.jpg)
مع توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦، برعاية أميركية بعد انتهاء الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة، التي انطلقت جولتها الأولى في ١٤ نيسان ٢٠٢٦، طرحت على سبيل «العادة الدائمة» شعارات العودة إلى الأرض والتشبُّث بها، حتى لو تمّ العيش داخل الخيَم. وسبق ذلك في ٢٠ أيار ٢٠٢٦ ظهور معالم مخيّم من الخيَم الزرقاء في واجهة بيروت البحرية، لإيواء النازحين من جبل عامل وغيرها من المناطق التي نزح منها أهاليها تحت وطأة الحرب التدميرية والتهجيرية التي بدأتها إسرائيل في جنوبي لبنان، بعد قيام مجموعات عسكرية من جماعة «حزب الله» بإطلاق ٦ صواريخ باتجاه شمالي إسرائيل، إسنادًا وردًّا على اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية والولي الفقيه الجامع للشرائط، «القيادة الحكيمة العادلة» التي يلتزم بها أبناء «حزب الله» في لبنان تحت إطار ومرجعية دولة الإسلام المركزية في العالم التي تأسست في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران عام ١٩٧٩.
وإذا كانت هذه الجماعة لها تبريرها العقائدي والإيديولوجي ضمن إطار المفاهيم والأدبيات التي يؤمن بها أبناء هذه الجماعة، وفق رسالة «حزب الله » إلى المستضعفين التي أعلنها رئيس المجلس السياسي الحالي السيد إبراهيم أمين السيد في ١٦ شباط ١٩٨٥، في حسينية الشياح في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال «الشهيد السعيد» الشيخ راغب حرب، فإن من دفَع ثمن هذا العمل ليس أبناء هذه الجماعة أو الأمة فقط، إنما أبناء الطائفة اللبنانية الشيعية جميعًا وأبناء جبل عامل من مختلف الأديان والمشارب، فغدا أهالي الجبل نازحين في مختلف الأراضي اللبنانية وبدأت تُحضَّر لهم المخيمات، في عودة إلى المخيمات التي أنشئت في عام ١٩٧٨ لأهالي هذه المناطق بعد قيام إسرائيل بإطلاق عملية الليطاني ردًّا على عملية انطلقت من لبنان.
وإذا كان الإيراني اليوم يدفِّع جبل عامل، بالدم والتدمير، ثمن مشروع تصدير ثورته إلى لبنان، فإن الفلسطيني قد سبقه بسنين ودفّع أهالي تلك المنطقة ثمن «اتفاق القاهرة» ونصرة القضية الفلسطينية واستضافتها.
ففي ١١ آذار ١٩٧٨ قامت مجموعة تابعة لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» و«حركة فتح»، قوامها ١٣ مسلّحًا بقيادة دلال المغربي، البالغة من العمر ١٨ عامًا، بتنفيذ عمليّة فدائيّة داخل إسرائيل، انطلقت مِن لبنان بحرًا بواسطة زورقين. خطط لهذه العملية خليل الوزير (أبو جهاد)، وقضت بالسيطرة على حافلة عسكرية إسرائيلية والتوجه بها إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست، وسمّيت العملية يومها باسم «كمال عدوان». نجح المهاجمون في خطف حافلة على الطريق الساحلي قُرب حيفا؛ وفي الطريق إلى تل أبيب استولوا على حافلة ثانية، لكنهم لم يصلوا إلى هدفهم وتمّ القضاء على المجموعة قرب مستوطنة هرتسليا، حيث قُتل ٣٧ إسرائيليًّا بالإضافة إلى المهاجمين الذين تمّ أسر أحدهم. لم تلبث إسرائيل أن بدأت في ١٥ آذار ١٩٧٨، باجتياح عسكري، قوامه حوالى ٢٥ ألف جندي، لجنوبي لبنان في عملية أطلق عليها اسم «عملية الليطاني»، وكان الهدف منها، بحسب إسرائيل، حماية مناطقها الشمالية من هجمات «منظمة التحرير الفلسطينية» حتى نهر الليطاني، وردًّا على العملية العسكرية التي نفّذتها «حركة فتح»، وأعلن قائد الأركان الإسرائيلي في حينه موردخاي غور إن إسرائيل تنوي إقامة حزام أمني على طول الحدود اللبنانية. وحدّد المسؤولون الإسرائيليون العمق المنوي بلوغه بـ١٠ كلم.
ألم يحِن الوقت لتحمُّل الجميع مسؤولياتهم ووقف الشعارات التي لا تُغني ولا تُسمن؟ ألا يجب أن تعتبر الدولة اللبنانية هذه المنطقة جزءًا من أراضيها تسعى لفرض سيادتها عليها؟ ألا يجب على الحكومة ورئيس الحكومة إيقاف سياسة تلزيم تلك المناطق لجماعة «حزب الله» واستردادها منهم؟ ألا يجب إنقاذ أهالي تلك المناطق «المواطنين اللبنانيين»؟
اخترقت الحشود العسكرية الإسرائيلية الحدود اللبنانية من ستة محاور، وبعمق عشرة كيلومترات وامتداد ٨٠ كيلومترًا على طول الحدود، واستولت على ٦٤٠ كلم مربع من الأراضي اللبنانية. وأدّت هذه العملية إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، إضافة إلى نزوح حوالى أربعمائة ألف شخص نحو بيروت وضواحيها. وتبيّن من تقرير وضعه مكتب الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الشرق الأوسط يومها، أن ١٠٠ قرية من أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا فيها ٢٥٠٠ منزل مهدّم كلّيًّا و٥٢٠٠ منزل مهدَّم جزئيًّا.
وها هي الكَرَّة تعاد بشكل أقسى بعد ما يقارب الخمسين عامًا ويعود أبناء جبل عامل لدفع ثمن المغامرات العسكرية، نصرة لذاك وذاك. فقد دفع أبناء جبل عامل ثمن حرب الإسناد لغزة ولـ«حركة حماس» عام ٢٠٢٤ حوالى ٤٥٠٠ ضحية و١٦٠٠٠ جريح، وتدمير شبه كلّي لقرى ما يُعرف بالحافة الأمامية الممتدة من الناقورة إلى شبعا وحوالى ٢٤٠ ألف وحدة سكنية في المناطق اللبنانية وخسائر قدَّرها البنك الدولي بـ١٤ مليار دولار.
وها هم بعد أقل من سنتين يستمرون بدفع الأثمان نصرة لإيران وخامنئي، حيث تخطى عدد الضحايا الـ٣٣٠٠ والجرحى الـ١٠٠٠٠، وأضحينا نتحدث عن تدمير كلي لحوالى ٦٠٠ كلم متر مربع يسيطر عليهم الجيش الإسرائيلي جنوبًا.
هنا يتبادر إلينا السؤال الأول والأهم: إلى متى سيبقى أبناء جبل عامل نزلاء الخيَم والتشريد؟ وإلى متى سيبقى أهالي تلك المنطقة الوكيل الحصري لدفع أثمان مشاريع وقضايا خارجية على أرض لبنان؟ وإلى متى سيبقى جبل عامل يقدّم أبناءه قرابين على مذابح هذه المشاريع؟ وإلى متى ستبقى «الخيَم» قدَر أهالي جبل عامل؟
ألم يحِن الوقت لتحمُّل الجميع مسؤولياتهم ووقف الشعارات التي لا تُغني ولا تُسمن؟ ألا يجب أن تعتبر الدولة اللبنانية هذه المنطقة جزءًا من أراضيها تسعى لفرض سيادتها عليها؟ ألا يجب على الحكومة ورئيس الحكومة إيقاف سياسة تلزيم تلك المناطق لجماعة «حزب الله» واستردادها منهم؟ ألا يجب إنقاذ أهالي تلك المناطق «المواطنين اللبنانيين»؟
النقطة الأساسية الواجب الوقوف عندها هي: الخيَم والمخيّمات لن تبقى قدَر أهالي جبل عامل وعلى الدولة والحكومة اللبنانية القيام بكل ما يلزم لإنقاذ تلك المنطقة وأهلها، وإلّا فليَصمت الجميع، فليس بالبكاء والعويل تحيا الأوطان.





وجود الكيان اللبناني دولة ووطنًا مصلحة أساسية لـ«الطائفة القلقة» التي أضحت جزءًا أساسيًّا في هذا الوطن، فمن مصلحة أبنائها الحفاظ على هذا الكيان الذي أرسى الطمأنينة والأمان لهم وأخرجهم من قرون الاضطهاد والقمع إلى رحاب الحرية والتطوّر والتقدّم، وحافظ على خصوصيتهم ووجودهم
