03・09・2026
من العدد ٣٨
الضاحية الجنوبية بين زنّانة السماء وحسابات الأرض: خريطة حيّة لمدينة تحبس أنفاسها

لا تحتاج النظر إلى الساعة كي تعرف أن النهار قد أطلّ على الضاحية الجنوبية لبيروت، يكفيك أن تستمع إلى ذلك الأزيز المعدني المتردّد في المدى، فوق أسطح الأبنية المتشابكة، وفي زرقة السماء الشاحبة، لا يغيب صوت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية طيلة النهار، ولربما امتد حضورها الضاغط ليُقلق سكون الليل ويتسلل إلى تفاصيل الأحلام. لقد تحول هذا الصوت الثقيل، ذو الرنين المُجهد، من مجرد أداة عسكرية للرصد والمراقبة والتخويف والحروب النفسية إلى جزء لا يتجزأ من الحالة الصوتية اليومية للمدينة؛ إنه مكوّن ثابت من المشهد العام تطبع معه عيشة الأهالي قسرًا، في حالة فريدة ونادرة من التكيّف البشري مع الخطر الداهق. هنا تجد البائع يزن خضاره بدقة، وربة المنزل تساوم على الأسعار وتمازح جارتها، والطفل يركض بضحكته العالية في الزقاق الضيق، وكل ذلك يحدث تحت زنّانة مسلحة لا تتوقف عن الدوران الدائم في المدى المفتوح.

تقف الضاحية اليوم في منطقة برزخية معقدة وشديدة الحساسية؛ فهي معلقة بين تراجع ملحوظ وملموس في حدة الأعمال العسكرية والميدانية الصريحة، وبين غموض سياسي كئيب ومفتوح يلف مستقبل المنطقة برمتها ويرسم معالم الترتيبات الإقليمية القادمة. ورغم هذا الهدوء الحذر الذي يشبه استراحة المقاتل، فإن المتجول بين أزقتها وشوارعها العريضة يكتشف سريعًا أن العودة إلى الحياة ليست حقيقة واحدة أو مشهدًا منسجمًا، بل هي صور متعددة ومتناقضة تتفاوت بشكل صارخ من حارة إلى أخرى، ومن أطراف الجغرافيا إلى عمقها السكني، بل ومن طبقة اجتماعية واقتصادية إلى أخرى.

 

أولًا: الشرايين الحية...

عندما تصرع لقمة العيش هواجس الخوف

في الأطراف والشوارع المحاذية لمناطق التماس التاريخية، يبدو المشهد وكأنه يسابق الزمن للاستعادة الكاملة والإجبارية لإيقاع الحياة اليومية.

في الشياح، ترى أن الحياة عادت إلى طبيعتها ومجراها القديم بالكامل. سوق الخضار الشعبي في الجوار يغصّ بالروّاد والمتاجرين، البسطات والعربات الممتلئة بألوان الخضار والفاكهة الطازجة استعادت مواقعها التقليدية على جانبي الطرق، والباعة يطرحون بضائعهم بنشاط لافت ونبرة صوت تجلجل في الفضاء. لكن الملمح الأبرز والأكثر دلالة وسوسيولوجية في الشياح وسوقها هو ذلك الحراك الاجتماعي اللطيف والعابر للتقسيمات: عودة ستات البيوت المسيحيات من منطقة عين الرمانة المجاورة للتزوّد بالحاجيات والتموين اليومي.

هنا، يتجلّى فارق السعر الكبير والواضح بين الشياح وعين الرمانة كقوة دافعة ومحرك اقتصادي يتجاوز كل خطوط التماس السياسية والتاريخية السابقة. إن نزول أبناء عين الرمانة للتسوق في قلب الشياح ليس مجرد حركة تجارية عابرة أو تبادل منفعة شخصية، بل هو مؤشر حيّ على روابط معيشية أعمق، واقتصاد شعبي متجذّر يفرض أحكامه وتوازناته فوق كل انقسام حزبي أو طائفي. إن حركة النساء والعائلات في هذا السوق تحديدًا هي البصمة الأصدق والأنصع لعودة الأمان النفسي والمجتمعي؛ فالبائع قد يفتح محله للحفاظ على رزقه واستمرارية معيشته، لكن المرأة لا تنزل إلى الشارع المفتوح إلّا عندما تشعر بعمق أن الحياة ممكنة وآمنة لخطواتها.

وإذا انتقلت باتجاه برج البراجنة - تحديدًا هذا الخط الممتد من قرب جسر العاملية مرورًا بعين السكة والرمل العالي وصولًا إلى مشارف مخيم البرج وطريق المطار - فإنك تطأ واحدًا من أضخم الشرايين الاقتصادية والتجارية وأكثرها حركة في الضاحية الجنوبية.

هذا الخط الحيوي يشتهر بمحلات بيع الدجاج الكبرى والتاريخية - مثل محلات حرب، الخليل، العنان وفروج بلال الشرعي - إلى جانب الملاحم، الأفران، وبسطات الخضار، ومحلات الملابس المتنوّعة الممتدة على جانبي الشارع. يعتمد هذا السوق على حركة تصريف يومية وسريعة جدًّا؛ فبضائعه استهلاكية طازجة لا تحتمل الإغلاق أو الانتظار أو التلف. كما أن متاخمة هذا الخط لمخيم برج البراجنة بكثافته السكانية العالية، جعلت حركة الناس فيه لا تتوقف ولا تهدأ، ليصنع هذا امتدادًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا تصعب إعاقته أو شلّه أو تعطيله مهما بلغت التهديدات.

أما في حيّ السلم، المنطقة الأكثر شعبية وكثافة سكانية ونشاطًا، فإن كلمة الحياة الطبيعية تكتسب معناها الأقصى والأكثر غليانًا. تضجّ الشوارع بالازدحام، البسطات المتراصة، حركة السيارات والموتوسيكلات الدائمة، والتواصل الاجتماعي المباشر بين أبناء الحيّ. حيّ السلم، بخزانه البشري الضخم واقتصاده الموازي القائم على السلع الشعبية والأسعار الرخيصة، يمثل نموذجًا صارخًا وقاسيًا للتكيّف الحياتي؛ فمعظم قاطنيه هم من أصحاب الدخل المحدود والعمال المياومين الذين لا يملكون رفاهية النزوح الطويل أو دفع إيجارات باهظة ومكلفة في مناطق أخرى خارج الضاحية، مما جعل عودتهم سريعة ومكتملة ومباشرة بمجرد انضباط الميدان وتوقف القصف المباشر.

بين حركة الأرض الدائبة والترقب السياسي الكئيب، يبقى الصوت القادم من أعلى - صوت الطائرات المسيرة التي لا تهدأ ولا تغيب - يذكر الجميع في كل لحظة وكل حين بأن هذه المدينة، برغم ازدحام أسواقها وضحكات أطفالها على البسطات وحولها، ما زالت تعيش فصلًا استثنائيًّا وقاسيًّا من تاريخها…

ثانيًا: العمق المترقب...

أوتوستراد هادي نصر الله وذاكرة الركام

على مسافة غير بعيدة، ولدى الانعطاف باتجاه أوتوستراد هادي نصرالله والغوص في عمق أحياء الضاحية الوسطى والمركزية - كحارة حريك، الرويس، الجاموس، السانت تيريز، وحيّ الأميركان وحيّ الأبيض - يتغيّر المشهد بصورة دراماتيكية وتتراجع نبرة الحياة المرتفعة لصالح صمت مريب.

هنا، يخفّ الازدحام بشكل ملحوظ وقاسٍ، وتكشف الشوارع عن وجه آخر يحكمه التردد والانتظار والحيطة، رغم أن غالبية أصحاب المحلات التجارية على جانبي الأوتوستراد وفي الأحياء الداخلية قد أسرعوا إلى فتح أبواب محالهم للوهلة الأولى، إلّا أن هذا يبدو في كثير من الأحيان كأنه رفع عتب أو حراسة لممتلكاتهم وبضائعهم المعرّضة للتلف، وإثبات وجود معنوي بأن المنطقة ما زالت حية ولم تمت. الحركة التجارية هنا شاحبة ومترددة، وغياب القاطنين المستقرين يجعل حركة البيع والشراء مقتصرة على العابرين بالصدفة أو الراغبين في التفقد الميداني السريع.

تعتبر هذه الأحياء التجسيد الحيّ والمباشر لآثار القصف الجوي المكثف والعنيف الذي طالها خلال فترات المواجهة؛ إذ تعرضت لأشدّ أنواع الدمار العمراني والبنيوي وسُوِّيت مبانٍ بأكملها بالأرض. والعودة إليها اليوم تبدو ضعيفة ومتعثّرة ومقتصرة بالدرجة الأولى على من ضاقت بهم ظروف النزوح الاقتصادية ولم يعودوا قادرين على تحمل كلفة الإيجارات العالية والضاغطة خارج المنطقة. إن العائلات القليلة التي تعود إلى هذه الأحياء غالبًا ما تعيش بين أبنية متضررة ومعلّقة، وفي ظروف خدمية شاقة تتطلب حلولًا فردية مكلفة ومضنية لتأمين الماء والكهرباء، وسط بيئة لا تخلو من الحزن المخيّم والترقُّب اليومي لما ستؤول إليه الظروف السياسية.

 

ثالثًا: سوسيولوجيا الجغرافيا...

لماذا تختلف العودة بين حيٍّ وآخر؟

إن هذا التفاوت الصارخ بين حيوية الشياح وحيّ السلم من جهة، وحذر حارة حريك والرويس من جهة أخرى، يفتح الباب أمام قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة لطبيعة التشكُّل الاجتماعي والمناطقي في الضاحية الجنوبية:

١ - القدرة الاقتصادية وطبيعة الشريحة الاجتماعية: تعتبر أحياء مثل حارة حريك، الرويس، حيّ الأبيض والسانت تيريز مناطق تقطنها الطبقة الوسطى والموظفون وميسورو الحال نسبيًّا مقارنة بالأحياء الشعبية الطَرفية. يمتلك أبناء هذه المناطق قدرة مالية وادّخارية تتيح لهم خيار الانتظار الحذر والتأنّي؛ فهم قادرون على تحمل تكاليف الاستئجار لفترة أطول في مناطق النزوح أو الإقامة المريحة في بيوتهم بالقرى والبلدات الجنوبية والبقاعية، مفضلين التأنّي الصارم قبل زجّ عائلاتهم وأطفالهم في مناطق تتطلب خوض معركة diaria يومية ومضنية لاستعادة أدنى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وإنترنت.

٢ - الحضور السياسي والأمني المباشر: تشكل هذه الأحياء العمق التنظيمي والسياسي والخدماتي والرمز المركزي لـ« حزب الله» ومؤسساته. إن ثقل الحضور الأمني والقيادي والمؤسساتي فيها جعلها تقع في صلب بنك الأهداف الإسرائيلي خلال جولات القصف الجوي، ما أدّى إلى دمار هائل في البنية العمرانية والمقرّات الفاعلة. 

يدرك أهالي هذه الأحياء وعائلاتها أن مناطقهم كانت وما زالت تحت المجهر الاستخباري المباشر، وأن أي تعثّر أو انتكاسة في المفاوضات السياسية والتفاهمات الإقليمية قد يجعلها عرضة لاستهدافات جديدة ومباغتة. هذا الخوف المبرر والعميق من تكرار الضربات الموجهة يجعل الاستقرار الدائم والاستثمار في إعادة الإعمار مؤجّلًا في انتظار اتفاقات أمنية وضمانات سياسية راسخة.

 

خاتمة: خيط الأمل بين الأرض والسماء

تقف الضاحية الجنوبية اليوم أمام مرآة واقعها المزدوج والمشتت؛ جسد قسّمه الحذَر والتفاوت الجغرافي، لكنه يشترك كله في إرادة الحياة وعشق البقاء.

على الأرض، تصنع الأسواق الشعبية والشرايين الحية في الشياح وبرج البراجنة وعين السكة وحيّ السلم استقرارها الخاص وأمانها الاجتماعي، مبتدعة من لقمة العيش الجارية وتواصل الناس المباشر حائط حماية صلبًا ضد الإحباط والاندثار واليأس. وفي العمق السكني المكلوم، يقف أصحاب المحال والمنازل المتضررة في حارة حريك والرويس والجاموس أمام عتبات دكاكينهم الشاحبة، ينظرون بألم إلى الركام والأبنية المائلة والمحطّمة، يراقبون عن كثب حركة السياسة والكواليس والاتصالات الدولية والإقليمية، بانتظار خيط أمل أو تسوية نهائية تعيد العائلات النازحة وتلمّ شمل الأحياء المهجورة.

وبين حركة الأرض الدائبة والترقب السياسي الكئيب، يبقى الصوت القادم من أعلى - صوت الطائرات المسيرة التي لا تهدأ ولا تغيب - يذكر الجميع في كل لحظة وكل حين بأن هذه المدينة، برغم ازدحام أسواقها وضحكات أطفالها على البسطات وحولها، ما زالت تعيش فصلًا استثنائيًّا وقاسيًّا من تاريخها، تحارب فيه الخوف بالاعتياد، وتداوي قلقها بالعمل، وتنتظر انقشاع الغموض لتستعيد كامل روحها وعافيتها.

مقالات مشابهة
31・07・2026
بنت جبيل ترنو إلى حاضرها بذاكرة أبنائها...
زينب شور
نبشت هذه الحربُ ذاكرةَ أبناء بنت جبيل وما خزنوه فيها من معاناة التهجير والنفي القسريَّيْن فكانت السنوات تمضي بهم قهرًا مستمرًّا، تزداد المعاناة وتتراكم في دواخلهم بين حرب وحرب، ليبقى سؤالُهم معلّقًا: هل سننجو ونعود إليها؟ اذ تعود الأحداث بالذاكرة كلما أيقظها ما يشابهها. أعادت هذه الحرب المواجعُ والحسراتِ على ما أصاب ويصيب المدينة الآن من تهجير وتفجير، فتراكمت صوَرُ الأسى والقتل مشهدًا فوق مشهد..
30・06・2026
الشياح: سيرة الأرض والدم والمرايا المكسورة
أكرم محمود
لم تكن الشياح مجرد بقعة جغرافية على أطراف العاصمة، بل كانت رئة بيروت الخضراء الحانية. وقبل أن يجتاحها الإسمنت وتلتهمها ألسنة النار، كانت الأرض هنا طيبة ومعطاءة، ممتدة كبساط من الحواكير والبساتين الصغيرة التي لا تشبه مزارع الليمون واللوز الشاسعة في أقاصي البلاد، بل كانت بساتين حميمة تنبت فيها «مكوّنات صحن الفتوش»؛ من عروق النعناع المتشابكة، وأوراق البقدونس المخملية، إلى رؤوس الفجل الضاحكة...
26・06・2026
في حبّ صُور وبحرها وحاراتها
زينب شور
لم تكن صُور لتغيب عن بالي وأن طال غيابي عن بحرها وبرّها. لقد أكَلَت زواريبُها وأزقتُها من أقدامنا، زملاء وأصدقاء، مشيًا على بلاط أرضها المسنّنةِ حوافيها، ولم نكن لنتعب. ولم نكن لنعرف ونحن «نكزدر» على شاطئها الصخري لجهة الغرب أن الحارة «المسيحية» هي فقط للمسيحيين!!!  كنا نستمتع بالتجوال في أزقتها الضيقة المسيّجة حوائطُها بالقرنفل والياسمين، وبألوان دهان أبوابها المفتوحة على زرّيعة الحبَق...
أيضاً للكاتب/ة
10・08・2026
بلاغة الشعارات وفاتورة الرماد: حين تغدو الشعوب قرابين على مذبح الكلمة
أكرم محمود
ثمة لحظاتٌ فارقةٌ في تاريخ الأمم تُزانُ فيها القراراتُ بميزان الذهب، وتُقدَّر فيها الخيارات بمقدار ما تحقنه من دماءٍ وما تصونه من أرواح. غير أن التاريخ العربي المعاصر ما زال يرزح تحت وطأة مأساةٍ مكرّرة؛ مأساة تحويل السياسة والمواجهات الاستراتيجية من مضمارٍ للعقلانية والتخطيط البارد إلى حلبة للمبارزة الشعرية وخطاب البلاغة الفصيح.
21・07・2026
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟
أكرم محمود
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.
30・06・2026
الشياح: سيرة الأرض والدم والمرايا المكسورة
أكرم محمود
لم تكن الشياح مجرد بقعة جغرافية على أطراف العاصمة، بل كانت رئة بيروت الخضراء الحانية. وقبل أن يجتاحها الإسمنت وتلتهمها ألسنة النار، كانت الأرض هنا طيبة ومعطاءة، ممتدة كبساط من الحواكير والبساتين الصغيرة التي لا تشبه مزارع الليمون واللوز الشاسعة في أقاصي البلاد، بل كانت بساتين حميمة تنبت فيها «مكوّنات صحن الفتوش»؛ من عروق النعناع المتشابكة، وأوراق البقدونس المخملية، إلى رؤوس الفجل الضاحكة...