01・09・2026
من العدد ٣٧
لبنان ليس روح إيران

أعاد تصريح سابق لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني اللواء محمد باقر ذو القدر، قال فيه إن «لبنان هو روحنا، ولن نقبل انتهاك خطوطنا الحمراء»، طرح سؤال قديم يتجدّد كلما اشتدّ الاشتباك الإقليمي على الأرض اللبنانية: ما حدود العلاقة بين الدول؟ ومتى يتحوّل خطاب التضامن السياسي إلى خطاب وصاية يتجاوز منطق السيادة ويضع دولة مستقلة داخل المجال الحيوي لدولة أخرى؟

في العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الدول بحجمها الجغرافي ولا بقدرتها العسكرية، بل باعترافها المتبادل بالسيادة وبالامتناع عن اعتبار أراضي الآخرين امتدادًا أمنيًّا أو عقائديًّا أو استراتيجيًّا لها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يثير هذا التصريح إشكالية سياسية وقانونية وفكرية عميقة، لأنه لا يقدّم لبنان بوصفه دولة ذات إرادة مستقلة، بل يضعه ضمن تصوّر يتعامل معه كجزء من منظومة أمن قومي عابرة للحدود تُدار من خارج مؤسساته الدستورية.

إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس العبارة بحدِّ ذاتها، بل الخلفية التي تنتجها. فالدول عندما تتحدث عن «خطوط حمراء» داخل حدود دولة أخرى، فإنها تنقل النقاش من إطار العلاقات الثنائية إلى إطار النفوذ والوصاية. وهنا يصبح السؤال مشروعًا؛ من منح أي دولة حق تعريف ما يجوز وما لا يجوز داخل لبنان؟ وهل يملك أي طرف خارجي شرعية سياسية أو أخلاقية أو قانونية لوضع خطوط حمراء فوق القرار اللبناني؟

تاريخ العلاقة الإيرانية ـ اللبنانية خلال العقود الأخيرة يقدّم مادة واسعة للنقد السياسي. فمنذ الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، اعتمدت طهران مقاربة تقوم على بناء شبكات نفوذ إقليمية تُقدَّم تحت عنوانَي المقاومة والدفاع عن القضايا الكبرى، لكنها في التطبيق العملي أدّت في أكثر من ساحة إلى تداخل بين مفهوم الدولة ومفهوم المحور. وكان لبنان أحد أبرز هذه الساحات.

لا يمكن إنكار أن إيران استطاعت، عبر نفوذها السياسي والعسكري والعقائدي، أن تتحول إلى لاعب أساسي في المشهد اللبناني، لكن السؤال لا يتعلق بحجم هذا النفوذ بل بنتائجه. فهل أدّى هذا النفوذ إلى تعزيز الدولة اللبنانية أم إلى إضعافها؟ وهل أسهَم في بناء مؤسسات وطنية جامعة أم في تكريس ازدواجية السلطة والقرار؟

الواقع اللبناني خلال العقود الماضية يقدّم مؤشرات معاكسة لفكرة أن هذا الانخراط خدم لبنان كدولة. إذ تراجع مفهوم احتكار الدولة للسلاح، وتوسّعت مساحات القرار الموازي، وتعطلت في مراحل متعددة آليات العمل الدستوري بفعل توازنات تتجاوز المؤسسات الرسمية. كما تحوّل لبنان تدريجيًّا إلى ساحة تتقاطع فيها رسائل إقليمية وحسابات استراتيجية لا ترتبط دائمًا بأولويات المجتمع اللبناني ولا بمصالحه الاقتصادية والاجتماعية.

لبنان ليس «روح» أحد، بل وطن لمواطنيه وحدهم. علاقاته الخارجية يجب أن تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة.

الأزمات المتراكمة التي عاشها لبنان منذ مطلع الألفية وحتى اليوم لا يمكن ردّها إلى عامل واحد، فالمسؤولية موزّعة بين طبقة سياسية داخلية، وفساد بنيوي، وفشل إداري واقتصادي، وتدخلات خارجية متعدّدة. لكن ذلك لا يلغي أن إدخال لبنان في منطق «وحدة الساحات» أو «الدفاع المتقدم» حمّله أكلافًا تتجاوز قدرته. فدولة تعاني أصلًا هشاشة اقتصادية وديموغرافية ومؤسساتية لا تستطيع تحمّل أن تتحول إلى خط مواجهة دائم أو إلى صندوق بريد إقليمي.

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم وفرَصهم التنموية نتيجة تراكم الصراعات على أرضهم. عشرات آلاف العائلات عاشت دورات متتالية من النزوح والخوف والانهيار وفقدان المستقبل. وفي كل مرة كانت الأولويات اللبنانية تتراجع أمام أولويات الصراع الأكبر. ومن هنا فإن المشكلة ليست في وجود علاقة بين لبنان وإيران؛ فالعلاقات بين الدول أمر طبيعي ومشروع، بل في طبيعة هذه العلاقة؛ هل تقوم على الاحترام المتبادل أم على اعتبار لبنان ساحة نفوذ متقدمة؟

إن الدولة اللبنانية، وفق دستورها ومنطق القانون الدولي، ليست ملكًا لأي محور، ولا تشكل امتدادًا روحيًّا أو أمنيًّا أو سياسيًّا لأي دولة أخرى. لبنان ليس «روح» أحد، بل وطن لمواطنيه وحدهم. علاقاته الخارجية يجب أن تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة.

أما الخطوط الحمراء الوحيدة التي يفترض ألّا تُمس، فهي الدستور اللبناني، وقرار المؤسسات الشرعية، وحق اللبنانيين في أن يحدّدوا بأنفسهم شكل دولتهم وخياراتهم الاستراتيجية بعيدًا من منطق الوكالات الإقليمية. فحين تصبح الدولة خطًّا أحمر على الجميع، فقط عندها يتوقف اللبنانيون عن دفع أثمان الحروب التي لا يقرّرونها والخيارات التي لا يصنعونها.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...
أيضاً للكاتب/ة
11・09・2026
حين تصبح العمامة حزبية؛ قراءة في ملاحظات الشيخ محمد مهدي شمس الدين
داود رمّال
تتجاوز ملاحظة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بشأن عدم مشروعية انتماء رجل الدين إلى حزب سياسي حدود الموقف من العمل الحزبي بالمعنى التنظيمي الضيق، لتلامس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الوظيفة الدينية وموقعها في المجال العام. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان رجل الدين يستطيع أن يكون سياسيًّا أو أن يتخذ موقفًا من قضايا الدولة والمجتمع...
11・08・2026
كيف تحوّلت القداسة إلى أداة لإخضاع الوعي وإلغاء التفكير النقدي
داود رمّال
إن أخطر ما يميز أنظمة الهيمنة القائمة على توظيف المقدّس ليس قدرتها على فرض الطاعة بالقوة، وإنما نجاحها في إعادة تشكيل البنية الذهنية التي ينظر الأفراد من خلالها إلى العالم. فالسلطة التي تعتمد على الإكراه المادي تبقى في حاجة إلى أدوات قمع دائمة، أما السلطة التي تنجح في السيطرة على الوعي فتجعل الإنسان يمارس الرقابة على نفسه بنفسه، ويعيد إنتاج الأفكار التي تُبقيه خاضعًا من دون أن يشعر بأنه خاضع.
29・07・2026
تقديرات أوَّلية: فاتورة الدمار ٢٥ مليار دولار وخسارة غير مسبوقة في القدرة الإنتاجية
داود رمّال
تشير تقديرات أولية وتقارير اقتصادية دولية يجري إعدادها إلى أن نحو ٣٠ في المئة من القدرة الإنتاجية للبنان أصبحت عمليًّا خارج دائرة العمل نتيجة الواقع العسكري في الجنوب، حيث أدّت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو بالنيران على مساحات واسعة منه إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في منطقة تمثّل أحد أهم محركات الاقتصاد الحقيقي. ولا يتعلق الأمر فقط بتوقف المؤسسات عن العمل..