكل والمشرب وبنية العلاقات الأُسرية وصولًا إلى طبيعة التواصل مع سائر المكوّنات الوطنية.

تكمن إشكالية هذا التحوّل البنيوي في محاولة اختزال بيئة كاملة في لون واحد حيث جرى استبدال التنوع التاريخي بنمط سلوكي وأيديولوجي صلب. تسبب ذلك في انحسار مظاهر التعددية الفكرية لصالح الخطاب المنضبط تنظيميًّا، ونشوء حالة من العزلة الاجتماعية والعقائدية عن المحيط الوطني، فضلًا عن تحويل مؤسسات المجتمع المدني والأهلي إلى أدوات تعبئة وتأطير تنظيمي.

هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة ونشاط الحركة الثقافية في بيروت والجنوب والبقاع. وكانت البلدات تعيش حالة من التكامل والعيش المشترك التلقائي مع جوارها.

ومع المتغيرات الراهنة الكبرى، والضغوط الاقتصادية الخانقة، يفرض السؤال نفسه: هل كانت هذه التبدلات الهيكلية مجرد قشرة طافيه على السطح أم أنها تغلغلت جذورًا يصعب اقتلاعها؟

يؤكد علم الاجتماع السياسي أن المجتمعات قد تخضع لعمليات أدلَجة مكثفة تحت وطأة الثروة والسلطة والتعبئة، غير أن الهوية الأصلية للمجتمعات العريقة لا تتلاشى بل تدخل في حالة من الكمون المؤقت. إن المجتمع الشيعي اللبناني لم يفقد جيناته التأسيسية القائمة على الاجتهاد والتعددية. وما نلمسه اليوم من تململ اجتماعي وقراءات نقدية هادئة ليس إلّا تباشير رحلة العودة نحو التوازن الفكري والوطني.

إن استعادة المجتمع لأصالته وثقافته التاريخية ليست مجرد عودة إلى الماضي بل هي عملية تصحيح مسار حتمية. فالنفوذ المالي والسياسي قد يغيّر أنماط السلوك اللحظي، لكنه يعجز تمامًا عن محو إرث تاريخي متجذِّر في وجدان الأرض وروح الوطن.

مقالات مشابهة
18・09・2026
النّكبَةُ الشِّيعيَّةُ: بين الماضي والحاضر
علي مازح
وبعد انتصارِ عامِ ٢٠٠٦ المزعومِ، بدأ الإمامُ شمس الدّين يُعبِّرُ بوضوحٍ عن قلقِهِ من استثمارِ هذا النّصرِ من جانبِ إيران و«حزبِ اللهِ»، لا بوصفِهِ نهايةَ صراعٍ دفاعيّ، بل بوصفِهِ بدايةَ مشروعٍ إقليميٍّ مفتوح، يجعلُ من الطّائفةِ الشّيعيَّةِ وَقودًا لا شريكًا، لذلك رفعَ الصَّوتَ عاليًا، إذ قالَ في إحدى وَصاياهُ:«أوصي الشِّيعةَ في لبنانَ بأن لا ينخرطُوا في مشروعٍ خاصّ، لا سياسيٍّ ولا أمنيٍّ ولا عسكري
15・09・2026
بين «تاريخي» والتاريخ: حين يُستدعى الماضي ويُبدَّل لخدمة خيارات الحاضر... سيرة ابن ملّي مثالًا
بهاء الحسيني العاملي
في «تاريخي»، وعلى خطى كتابات سبقت في هذا الخصوص، وأُلِّفت فيها العديد من الكتب، قُدِّمت بعض المحطات من تاريخنا على طريقة الحكواتي الشعبوي، لكن مع مفاهيم مختارة بدقة تترك آثارًا عاطفية عند المتلقّي. ومع استحضار لأسماء كتب ومصادر ومراجع تمّ استنباطها لتحصِّن المعروض وتثبِّته في أذهان مَن لا طاقة لهم على البحث.
14・09・2026
العودة إلى المدارس في الجنوب: عام دراسي على وقع النزوح والخوف
أحمد خواجة
لا يمكن قياس الضرر الذي أصاب قطاع التعليم في لبنان، وبالأخص في الجنوب، بعدد الأبنية المتضررة أو المدمرة فقط. فالعام الدراسي يبدأ هذه المرة مع آلاف التلامذة الذين عاشوا تجربة النزوح والخوف وفقدان المنازل، وما يرافق ذلك من آثار نفسية وتعليمية واجتماعية، ومع معلمين اضطروا هم أيضًا إلى ترك بلداتهم وحياتهم المعتادة، وواجهوا أنواعًا مختلفة من المصاعب
أيضاً للكاتب/ة
07・08・2026
تجار الدّم وآلهة الوهم: في ضروة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود
علي الضيقة
إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان.
09・07・2026
الدويلة تلتهم الدولة أو معادلة الوطن في خدمة «المقاومة»
علي الضيقة
أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.