22・08・2026
من العدد ٣٧
وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين للبنانيين الشيعة: لبنان وطننا وإياكم والانعزال


في العام ١٩٧٥، وبعد التعديلات على النظام الداخلي للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتمديد ولاية رئيسه السيد موسى الصدر حتى بلوغ الـ٦٥ من العمر، انتُخب الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائبًا للرئيس، ولعل تسلّم هذا الرجل هذا المنصب لم يأتِ من عبث، فقد قاد الشيخ محمد مهدي شمس الدين بكل اقتدار الطائفة الشيعية على مدى أكثر من عشرين عامًا منذ إخفاء السيد موسى الصدر، رئيس المجلس ورئيس حركة المحرومين، من قِبل نظام معمر القذافي في مطلع أيلول ١٩٧٨، حتى وفاته في كانون الثاني ٢٠٠١، مجنّبًا إياها ويلات الفتن والقتل، وحماها من الارتهان للمشاريع الخارجية. 

مسيرة الشيخ محمد مهدي شمس الدين

اتسمت مسيرة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالعقلانية والموضوعية والحكمة، والسعي الدائم إلى التلاقي والحوار، وتميّز بالهدوء والاتزان، وكانت مسيرته الدينية والدنيوية منصبّة على الاهتمام بشؤون وشجون من كان عليهم وصيًّا، أي أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، وحرصه الدائم على الحفاظ عليهم وعدم السماح بجرّهم إلى مغامرات وسياسات تودي بهم إلى الهلاك والنكبات، فكانت كلماته ومواقفه تتّسم دائمًا بالموعظة والاتعاظ، ساعيًا إلى التفاهم والتلاقي على أساس المبادئ الإنسانية والوطنية، ضمن إطار وتحت سقف الكيان والوطن اللبناني. وإذا كان المرجع الشيخ محمد مهدي شمس الدين تخطّى الحدود اللبنانية بمقلّديه ومورّديه، فإنه لم يُضِع البوصلة أبدًا في توجيهه اللبنانيين الشيعة إلى الالتزام بالكيان اللبناني كالتزام أخلاقي وطني ومصلحة لهم لدرء الخطر والمهالك عنهم. 

المقاومة المدنية الشعبية

كان الشيخ شمس الدين أول من أطلق المقاومة المدنية بمواجهة الاحتلال الاسرائيلي عام ١٩٨٢، وأكد على لبنانيتها ووطنيتها وعدم ارتهانها لأي محور يتعدّى الأرض اللبنانية، واعتبر أن المقاومة لا تكون فقط بالسلاح بل إن الحراك الشعبي والموقف والكلمة يمكن أن يكونوا أنجع وأنجح في كثير من المراحل والأوقات. كما أصدر نشرة «القرار» المتحدثة باسم المقاومة المدنية الشاملة دون أن يتراجع أو يحسب الحسابات، تحت مبدأ واحد هو الخيار الوطني اللبناني دون سواه.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين في رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

بعد إقرار مجلس النواب اقتراح القانون المعجَّل الرامي إلى تعديل المادة ١٢ من القانون الرقم ٧٢/٦٧ المتعلّق بتنظيم شؤون الطائفة الشِّيعيَّة، والتي تنصُّ على جعل موسى الصدر رئيسًا مؤسِّسًا لمدى الحياة، دعَت دوائرُ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أعضاء هيئته العامة إلى انتخابِ رئيسٍ ونائب له. وفي ١٨ آذار ١٩٩٤، انتُخِب الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالإجماع رئيسًا والمفتي الشيخ عبد الأمير قبلان نائبًا أوّل له، وذلك في الانتخابات الأولى لهيئتَي المجلس منذ عام ١٩٧٤. حافظ الشيخ شمس الدين على استقلالية المجلس ولم يسمح للتأثيرات والتوجهات السياسية وغير السياسية من مصادرة القرار الحر والجامع للمجلس خلال فترة ولايته، ولم يساوم على سياسة المجلس أو يهادن، فكانت سياسة المجلس خلال ولايته سياسة وطنية لبنانية صرف، ولم يتبنَّ المجلس خلال ولايته أي موقف يتعارض مع الوحدة الوطنية أو يقارب أي موضوع من منظار طائفي أو مذهبي ضيّق. 

واجه الشيخ شمس الدين مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية ومشروع دولة الإسلام المركزية بالكلمة والحجة، دون أن يسمح لهذا المشروع وللانتهازيين من التغلغل في المؤسسة الشيعية الرسمية الدينية، وحافظ عليها كمرجع جامع لكل اللبنانيين الشيعة ومنبر للرؤية الوطنية اللبنانية دون سواها، فكانت مؤسسات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في عهد الشيخ محمد مهدي شمس الدين لكل أبناء الطائفة دون تمييز.

اهتمّ الشيخ شمس دين بتفعيل مؤسسات المجلس، فعلى صعيد التربوي أوْلى الشيخ شمس الدين التعليم الديني أهمية رئيسية من خلال تفعيل هيئة التعليم الديني في المجلس، واتسم كتاب «التربية الدينية» الذي كانت تُصدره تلك الهيئة بالمفاهيم الأخلاقية وأدبيّات الحوار والتعايش وتقبُّل الآخرين،  كما كان للتعليم الجامعي حصّته من اهتمامات الشيخ، حيث حصلت الجامعة الإسلامية على رخصتها عام ١٩٩٥ في عهد الشيخ شمس الدين، وأضحى المجلس من خلال مركز الدراسات والأبحاث محطة مركزية للنقاشات والحوارات على صعيد المواضيع التي تهمّ الطائفة الشيعية وعلى الصعيد الوطني العام، وكان للشأن الصحي والاجتماعي حصته من خلال ما تيسَّر من إمكانات للمجلس والتي تمّ رفدها في هذين المجالين. 

في ١٠ كانون الثاني ٢٠٠١ غيّب الموت الرئيس الثاني للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن ٦٥ عامًا إثر صراعٍ مع مرض عُضال، وبذلك فقَد لبنان والشيعة في لبنان عالمًا مجتهِدًا كان حريصًا كل الحرص على أبنائه وساعيًا بشكل دائم إلى تجنيب أبناء الطائفة الشيعية في لبنان ويلات الأزمات والنكبات والحفاظ على دورهم فيه، ومجسّدًا لدور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كساحة تلاقي بين اللبنانيين ومنبرًا للحوار بينهم من مختلف الأطياف والمشارب للحفاظ على المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، مصلحة اللبنانيين جميعًا دون استثناء.

ولاية الأمة على نفسها: الاجتهاد في خدمة الحياة

بالإضافة إلى مسيرته في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كان الدور الفقهي والديني للشيخ  المجتهد محمد مهدي شمس الدين أساسيًّا ومحوريًّا، حيث عمل الشيخ على وضع الاجتهاد في خدمة مصالح المقلّدين ولحمايتهم، ولم تكن فتواه «ولاية الأمة على نفسها»، في عزِّ ازدهار وانتشار «ولاية الفقيه المطلقة» من خلال مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية، ومشروع الدولة الإسلامية المركزية، إلّا فعل شجاع وحرص شديد على مصلحة الأمة دون الخوف من لومة لائم، فالشيخ شمس الدين جاهَر علنًا في رفضه لـ«ولاية الفقيه المطلقة» واعتبر أنها لا تملك سندًا فقهيًّا وكلاميًّا معتبرًا لإثباتها، بل تقوم على اعتبارات سياسية.

وفي رأي الشيخ شمس الدين، أن الأمة لها الولاية على نفسها تحت سقف الشريعة الإسلامية التي أوكلت أمرها لها، وهي أي الأمة، التي تدير أمورها السياسية، وتختار في نطاق وحدة الأمة شكل نظامها السياسي الذي يناسبها، ويحاكي واقعها الخاص الزماني والمكاني «على أساس الشورى». ويرى الشيخ شمس الدين أن مسؤولية الفقهاء في هذا العصر محصورة بـ«بيان الأحكام الثابتة الشرعية»، ويقضون في الخصومات ويمارسون دورهم في الإصلاح والإرشاد، كما اعتبر أنه في حال وجود الدولة، فإنها، أي الدولة، قد تكون قادرة على تولّي مصاديق «الولاية الحسبية»، ويتبنّى الشيخ شمس الدين الدولة التي «تعتمد الشورى في المسألة السّياسيَّة والتنظيميَّة المتعلّقة بالمجتمع السّياسي»، الدولة التي تعتمد رأي الأكثريَّة أساسًا، تلك الأكثريَّة التي هي صاحبة الحق في اختيار أعلى سلطة، فالدولة عنده مسألة شورويَّة واختياريَّة وانتخابيَّة ودستوريَّة.

وصايا الإمام: الوضوح في الالتزام بالوطن والكيان

في آخر أيامه وقبل وفاته قام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بمساعدة من ابنه الوزير السابق، إبراهيم بتسجيل مجموعة من الأحاديث على شكل وصايا ترَكها الشيخ لأبناء الطائفة الشيعية ولمقلّديه في العالم وللبنانيين ذخيرة ورؤية ودرعًا لمواجهة التقلّبات السياسية والأزمات التي يمكن أن تطرأ في هذا العالم المتقلّب. ولعله كان مدركًا لما ستحمله الأيام من مشاريع ومغامرات ومحاور وسياسات للبنانيين الشيعة، فسعى قبل وفاته إلى تقديم إرشادات ونصائح وذخائر فكرية لأبنائه الذي كان شديد الحرص عليهم، تقيهم الأفكار والإيديولوجيات والسياسات التي يتمّ إسقاطها عليهم وتلبيسها لبوس الإلزام والدِّين. فكانت وصاياه التي صدرت على شكل كتاب والتي قال عنها غسان تويني في مقدمته وتقديمه له «وصايا الحق الذي اختزنه عشرات السنين، مراحل مراحل، فإذا بها عصارة اختبار الضمير و"المضمور" من خلف الموت، كلامك لا يحتاج إلى تفسير. وكابرة مني أن أحاول التقديم لوصاياك بغير الدعوة إلى الفرح بشمس يشرق ضياؤها، من خلف آفاق الزوال». كما تحدث عنها المطران جورج خضر، قائلًا: «لو كنتُ قد قرأتُ، في الشك اللبناني الذي يساورنا جميعًا، هذا الكلام، بصرف النظر عن قائله، لمَّا كان الإمام في كامل عافيته، لقلت إن هذا الكلام إنما أُطلِقَ في معرض التسويق السياسي. غير أن ورود هذا التأكيد ثلاثة عشر يومًا قبل موت الرجل لا يصدر إلّا من قلب مَن يعرف أنه سيواجه ربَّه. محبة محمد مهدي شمس الدين للمسيحيين يجب أن نقرأها في صدق مَن يعرف أنه سيلْقى الحضرة الإلهية بعد أيام، يدلّ تطوّر المرض على أنها معدودة. هذا إعلانُ حبٍّ لله وللمواطنين جميعًا. هذه "وصايا" أحسستُها، من وراء كلمات موجَّهة إلى طائفة واحدة، أنها وصايا لنا جميعًا، وأنها إرثنا».

ولأن المرحلة كانت دقيقة حيث كان لبنان والعالم يمر بأحداث متتالية سبقت إطلاق هذه الوصايا، حيث  زيارة المصالحة في الجبل وبيان المطارنة الموارنة في أيلول ٢٠٠٠، فكانت هذه الوصايا مكمّلة لهذا المسار الذي بدأ منه تحرير لبنان من كل الوصايات والتطلع إلى المصلحة الوطنية العليا، فوصايا الشيخ شمس الدين التي تمحوَرت حول دعوة أبناء الطائفة الشيعية إلى الالتزام بأوطانهم، والحديث عن تجربة الشيعة اللبنانيين وعن الفاعلية المسيحية في لبنان والشرق، وعن موضوع إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، ووصاياه إلى القمة الروحية الإسلامية واللبنانية بالتعاون والتكامل، والتذكير بأهمية التربية والتعليم بوصاياه إلى الجامعة الإسلامية في لبنان، ودعوته إلى الخروج من فكرة الأقليات ورفض أي أشكال من الحمايات، كانت النداء الإسلامي الشيعي لحماية الوطن التي احتضن الطائفة الشيعية وأعطاها حقوقها وكانت التزام من أكبر سلطة دينية شيعية في لبنان بالحفاظ على هذا الوطن وعلى وحدته وكيانه، ومن بعد هذه الوصايا ينتهي الكلام. 

إن ما تعرض له  أهالي الجنوب ولبنان من نكبات ودمار وخراب وتهجير بسبب سياسات المحاور الإقليمية والمغامرات العسكرية التي سلكها مشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان، المتمثل بـ«حزب الله»، توجب إعادة التمعُّن في وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين ونهجه وأفكاره، وتوجب الانخراط في الاتجاهات الوطنية والإنسانية التي رسمها مَن كان حريصًا على اللبنانيين الشيعة وكل اللبنانيين، والسَّير بها، لأن الخلاص في لبنان لا يكون إلّا ضمن الإطار الوطني والحل الوطني ولا يكون بالمشاريع الانعزالية بل بالأفكار وتوجُّهات والرؤى التي تجمع. 

مقالات مشابهة
18・09・2026
النّكبَةُ الشِّيعيَّةُ: بين الماضي والحاضر
علي مازح
وبعد انتصارِ عامِ ٢٠٠٦ المزعومِ، بدأ الإمامُ شمس الدّين يُعبِّرُ بوضوحٍ عن قلقِهِ من استثمارِ هذا النّصرِ من جانبِ إيران و«حزبِ اللهِ»، لا بوصفِهِ نهايةَ صراعٍ دفاعيّ، بل بوصفِهِ بدايةَ مشروعٍ إقليميٍّ مفتوح، يجعلُ من الطّائفةِ الشّيعيَّةِ وَقودًا لا شريكًا، لذلك رفعَ الصَّوتَ عاليًا، إذ قالَ في إحدى وَصاياهُ:«أوصي الشِّيعةَ في لبنانَ بأن لا ينخرطُوا في مشروعٍ خاصّ، لا سياسيٍّ ولا أمنيٍّ ولا عسكري
15・09・2026
بين «تاريخي» والتاريخ: حين يُستدعى الماضي ويُبدَّل لخدمة خيارات الحاضر... سيرة ابن ملّي مثالًا
بهاء الحسيني العاملي
في «تاريخي»، وعلى خطى كتابات سبقت في هذا الخصوص، وأُلِّفت فيها العديد من الكتب، قُدِّمت بعض المحطات من تاريخنا على طريقة الحكواتي الشعبوي، لكن مع مفاهيم مختارة بدقة تترك آثارًا عاطفية عند المتلقّي. ومع استحضار لأسماء كتب ومصادر ومراجع تمّ استنباطها لتحصِّن المعروض وتثبِّته في أذهان مَن لا طاقة لهم على البحث.
14・09・2026
العودة إلى المدارس في الجنوب: عام دراسي على وقع النزوح والخوف
أحمد خواجة
لا يمكن قياس الضرر الذي أصاب قطاع التعليم في لبنان، وبالأخص في الجنوب، بعدد الأبنية المتضررة أو المدمرة فقط. فالعام الدراسي يبدأ هذه المرة مع آلاف التلامذة الذين عاشوا تجربة النزوح والخوف وفقدان المنازل، وما يرافق ذلك من آثار نفسية وتعليمية واجتماعية، ومع معلمين اضطروا هم أيضًا إلى ترك بلداتهم وحياتهم المعتادة، وواجهوا أنواعًا مختلفة من المصاعب
أيضاً للكاتب/ة
02・09・2026
تعدّدت الجهات والمأساة واحدة: أهالي جبل عامل أسرى «الخيَم»
عباس هدلا
ألم يحِن الوقت لتحمُّل الجميع مسؤولياتهم ووقف الشعارات التي لا تُغني ولا تُسمن؟ ألا يجب أن تعتبر الدولة اللبنانية هذه المنطقة جزءًا من أراضيها تسعى لفرض سيادتها عليها؟ ألا يجب على الحكومة ورئيس الحكومة إيقاف سياسة تلزيم تلك المناطق لجماعة «حزب الله» واستردادها منهم؟ ألا يجب إنقاذ أهالي تلك المناطق «المواطنين اللبنانيين»؟
26・07・2026
الجنوب بين الحروب والتسويات: العبرة في التطبيق
عباس هدلا
في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦، وقّع في واشنطن «اتفاق إطار» بين لبنان وإسرائيل عقب أربعة أيام من المفاوضات بين الطرفين في واشنطن بوساطة أميركية، وذلك بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووقَّع الاتفاق عن الجانب اللبناني سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وعن الجانب الإسرائيلي السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر؛ وأكد الطرفان في الاتفاق على هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائم
03・03・2025
الخيار الوطني لشيعة لبنان
عباس هدلا

وجود الكيان اللبناني دولة ووطنًا مصلحة أساسية لـ«الطائفة القلقة» التي أضحت جزءًا أساسيًّا في هذا الوطن، فمن مصلحة أبنائها الحفاظ على هذا الكيان الذي أرسى الطمأنينة والأمان لهم وأخرجهم من قرون الاضطهاد والقمع إلى رحاب الحرية والتطوّر والتقدّم، وحافظ على خصوصيتهم ووجودهم