.jpg)
أعاد تصريح سابق لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني اللواء محمد باقر ذو القدر، قال فيه إن «لبنان هو روحنا، ولن نقبل انتهاك خطوطنا الحمراء»، طرح سؤال قديم يتجدّد كلما اشتدّ الاشتباك الإقليمي على الأرض اللبنانية: ما حدود العلاقة بين الدول؟ ومتى يتحوّل خطاب التضامن السياسي إلى خطاب وصاية يتجاوز منطق السيادة ويضع دولة مستقلة داخل المجال الحيوي لدولة أخرى؟
في العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الدول بحجمها الجغرافي ولا بقدرتها العسكرية، بل باعترافها المتبادل بالسيادة وبالامتناع عن اعتبار أراضي الآخرين امتدادًا أمنيًّا أو عقائديًّا أو استراتيجيًّا لها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يثير هذا التصريح إشكالية سياسية وقانونية وفكرية عميقة، لأنه لا يقدّم لبنان بوصفه دولة ذات إرادة مستقلة، بل يضعه ضمن تصوّر يتعامل معه كجزء من منظومة أمن قومي عابرة للحدود تُدار من خارج مؤسساته الدستورية.
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس العبارة بحدِّ ذاتها، بل الخلفية التي تنتجها. فالدول عندما تتحدث عن «خطوط حمراء» داخل حدود دولة أخرى، فإنها تنقل النقاش من إطار العلاقات الثنائية إلى إطار النفوذ والوصاية. وهنا يصبح السؤال مشروعًا؛ من منح أي دولة حق تعريف ما يجوز وما لا يجوز داخل لبنان؟ وهل يملك أي طرف خارجي شرعية سياسية أو أخلاقية أو قانونية لوضع خطوط حمراء فوق القرار اللبناني؟
تاريخ العلاقة الإيرانية ـ اللبنانية خلال العقود الأخيرة يقدّم مادة واسعة للنقد السياسي. فمنذ الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، اعتمدت طهران مقاربة تقوم على بناء شبكات نفوذ إقليمية تُقدَّم تحت عنوانَي المقاومة والدفاع عن القضايا الكبرى، لكنها في التطبيق العملي أدّت في أكثر من ساحة إلى تداخل بين مفهوم الدولة ومفهوم المحور. وكان لبنان أحد أبرز هذه الساحات.
لا يمكن إنكار أن إيران استطاعت، عبر نفوذها السياسي والعسكري والعقائدي، أن تتحول إلى لاعب أساسي في المشهد اللبناني، لكن السؤال لا يتعلق بحجم هذا النفوذ بل بنتائجه. فهل أدّى هذا النفوذ إلى تعزيز الدولة اللبنانية أم إلى إضعافها؟ وهل أسهَم في بناء مؤسسات وطنية جامعة أم في تكريس ازدواجية السلطة والقرار؟
الواقع اللبناني خلال العقود الماضية يقدّم مؤشرات معاكسة لفكرة أن هذا الانخراط خدم لبنان كدولة. إذ تراجع مفهوم احتكار الدولة للسلاح، وتوسّعت مساحات القرار الموازي، وتعطلت في مراحل متعددة آليات العمل الدستوري بفعل توازنات تتجاوز المؤسسات الرسمية. كما تحوّل لبنان تدريجيًّا إلى ساحة تتقاطع فيها رسائل إقليمية وحسابات استراتيجية لا ترتبط دائمًا بأولويات المجتمع اللبناني ولا بمصالحه الاقتصادية والاجتماعية.
لبنان ليس «روح» أحد، بل وطن لمواطنيه وحدهم. علاقاته الخارجية يجب أن تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة.
الأزمات المتراكمة التي عاشها لبنان منذ مطلع الألفية وحتى اليوم لا يمكن ردّها إلى عامل واحد، فالمسؤولية موزّعة بين طبقة سياسية داخلية، وفساد بنيوي، وفشل إداري واقتصادي، وتدخلات خارجية متعدّدة. لكن ذلك لا يلغي أن إدخال لبنان في منطق «وحدة الساحات» أو «الدفاع المتقدم» حمّله أكلافًا تتجاوز قدرته. فدولة تعاني أصلًا هشاشة اقتصادية وديموغرافية ومؤسساتية لا تستطيع تحمّل أن تتحول إلى خط مواجهة دائم أو إلى صندوق بريد إقليمي.
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم وفرَصهم التنموية نتيجة تراكم الصراعات على أرضهم. عشرات آلاف العائلات عاشت دورات متتالية من النزوح والخوف والانهيار وفقدان المستقبل. وفي كل مرة كانت الأولويات اللبنانية تتراجع أمام أولويات الصراع الأكبر. ومن هنا فإن المشكلة ليست في وجود علاقة بين لبنان وإيران؛ فالعلاقات بين الدول أمر طبيعي ومشروع، بل في طبيعة هذه العلاقة؛ هل تقوم على الاحترام المتبادل أم على اعتبار لبنان ساحة نفوذ متقدمة؟
إن الدولة اللبنانية، وفق دستورها ومنطق القانون الدولي، ليست ملكًا لأي محور، ولا تشكل امتدادًا روحيًّا أو أمنيًّا أو سياسيًّا لأي دولة أخرى. لبنان ليس «روح» أحد، بل وطن لمواطنيه وحدهم. علاقاته الخارجية يجب أن تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة.
أما الخطوط الحمراء الوحيدة التي يفترض ألّا تُمس، فهي الدستور اللبناني، وقرار المؤسسات الشرعية، وحق اللبنانيين في أن يحدّدوا بأنفسهم شكل دولتهم وخياراتهم الاستراتيجية بعيدًا من منطق الوكالات الإقليمية. فحين تصبح الدولة خطًّا أحمر على الجميع، فقط عندها يتوقف اللبنانيون عن دفع أثمان الحروب التي لا يقرّرونها والخيارات التي لا يصنعونها.





