(1).jpg)
شهد المجتمع الشيعي في لبنان على مدى العقود الأربعة الماضية تحوّلًا بنيويًّا عميقًا إذ أدّى تدفق الأموال والتمدُّد السياسي والعقائدي الأُحادي إلى إعادة تشكيل الهندسة الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة. ولم يقتصر هذا التغيير على تموضع الموقف السياسي فحسب بل امتدّ ليمسّ دقائق الحياة اليومية من نمط العيش والمأكل والمشرب وبنية العلاقات الأُسرية وصولًا إلى طبيعة التواصل مع سائر المكوّنات الوطنية.
تكمن إشكالية هذا التحوّل البنيوي في محاولة اختزال بيئة كاملة في لون واحد حيث جرى استبدال التنوع التاريخي بنمط سلوكي وأيديولوجي صلب. تسبب ذلك في انحسار مظاهر التعددية الفكرية لصالح الخطاب المنضبط تنظيميًّا، ونشوء حالة من العزلة الاجتماعية والعقائدية عن المحيط الوطني، فضلًا عن تحويل مؤسسات المجتمع المدني والأهلي إلى أدوات تعبئة وتأطير تنظيمي.
هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة ونشاط الحركة الثقافية في بيروت والجنوب والبقاع. وكانت البلدات تعيش حالة من التكامل والعيش المشترك التلقائي مع جوارها.
ومع المتغيرات الراهنة الكبرى، والضغوط الاقتصادية الخانقة، يفرض السؤال نفسه: هل كانت هذه التبدلات الهيكلية مجرد قشرة طافيه على السطح أم أنها تغلغلت جذورًا يصعب اقتلاعها؟
يؤكد علم الاجتماع السياسي أن المجتمعات قد تخضع لعمليات أدلَجة مكثفة تحت وطأة الثروة والسلطة والتعبئة، غير أن الهوية الأصلية للمجتمعات العريقة لا تتلاشى بل تدخل في حالة من الكمون المؤقت. إن المجتمع الشيعي اللبناني لم يفقد جيناته التأسيسية القائمة على الاجتهاد والتعددية. وما نلمسه اليوم من تململ اجتماعي وقراءات نقدية هادئة ليس إلّا تباشير رحلة العودة نحو التوازن الفكري والوطني.
إن استعادة المجتمع لأصالته وثقافته التاريخية ليست مجرد عودة إلى الماضي بل هي عملية تصحيح مسار حتمية. فالنفوذ المالي والسياسي قد يغيّر أنماط السلوك اللحظي، لكنه يعجز تمامًا عن محو إرث تاريخي متجذِّر في وجدان الأرض وروح الوطن.





