.jpg)
لم تكن عبارة الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، في الرابع من آب، حول عدم ممانعته عقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة، عابرة في سياق خطاب سياسي طويل. فالقول إن «لا مانع» من لقاء دمشق، وإن «سوريا المستقرة سنَد للبنان ولبنان المستقر سند لسوريا»، يأتي بعد أشهر من التوتر الحاد بين الحزب والسلطة السورية الجديدة، وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد أعادت رسم خرائط النفوذ والحركة بين لبنان وسوريا وإيران.
قاسم لم يعلن اتفاقًا مع دمشق، ولم يقُل إن سوريا ستفتح حدودها أمام مقاتلي الحزب، ولم يتحدث عن ممر إلى إيران. وهذه حقيقة يجب تثبيتها منذ البداية. لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما يقال، بل أحيانًا بما يفتح الكلام عنه من احتمالات.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل كانت رسالة قاسم إلى دمشق مجرد محاولة لتطبيع العلاقة مع النظام السوري الجديد، أم أنها قد تكون مقدمة لتفاهم أوسع يتعلق بحركة «حزب الله»، وربما بإعادة تأمين طريق بري يصل لبنان بإيران عبر الأراضي السورية؟
السؤال ليس خياليًّا بالكامل، لكنه أيضًا ليس حقيقة مثبتة. إنه فرضية سياسية تستحق التدقيق.
المفارقة الأساسية أن «حزب الله» لم يكن حتى وقت قريب يتعامل مع السلطة السورية الجديدة باعتبارها شريكًا طبيعيًّا. فالعلاقة بين الحزب والقيادة الجديدة في دمشق محكومة بإرث الحرب السورية وبالتحالف التاريخي بين «حزب الله» ونظام بشار الأسد.
لكن خطاب قاسم حمل تغييرًا واضحًا في اللغة. لم يعد الحديث عن دمشق باعتبارها خصمًا، بل عن «سوريا المستقرة» التي تشكّل سندًا للبنان، وعن إمكانية عقد لقاء علني بين الطرفين عندما يصبح التوقيت مناسبًا. وهذا ما أكدته مصادر إعلامية عدة في الرابع من آب.
هل يعني ذلك أن الحزب غيّر موقفه من دمشق؟
ليس بالضرورة.
قد يعني ببساطة أن الحزب أدرك أن سوريا الجديدة أصبحت حقيقة سياسية وجغرافية لا يمكن تجاهلها.
وهنا تكمن أهمية الرسالة.
فلبنان وسوريا ليسا دولتين متجاورتين فقط؛ إنهما يشتركان في حدود طويلة، وتشابك اقتصادي وأمني واجتماعي، والأهم بالنسبة إلى «حزب الله»: إن سوريا كانت تاريخيًّا جزءًا أساسيًّا من البيئة الجغرافية التي ربطت لبنان بالمجال الإيراني.
بعد سقوط النظام السابق، لم تعد هذه المعادلة قائمة بالطريقة نفسها.
وبالتالي، فإن أي إعادة تموضع لـ«حزب الله» في لبنان لا يمكن أن تتجاهل السؤال السوري.
منذ نشأة «حزب الله»، كانت العلاقة مع إيران أكثر من علاقة سياسية. إيران شكلت المصدر الأساسي للدعم السياسي والعسكري والمالي والعقائدي للحزب، فيما كانت سوريا تمثل في مراحل طويلة الحلقة الجغرافية والسياسية الأهم بين إيران ولبنان.
ولهذا، فإن الحديث عن سوريا لا يمكن فصله تمامًا عن الحديث عن إيران.
إذا كانت المرحلة الجديدة تفرض على «حزب الله» تقليص قدرته العسكرية داخل لبنان، أو إعادة تنظيم بنيته العسكرية، أو إخراج جزء من كوادره ومقاتليه من الساحة اللبنانية، فإن السؤال يصبح: إلى أين؟
هل يبقون في لبنان؟
هل ينتقلون إلى العراق؟
هل يعود بعضهم إلى سوريا؟
أم أن جزءًا منهم يمكن أن ينتقل إلى إيران؟
هنا تحديدًا تصبح الجغرافيا السورية مهمة.
لكن يجب عدم القفز إلى الاستنتاج بأن هناك بالفعل خطة لنقل مقاتلي «حزب الله» إلى إيران. لا توجد معلومات علنية موثوقة تثبت ذلك.
الذي يمكن قوله هو أن فتح قناة سياسية مع دمشق يمكن، في حال تطورت إلى تفاهمات أمنية، أن يعيد لسوريا دورًا في حركة الحزب الإقليمية، ولو بصورة مختلفة تمامًا عن الماضي.
ولعل أفضل مثال لفهم حساسية هذه المسألة هو ما حصل في عام ٢٠١٧ خلال معركة الجرود.
آنذاك خاض الجيش اللبناني عملية «فجر الجرود» ضد «تنظيم داعش» في الجرود الشرقية، بالتوازي مع عملية «حزب الله» في الجانب السوري من الحدود. وقد أعلن الجيش اللبناني في حينها أنه يخوض معركته من دون تنسيق مع «حزب الله» أو الجيش السوري، في حين كان الحزب يقاتل «تنظيم داعش» في جرود القلمون الغربي.
وفي نهاية المعركة، عُقد اتفاق أدّى إلى نقل مقاتلي «تنظيم داعش» وعائلاتهم في قافلة حافلات إلى شرقي سوريا. وأعلن إعلام الحزب يومها عن وصول القافلة إلى نقطة تبادل في الشرق السوري.
هذه الواقعة مهمة، ليس بسبب تفاصيلها العسكرية فقط، بل لأنها أثبتت شيئًا أساسيًّا: الأراضي السورية يمكن أن تتحول، عندما تتوافر التفاهمات السياسية والأمنية، إلى ممر لحركة جماعات مسلحة ومقاتلين من منطقة إلى أخرى.
لكن الفرق بين ٢٠١٧ و٢٠٢٦ كبير جدًا.
في ٢٠١٧ كانت دمشق حليفًا وثيقًا لـ«حزب الله»، وكانت إيران و«حزب الله» وروسيا والنظام السوري في منظومة سياسية وعسكرية واحدة تقريبًا.
أما اليوم، فدمشق الجديدة ليست دمشق الأمس.
وهذا يجعل أي تفاهم مع «حزب الله» أكثر تعقيدًا، وأكثر حساسية، وربما أكبر ثمنًا.
هل يحتاج الحزب إلى سوريا؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
إذا أراد «حزب الله» الحفاظ على علاقته الاستراتيجية مع إيران في ظلّ التحولات الحالية، فإن الجغرافيا تصبح مشكلة.
لبنان لا يملك حدودًا مع إيران. والطريق البحري والجوي يخضعان لحسابات دولية وأمنية معقّدة. أما الطريق البري التقليدي، فكان يمر عبر العراق وسوريا.
لكن هذا الطريق لم يعد تحت سلطة سياسية واحدة متحالفة مع الحزب كما كان سابقًا.
ولهذا قد يكون الهدف من الانفتاح على دمشق، قبل أي شيء آخر، استطلاع حدود الممكن.
ليس بالضرورة فتح ممر للمقاتلين.
ربما فتح قناة اتصال.
ربما تسوية ملف الحدود.
ربما معالجة وضع عناصر الحزب الموجودين في سوريا.
ربما ترتيب ملفات أمنية وإنسانية.
وربما، في مرحلة لاحقة، بحث مسائل أكثر حساسية تتعلق بالحركة عبر الأراضي السورية.
لكن كل ذلك يبقى ضمن دائرة الاحتمال.
لماذا الآن؟
التوقيت مهم.
قاسم لم يفتح الباب أمام دمشق من فراغ سياسي. لبنان يعيش مرحلة إعادة تعريف لدور الدولة وسلاح «حزب الله»، فيما المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية دخلت مسارًا جديدًا، والولايات المتحدة تضغط باتجاه ترتيبات أمنية وسياسية متعددة.
وفي الوقت نفسه، فإن الحزب يواجه سؤالًا وجوديًّا: كيف يحافظ على نفسه كقوة سياسية وعسكرية في آن واحد في بيئة لم تعد تسمح له بأن يتحرك كما كان يتحرك قبل سنوات؟
إذا كان خيار التحوّل التام إلى حزب سياسي مطروحًا، فذلك يعني إعادة تعريف العلاقة مع إيران ومع السلاح ومع البنية العسكرية.
أما إذا كان الحزب يريد الحفاظ على بنيته العسكرية، بصورة أو بأخرى، فإنه يحتاج إلى عمق جغرافي وأمني.
وهنا تعود سوريا إلى المعادلة.
دمشق ليست مضطرة إلى إعطاء شيء.
لكن هناك خطأ في بعض القراءات يتمثل في افتراض أن دمشق ستفتح أبوابها للحزب بمجرد أن يطلب ذلك.
السلطة السورية الجديدة لديها حساباتها الخاصة.
هي تريد تثبيت سيادتها على الأراضي السورية، وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية، وضبط الحدود، والحصول على اعتراف ودعم عربي ودولي.
وأي سماح بعودة «حزب الله» إلى استخدام الأراضي السورية كطريق عسكري نحو إيران سيكون مكلفًا جدًّا لدمشق.
لذلك، حتى لو كان الحزب يبحث عن مثل هذا الطريق، فإن دمشق ستضع ثمنًا سياسيًّا وأمنيًّا كبيرًا له.
وقد يكون هذا الثمن هو اعتراف الحزب الكامل بسيادة الدولة السورية، وعدم وجود أي تشكيل مسلح تابع له على الأراضي السورية، وضبط الحدود، وربما الابتعاد عن أي نشاط عسكري داخل سوريا.
بمعنى آخر: إذا كان «حزب الله» يريد سوريا، فإن سوريا الجديدة قد تطلب مقابلًا مختلفًا تمامًا عن المقابل الذي كانت تطلبه دمشق القديمة.
هل نحن أمام «صفقة باصات» جديدة؟
هنا نصل إلى جوهر السؤال.
هل يمكن أن تتكرر تجربة الباصات التي خرجت بموجبها مجموعات مسلحة من الجرود، ولكن هذه المرة مع مقاتلين من «حزب الله» يتجهون نحو سوريا ومنها إلى العراق أو إيران؟
نظريًّا، يمكن تخيّل سيناريو كهذا.
لكن عمليًّا، سيكون مختلفًا جذريًّا.
في عام ٢٠١٧ كانت العملية جزءًا من اتفاق مُعلن لإنهاء معركة ضد «تنظيم داعش». أما نقل مقاتلي «حزب الله» إلى إيران اليوم، إن حصل، فسيكون جزءًا من إعادة تموضع استراتيجي لحزب لبناني مسلح، وسيشكل قضية دولية وإقليمية كبرى.
ولهذا لا يمكن مقارنته بالباصات إلّا من زاوية واحدة: استخدام الجغرافيا السورية كمساحة عبور في تسوية سياسية ـ أمنية.
أما القول إن قاسم كان يطلب، تحديدًا، «باصات مكيّفة» لنقل مقاتلي الحزب إلى طهران، فهو استنتاج لا دليل عليه.
لكن السياسة تبدأ أحيانًا من فتح الباب.
وقاسم فتح الباب.
ما الذي يجب مراقبته؟
إذا أردنا اختبار هذه الفرضية بموضوعية، علينا ألّا نبحث فقط عن تصريحات سياسية.
المؤشرات الحقيقية ستكون على الأرض.
هل سيُعقد لقاء أمني بين دمشق و«حزب الله»؟
هل ستُفتح قنوات اتصال مباشرة بشأن الحدود؟
هل ستتغير إجراءات العبور بين لبنان وسوريا؟
هل ستظهر ترتيبات جديدة بشأن عناصر الحزب الموجودين في الأراضي السورية؟
هل ستظهر حركة غير اعتيادية لكوادر الحزب باتجاه سوريا؟
وهل ستتبع ذلك حركة باتجاه العراق؟
هذه المؤشرات، إذا ظهرت مجتمعة، ستكون أكثر أهمية من أي تصريح سياسي.
أما الآن، فالمؤكد فقط هو أن قاسم أعلن استعداد الحزب للقاء القيادة السورية، وأنه تحدث عن أهمية الاستقرار المتبادل بين لبنان وسوريا.
في النهاية، قد لا تكون القضية قضية مقاتلين أصلًا.
قد تكون قضية الممر.
ففي الشرق الأوسط، السيطرة على الأرض مهمة، لكن السيطرة على طرق الحركة أهم أحيانًا.
«حزب الله» خسر جزءًا كبيرًا من البيئة الإقليمية التي كانت تمنحه حرية الحركة بين لبنان وسوريا وإيران. وسوريا الجديدة أصبحت لاعبًا مستقلًّا في هذه المعادلة.
لذلك، فإن رسالة قاسم إلى دمشق يمكن أن تُقرأ باعتبارها محاولة لاستكشاف ما إذا كان يمكن إعادة بناء علاقة مع سوريا، ليس بالضرورة لإعادة الماضي، بل لضمان ألّا تتحول سوريا إلى جدار يفصل الحزب نهائيًّا عن عمقه الإيراني.
وهذا يفسر لماذا يجب التعامل مع الرسالة بجدّية.
قد تكون مجرد مصالحة سياسية.
وقد تكون بداية تفاوض على ملفات أمنية.
وقد تكون محاولة لتأمين الحد الأدنى من الحركة الإقليمية للحزب.
لكنها، في جميع الأحوال، تعني أن «حزب الله» بدأ يُدرك أن المعادلة السورية الجديدة ليست تفصيلًا في مستقبله.
والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان كلام قاسم مجرد رسالة سياسية إلى دمشق، أم كان بالفعل أول سطر في تفاوض أكبر حول مستقبل «حزب الله»، وسلاحه، ووجوده، وطريقه إلى إيران.
أما المقارنة مع «فجر الجرود»، فتبقى مفتوحة ولكن بصيغة مختلفة:
في ٢٠١٧ خرج مقاتلو «داعش» من الجرود عبر سوريا بعد اتفاق أنهى معركة.
فهل يمكن أن تكون سوريا الجديدة، في مرحلة لاحقة، جزءًا من اتفاق آخر يُعيد توزيع مقاتلي «حزب الله» خارج لبنان؟
حتى الآن لا نملك جوابًا.
لكن مجرد طرح السؤال، في ضوء التحولات التي يعيشها لبنان وسوريا والمنطقة، لم يعد ضربًا من الخيال.
لقد بدأت الرسائل السياسية تصل إلى دمشق.
والسؤال الآن: هل ستتحول الرسائل إلى ممر؟





