.jpg)
في حومة السبعينات من القرن الماضي، حين كانت النبطية تعشوشب بالنضال وتتنفّس الوعي القومي والعروبي، كان الجنوب ينسج أيامه على أرقام الجمع والثقافة. كانت المدينة تعجّ بالمنتديات الثقافية والروابط الشبابية والحركات النسائية التي أفردت للحقوق والنهضة مكانة يُشار إليها بالبَنان. وفي قلب ذلك المدى المترسّخ في وجدان الزمان، كانت بيوت الحي تعقد أواصر الفكر والدفء، متجاوزة حدّ السمر اليومي إلى بناء ثقافة التآلف والتضامن.
في ذاك البيت الجنوبي المفتوح على سعة الصدر وسخاء اليد، كانت الجدة تظلِّل الأبناء والأحفاد بعاطفة الراعي وحكمة السنين. امرأة أرهق الصبا خطواتها برحيل زوجها المعلّم، غير أن أثلام العيش لم تزدها إلا صلابة وحنانًا. ربّت الأبناء فصنعت منهم المهندس والمربّي والأستاذ الجامعي، وتوّجت سفْر أسطورتها بجائزة الأمهات المثاليّات، إلى جانب ارتقائها منابر العزاء لترتوي الروح من طَهر الحزن النبيل. وكان الصباح في دارتها يُشرق مع تعالي فقاقيع القهوة، واجتماع نسوَة الحي لتبادل أحاديث الأمومة وشؤون الحياة، وتتبع التطورات الإقليمية، من تحوّلات النيل وأصداء قضايا فلسطين والعراق، وصولًا إلى أقصى المعمورة.
ولم يكن فنجان الصباح مجرد وقفة لاحتساء الرشَفات، بل كان طقسًا أثيريًّا تتدافع فيه النسوَة لقلب فناجينهن أطرافًا على أطباقها. وعلى الرغم من حذَر الجدّة وتحفّظها كي لا تلتبس قراءتها بالتبصير، إلّا أنها كانت تخضع لإصرار الصبايا والأمهات. تبدأ القراءة بأكبرهن سنًّا، ثم تهمس للصبايا ببشارات الخطبة وإشارات الودّ، وتبثّ التفاؤل بين الحاضرات؛ فإن ظهَر ما يُخيف، بادرت بالدعوة إلى بذل الصدَقة وتوزيع الخبز والملح لدرء الخطر.
وفي أحد الصباحات الملبّدة بالتوتر، استيقظ الحي على خبر اختطاف شاب من أبنائه نتيجة خلافات إيديولوجية حادة بين الفصائل والأحزاب التي كانت تتنازع الرؤية السياسية. انشغلت الدُّور بالسهرات والنقاشات المستفيضة حول الحادثة، غير أن بوصلة النسوَة بقيت تتّجه صَوب بيت الجدّة في انتظار فنجان القهوة الذي يزفّ الخبر اليقين. حضرت أم الشاب المخطوف وقلبها يرتجف، واجتمعت الآذان وشخصَت العيون، حتى إذا أتممن الشرب وتجفّفت الفناجين، تناولت الجدّة فنجان الأم المكلومة لتبدأ تفكيك طلاسم المحنة.
تأملت الجدّة قُعر الفنجان، وبإصبعها أشارت إلى رسوم البنّ المتكتلة، مشيرة إلى حركة الشمس والأفلاك، ثم همست ببشرى تُثلج الصدور: الشاب سيعود حرًّا طليقًا بين الضحى وغروب الشمس. ولم تكتفِ بذلك، بل أشارت إلى حرفٍ استقر قرب خيوط النور، قائلة إن السعي للإفراج عنه لا يقوده فرد واحد، بل تشكيل وسياسي يرمز إليه هذا الحرف. وحين همست بأن «الحزب الشيوعي» في النبطية هو مَن يتحرك في الكواليس لإعادة ابن الحي، تعالت الزغاريد وانطلقت دعَوات الترحّم والتهليل التي مزجت بين أسماء القادة الثوريين، عبدالناصر ولينين وماركس وجيفارا والأئمة الأبرار، في مشاهد تجمَع بين الطرافة التلقائية والإيمان البسيط.
ولم تكد الظهيرة تطرق الأبواب حتى لعلع الرصاص في المدى، وعزفت المزامير واهتزت الأرض تحت أقدام الدابكة، حيث عاد الشاب محمولًا على الأعناق. ذُبحت الخراف، وكانت الحصة الأوفر من نِعم الاحتفال من نصيب الجدّة صاحبة البشرى، والتي تبين لاحقًا أن رؤيتها لم تكن سوى استنتاج ثاقب التقطت خيوطه من نقاشات الشباب الذين كانوا يسهرون في فنائها تحت شجرة الجوز.
إن تلك الجلسات النسائية الصباحية في النبطية لم تكن مجرد أحاديث عابرة حول فناجين القهوة، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج التراث الجنوبي وركنًا مكثفًّا من ذاكرة الزمن الجميل. لقد جسّدت تلك الدُّور واللقاءات روح التكافل الإنساني، والوعي الفطري الذي جعل من بساطة العيش وجلسات الشاي والقهوة مدرسةً في المحبة، وصمام أمان يحفظ الإلفة، ويصون كرامة المجتمع وأصالته في وجه كل المتغيّرات.



