.jpg)
حين وصل ميشال فوكو إلى إيران في خريف العام ١٩٧٨، لم يكن يبحث عن ثورة بالمعنى الذي اعتاد الفكر السياسي الغربي تحليله. فهو لم يجد أمامه حزبًا ثوريًّا كلاسيكيًّا، ولا طبقة عاملة منظَّمة تقود حركة تغيير، ولا برنامجًا إيديولوجيًّا وضعيًّا يستند إلى أفاهيم التقدُّم والعقلانية والتاريخ.
كان أمامه شيء مختلف تمامًا: جماهيرُ تتحرك باسم رموز دينية، وتستعيد لغة الحسين وعاشوراء، وترى في المواجهة السياسية امتدادًا لمعركة أخلاقية وتاريخية عمرها قرون.
حاول فوكو أن يمنح هذه الظاهرة اسمًا: الروحانية السياسية. لم يكن يقصد مجرد عودة الدين إلى المجال السياسي، بل كان يشير إلى قدرة المعتقدات والرموز والمعاني الكبرى على إنتاج طاقة سياسية هائلة.
لقد التقط أنّ السياسة لا تُفهم بالمصالح المادية وحدها، وأن الإنسان لا يتحرك فقط بما يملكه أو بما ينقصه، بل أيضًا بما يؤمن به.
من هنا لم يكن فوكو يبحث عن نموذج سياسي بديل، بقَدر ما كان يحاول فهم شكل جديد من أشكال الانتفاض السياسي لا تنتمي مفرداته إلى القاموس الثوري الغربي.
لكن الثورة التي أثارت اهتمام فوكو ستكشف لاحقًا وجهًا آخر. فبعد انتصار الثورة الإسلامية، وخصوصًا مع الإعدامات والمحاكم الثورية وقمع الخصوم، ظهرت المسافة بين طاقة الثورة الروحية وممارسة السلطة.
غير أن خيبة فوكو اللاحقة لا تُلغي أهمية ملاحظته الأولى: لا تتحرك المجتمعات بالقوة وحدها، بل بالمعاني التي تمنح أفعالها شرعية وغاية.
كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الشاه محمد رضا بهلوي أنه ظنَّ أن تحديث إيران يمكن أن يتمّ عبر تحديث الأشياء.
لقد حققت إيران في عهده نموًّا اقتصاديًّا كبيرًا بفضل عائدات النفط. فقد ظهرت المصانع، وتوسعت المدن، وانتشرت الجامعات، وتغيّرت أنماط الاستهلاك، وعُززت البنية التحتية.
لكن الحداثة ليست أشياءَ فقط. فالحداثة ليست فقط مصنعًا وطريقًا وجامعة وسيارة.
الحداثة أيضًا: مواطنٌ لا رعيّة. وقانونٌ لا إرادة شخصية للحاكم. ومؤسساتٌ لا امتيازات عائلية. ومشاركةٌ سياسية لا مجرد إدارة تكنوقراطية.
لقد حدث في إيران تحديث للأشياء والمؤسسات التقنية، يمكن تسميته حداثة شيئية، لكنه لم يتحوّل إلى حداثة سياسية تُنتج المواطن والمؤسسات.
هنا ظهر التناقض القاتل: مجتمع يتغيّر اقتصاديًّا واجتماعيًّا بسرعة، بينما لا يسمح له النظام السياسي بترجمة هذا التغيير في السياسة والمجتمع.
لقد أراد الشاه أن يصنع مجتمعًا حديثًا من دون أن يمنحه شروط السياسة الحديثة. وظنَّ أنّ الرفاه سيعوض عن الحرية، وأن التنمية ستنتج الشرعية تلقائيًّا. لكن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده.
يمكن هنا استدعاء أوغست كونت، لا لتطبيق قانون المراحل الثلاث، بل لنقده. فقد افترض كونت أن المجتمعات تنتقل من المرحلة اللاهوتية إلى الميتافيزيقية ثم إلى الوضعية، وكأن التاريخ يسير في خط مستقيم نحو العقلانية العلمية.
لكن التجربة الإيرانية تكشف أن التاريخ أكثر تعقيدًا. فالمجتمع يمكن أن يكون حديثًا في الاقتصاد والتقنية، لكنه يحتفظ ببُنى رمزية ودينية عميقة. بل إن التحديث السريع نفسه قد يولِّد ردّ فعل معاكس إذا شعر الناس بأنهم فقدوا عالَمهم الرمزي من دون أن يحصلوا على معنى بديل. فالحداثة لا تلغي الرموز بالضرورة، بل قد تُعيد إنتاجها في أشكال جديدة، لأن الإنسان لا ينتقل من عالم المعنى إلى عالم خالٍ من المعنى، بل يستبدل أحيانًا أنظومة رمزية بأخرى.
لقد أخطأ الشاه حين اعتقد أن الدين أصبح من الماضي، وأنّ التحديث سيجعله يتراجع تلقائيًّا.
كان هذا وهمًا شاركته فيه بعض نظريات التحديث التي ربطت الحداثة بالعَلمَنة ربطًا حتميًّا. لكن الإنسان ليس كائنًا اقتصاديًّا فقط.
وهنا تظهر أهمية إرنست كاسيرر: الإنسان كائن رمزي. فهو يحتاج إلى أكثر من الأمن والرفاه؛ يحتاج إلى الرموز التي تمنح وجوده معنى، وإلى سردية يضع نفسه داخلها، وإلى ذاكرة يشعر بالانتماء إليها.
لقد تجاهل الشاه هذا البُعد العميق للإنسان، فوجد أن الدين لم يمت، بل كان يحتفظ بقدرة هائلة على التعبئة.
ما نسميه اليوم السرديات كان ماركس قد التقط أحد وجوهه حين تحدَّث عن الأفكار التي تتحوّل إلى قوة مادية عندما تستولي على الجماهير.
وإذا كان كاسيرر قد كشف البُعد الرمزي للإنسان، فإن ماركس كشف كيف يمكن للفكرة أن تنتقل من مستوى الوعي إلى مستوى القوة التاريخية. لذلك لا يمكن فهم الثورة الإيرانية من دون العودة إلى ماركس.
فقد أدرك ماركس أن الأفكار ليست مجرد انعكاس آلي للواقع الاجتماعي، بل يمكن أن تتحوّل إلى قوة تاريخية عندما تستولي على وعي الجماهير.
لهذا، فإن المادية التاريخية لا تعني أن المادة تُلغي الفكر، بل إن الفكر لا يصبح قوة تاريخية إلّا عندما يجد شروط تجسُّده الاجتماعي.
لكن يجب التدقيق هنا: ليست كل فكرة تتحوّل إلى قوة مادية. فالفكرة لا تصبح قوة تاريخية إلّا عندما:
- تجد جماعة تحملها.
- ترتبط بتجربة معيشة.
- تمتلك لغة مفهومة عند الجماهير.
- تتحوّل إلى تنظيم وممارسة.
لهذا يمكن القول: لا تتحوّل الأفكار إلى قوة مادية لأنها أفكار فقط، بل عندما تستولي على وعي الجماهير وتتحوّل إلى فعل اجتماعي. هنا يظهر الفرق بين الشيوعيين والخميني.
لم يكن الشيوعيون أقلّ شجاعة في مواجهة الشاه. ولم يكونوا غائبين عن المعارضة. لكنهم تحدثوا لغة مختلفة عن لغة المجتمع.
كانوا يملكون تحليلًا طبقيًّا للاستغلال، ويقدِّمون تفسيرًا اقتصاديًّا للصراع. أما الخميني فكان يخاطب الذاكرة التاريخية والرمزية للمجتمع.
كان الشيوعيون يجعلون الطبقة محور خطابهم الأساسي، بينما جعل الخميني الحسين وعاشوراء محور خطاب تعبئته.
كانوا يتحدثون عن الثورة بوصفها تغييرًا في علاقات الإنتاج. أما هو فقدَّمها بوصفها استمرارًا لمعركة كربلاء.
لهذا لم يكن الخميني بحاجة إلى اختراع الرموز. لقد وجدها جاهزة في عمق الوجدان الجماعي بينما احتاج الخطاب الماركسي إلى ترجمة نفسه داخل هذا الوجدان كي يتحوّل إلى قوة جماهيرية.
لعل أشهر تعبير شعبي عن هذه الفكرة نجده في الوجدان الشيعي نفسه، في المقولة المتوارثة: «الدم ينتصر على السيف». وليس المقصود أن الدم يتغلَّب على السيف في ميدان القتال، فالتاريخ مليء بالهزائم العسكرية التي لم تمنع أصحابها من الانتصار في الذاكرة. وإنما المقصود أن الدم، إذا تحوّل إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سردية جماعية، أمكنه أن يهزم السيف الذي انتصر عليه في المعركة. فالسيف ينتصر بالقوة، أما الدم فينتصر لأنه يغدو قضيةً تعيش في وجدان الجماعة.
من هذه الزاوية، تبدو المقولة الشيعية وكأنها التعبير الرمزي عن الحدْس نفسه الذي صاغه ماركس بلغة فلسفية حين رأى أن الأفكار تتحوّل إلى قوة مادية عندما تستولي على الجماهير. فالدم هنا ليس مجرد واقعة تاريخية ولا مجرد تضحية فردية، بل حدثٌ تحوّل إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة، والذاكرة إلى قوة قادرة على تحريك التاريخ.
لم يخترع الخميني الحسين، ولم يخترع عاشوراء، لكنه أدرك القوة الكامنة في هذه الذاكرة الجمعية، فأعاد تأويلها سياسيًّا، وحوّل الماضي الديني إلى حاضر ثوري.
أصبحت عاشوراء نموذجًا لفهم الصراع السياسي، وأصبح الثائر المعاصر يقدّم نفسه بوصفه امتدادًا لأنصار الحسين. وهنا تتجلّى قوة الرمز؛ فهو لا يكتفي بوصف الواقع، بل يُعيد بناءه، ويمنح الجماعة صورةً جديدة عن نفسها ورسالتها.
هكذا تحوّلت الذاكرة الدينية إلى طاقة سياسية، وتحوّلت المظلومية التاريخية إلى استعداد للتضحية، وتحوّلت السردية إلى قوة مادية استطاعت أن تُنازع الدولة احتكارها القوة. وهنا تبدأ نهاية كل سلطة تعتقد أنّ احتكارها العنفَ يكفي لضمان بقائها.
لكن الخميني لم يكتفِ بتحويل الرموز إلى طاقة جماهيرية. كان عليه أن يُجيب عن سؤال السلطة: مَن يحكم بعد سقوط الشاه؟
هنا جاءت نظرية ولاية الفقيه. لقد قدَّمت إطارًا نظريًّا لتحويل الثورة الدينية إلى نظام سياسي، عبر نقل الفقيه من موقع المرجعية الدينية إلى موقع القيادة السياسية.
لم تكن ولاية الفقيه مجرد إجابة عن سؤال السلطة بعد الثورة، بل كانت أيضًا محاولة لرسم إطار نظري ديني للثورة وتحويل لحظة الانتفاض الثوري إلى نظام دائم.
هكذا اكتملت عناصر القوة:
- سردية دينية.
- رموز تاريخية.
- قيادة كاريزمية.
- نظرية سياسية.
- شبكة اجتماعية واسعة.
عند هذه النقطة تحوّلت الفكرة إلى قوة مادية.
لكن هذه القوة لم تكن نِتاج السردية وحدها. فقد امتلكت المؤسسة الدينية شبكة تنظيمية واسعة سبقت الثورة بسنوات طويلة: المساجد، والحسينيات، والحوزات ورجال الدين المنتشرون في المدن والأرياف، فضلًا عن أشرطة الكاسيت التي حملت خُطب الخميني إلى ملايين الإيرانيين، متجاوزة رقابة الدولة. ولم تكن هذه الوسائط مجرد أدوات إعلامية، بل كانت جزءًا من البنية الرمزية نفسها؛ فهي لم تنقل خطابًا سياسيًّا فحسب، بل أعادت إنتاج الجماعة المؤمنة وربطَتها بقيادتها. وهكذا التقت السردية بالتنظيم، فتحوّلت الفكرة إلى قوة اجتماعية قادرة على منازعة الدولة في احتكارها للفضاء العام.
لكن المفارقة التاريخية أن النظام الذي أسقط الشاه وقع لاحقًا في خطأ مشابه، ولكن في الاتجاه المعاكس.
لقد اختزل الشاه الإنسانَ في حاجاته المادية. بينما اختزله النظام الثوري في هويته الرمزية.
الأول ظنَّ أن التنمية تكفي لصناعة الشرعية. بينما ظنّ الثاني أنّ العقيدة تكفي لصناعة الشرعية.
لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك.
إنه يحتاج إلى: الحرية والعدالة والرفاه والهوية والاعتراف. ولا يمكن اختزاله في بُعد واحد.
إن الدرس الفلسفي الأوسع للثورة الإيرانية هو أن السلطة لا تقوم فقط على امتلاك القوة المادية، بل على القدرة على إنتاج المعنى.
فالقوة المادية لا تُهزم إلّا بقوة مادية، لكن القوة المادية نفسها لا تُولَد من الفراغ. إنها تحتاج إلى أفكار تستولي على الجماهير، وإلى رموز تتحوّل إلى ذاكرة حية، وإلى سرديات تمنح الناس سببًا للفعل والتضحية.
بحسب ماركس لا يصنع الفقرُ وحده ثورة، بل يصنعها وعي الفقير بفقره بوصفه ظلمًا، عندما يجد تفسيرًا لمعاناته، وعندما تتحوّل المعاناة إلى سردية جماعية.
وعليه، لا تتحوّل الأفكار إلى قوة مادية لأنها أفكار فقط، بل عندما تستولي على وعي الجماهير، فتتحوّل إلى إرادة جماعية، والإرادة إلى فعل، والفعل إلى قوة تاريخية.
لقد سقط الشاه لأنه رأى الاقتصاد ولم يرَ الرموز، ورأى الأشياء ولم يرَ الإنسان.
أما الخميني فقد أدرك قوة المعنى، فحوّل سردية دينية عميقة إلى قوة تاريخية هائلة.
لكن التاريخ لا يتوقف عند لحظة الانتصار؛ فكل سلطة تنتصر بسردية معينة تواجه السؤال الأصعب:
هل تستطيع أن تحوّل هذه السردية إلى حياة قابلة للعيش؟
فالأنظمة لا تسقط فقط عندما تفقد القوة، بل عندما تفقد القدرة على إنتاج المعنى الذي منحها شرعيتها الأولى.
لهذا يمكن القول إن الثورة الإيرانية لم تنتصر لأن المجتمع كان فقيرًا، ولا لأن الشاه كان مستبدًّا فحسب، ولا لأن الإسلام عاد إلى السياسة. لقد انتصرت لأن الخميني نجح في تحويل سردية دينية متجذّرة في الذاكرة الجماعية إلى قوة مادية استولت على وعي الجماهير، في حين أخطأ الشاه في فهم طبيعة الإنسان، وأخطأ خصومه اليساريون في فهم طبيعة المجتمع. لم يُدرك الشاه أن الإنسان لا يعيش بالرفاه وحده، ولم يُدرك الشيوعيون أن الثورة لا تُصنع بالبرنامج الاقتصادي وحده، بل بالسردية القادرة على تحويل الوعي إلى إرادة، والرمز إلى فعل، والجماهير إلى قوة تاريخية.
المفارقة أن الخميني نجح لأنه فهم ما لم يفهمه الشاه: الإنسان كائن رمزي. لكن نجاح الثورة في إنتاج الشرعية الرمزية لا يضمن نجاحها في إنتاج مجتمع عادل أو حرّ. فالسردية التي تحرّك الجماهير ليست بالضرورة السردية التي تُدير الدولة بنجاح.
وقد أثبتت الحرب العراقية الإيرانية هذه القدرة التعبوية مرة أخرى. فعلى مدى ثماني سنوات، استطاع النظام الجديد أن يحشد مئات الآلاف للقتال والتضحية، مستندًا إلى الرصيد الرمزي نفسه الذي صنع الثورة. غير أن القدرة على تعبئة المجتمع شيء، والقدرة على بناء دولة حديثة شيء آخر. فالثورة تحتاج إلى المعنى لكي تنتصر، أما الدولة فتحتاج، بالإضافة إلى المعنى، إلى مؤسسات وقانون وإدارة واقتصاد وعقلانية في ممارسة السلطة. إن الرمز يستطيع أن يفتح أبواب التاريخ، لكنه لا يكفي وحده لإدارة التاريخ.
لكن السؤال الذي يظلّ مفتوحًا بعد كل ثورة هو: هل تستطيع السردية التي صنعت القوة التاريخية أن تتحوّل إلى نظام قادر على إنتاج حياة قابلة للعيش؟
رأس الكلام أنّ الرمز يستطيع أن يفتح أبواب التاريخ، لكنه لا يكفي وحده لإدارة التاريخ. فالشرعية الرمزية قد تمنح السلطة ولادتها، لكنها لا تضمن بقاءها. فبقاء الدول يحتاج إلى نوع آخر من العقلانية، هو عقلانية التنظيم والإدارة والمؤسسات.



