.jpg)
مرّت السنوات، وتغيّرت المعارك والجغرافيا، فتغيّرت اللغة. كان الحديث عن الوصول إلى الجليل، فأصبح عن الدفاع عن مواقع متأخرة داخل الأراضي الجنوبية، منها مرتفعات علي الطاهر. وهكذا بتنا، واقعًا، لا نتحدث عن حدود جغرافية للطموحات، بل عن المسافة بين الوعد اليقيني عندهم والواقع الحقيقي، وعن قدرة الخطاب الموجّه على تطويع الوعي العام.
حين انهارت الشعارات الواهمة واصطدمت بالواقع، وبقي الإنسان وحده أمام الخراب، لم تكن الخسارة في الميدان وحده، بل في الرواية التي بُنِي عليها وعي الناس. هنا استحَقّ سؤال الحقيقة: ماذا حدث للإنسان حين انهارت الوعود؟ وَمَن دفع ثمن الفارق بين الخطاب والواقع؟ الجواب: الناس، دائمًا الناس.
المشكلة ليست بنقاش أن الحرب فيها خسائر، ولا أن الخطط العسكرية قد تفشل. فكل الحروب تعرف التراجع والتقدم، والنجاح والإخفاق، والانتصار والهزيمة. وهذا ديدَنها عبر التاريخ. المشكلة هي عندما تحول الخطاب السياسي والعسكري إلى يقين مُطلق، بحيث أصبح الاعتراف بالخطأ شبه مستحيل. فكلما اقترب الواقع من نقض الوعد، أُعيد تفسير الواقع بدل مراجعة الوعد. وكلما تبدلت المعادلة، تبدلت الكلمات. وكلما سقط شعار، وُلد آخر. من «نحمي ونبني» إلى «الله بدبّر». ومن الحسابات العسكرية إلى المواعيد الغيبية. ومن الوعود بالنتائج إلى: «نحن نقوم بواجبنا الأخلاقي ولسنا معنيين بالنتائج». ومن الحديث عن الحسم إلى أن هناك توقيتًا آخر أو تدبيرًا لا يراه الناس. وإنطلاقًا من هذا كله أصبح التراجع انتصارًا أو تكتيكًا عسكريًّا، وسقوط المقاتلين تضحيات ضرورية، وتأخّر النتائج عدم نضوج التوقيت. ومقابل خسارة القرى: «التشبّث بالجغرافيا أمر غير مهمّ في سياق المعركة».
قبل سنوات، كان الخطاب يقول، بثقة المنتصر الذي لا يشك في النتيجة: «انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود». لم تكن العبارة مجرد توصيف لمعركة، بل كانت صناعة صورة ذهنية كاملة: نحن الأقوى، نحن نعرف، نحن نملك المفاجأة، والعدو هو الذي يجب أن يخاف.
ومؤخّرًا، خرج علينا الشيخ نعيم قاسم في خطابه مستندًا إلى مفكّر يُدعى «موشي يائير»، وهي شخصية لا وجود لها بهذا الوصف في المصادر الإسرائيلية المعروفة، مما جعل الاستناد إليها مثالًا صارخًا على صناعة المرجع الوهمي. وهنا يحق لنا أن نستفسر: هل كان قاسم يخاطب أصحاب العقول والمفكرين حين اختار هذا الاسم؟ أم كان يراهن على جمهور يكتفي بتلقّي الرواية من دون بحث أو نقاش أو تدقيق؟ فالمسألة هنا ليست في اسم عابر رُمِي على شاشة إعلامية، بل هي في المنهج. حين أصبح الخطاب بحاجة إلى شخصيات وهمية تسند الرواية، فإن المشكلة تجاوزت الخطأ إلى أزمة في إنتاج أو عرض الحقيقة نفسها.
وهكذا بتنا أمام ما هو أخطر من الخسارة العسكرية والاجتماعية والأمنية والسياسية، وما هو أعمق من تبدّل المواقع على الخريطة. نحن أمام وضع بُنِي فيه وعي جيل كامل على اليقين المطلق، وعلى وعود لا تحتمل الاحتمال ولا الهزيمة. وهنا لم يعد السؤال فقط: ماذا حدث في الميدان؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا حدث لعقول الناس؟!
ماذا فعلت الشعارات الواهمة بالإنسان؟ لقد بنَت له أمانًا مستعارًا. لكن هذا الأمان له ثمن. وعندما سقط، لم يسقط وحده، بل سقط معه شيء من الثقة، وشيء من القدرة على تفسير ما يحدث. هناك عائلات فقدَت أبناءها وهي مقتنعة بأن المعركة محسومة. وطفل كبر وهو يسمع أن الخطر بعيد، ليجد أن الخطر أصبح في بيته. وشاب آمن أن القوة تحمي بيته، ثم اكتشف أن بيته نفسه أصبح ساحة حرب. وأهل قرى قيل لهم إنهم يعيشون في «بيئة حاضنة للنصر»، ثم وجدوا أنفسهم أمام قرى ممسوحة، وبيوت مهدَّمة، وأرزاق ضائعة، ونزوح وخوف ومستقبل مجهول.
مقابل هذا كله، ولردع المستفسرين عن السردية الوهمية، فإن السؤال الاستفهامي بات ممنوعًا بتهمة الخيانة والعمالة. هنا أصبحت القضية قضية مجتمع كامل فقَد القدرة على المحاسبة والنقد، فأصبح مجتمعًا محكومًا بتكرار الخطأ وتبرير الهزيمة بدل منع حدوثها، فاقدًا قدرته على رؤية الحقيقة.
إن السؤال عن آثار الوهم على الوطن يحتاج إلى شجاعة فكرية ونفسية. لأن الوطن ليس ملعبًا لتسجيل النقاط بين الشعارات، وليس مكانًا لتجربة النظريات. الوطن هو الأم التي تنتظر، والطفل الذي يخاف، والعامل الذي خسر عمله، والمزارع الذي خسر أرضه، والطالب الذي توقف عن دراسته، واللبناني الذي يريد أن يعيش يومًا طبيعيًّا بلا إنذارات ولا جنازات ولا خوف من الغد.
كيف يصبح «الله بدبّر» بديلًا عن المحاسبة؟ الإيمان شيء، والسياسة شيء آخر. أن يؤمن الإنسان بأن «الله يدبّر» أمره، فهذا شأن روحي عميق ومحترم. أما أن يتحول الإيمان إلى غطاء لغياب التقييم والمساءلة والمحاسبة، فهنا تكمن المشكلة. الله لا يعفي البشر من مسؤولية قراراتهم، والتوكل لا يعني إلغاء التخطيط والتدبير الإنساني، والإيمان لا يمنع المحاسبة. فالمسؤولية في النهاية بشرية، والقرار بشري، والحساب يجب أن يكون بشريًّا. وفي كل مرة يدفع المواطن الثمن، يقدم إليه: «الله بدبّر».
ألم يئِن الأوان لأن نتوقف عن صناعة الأبطال الذين لا يُخطئون، والقيادات التي لا تخسر، والحروب التي لا تنتهي إلّا بالنصر، والخطط التي لا تفشل، والمواعيد التي لا تتأخر إلّا لحكمة. لقد ضحّى الناس بما يكفي لأجيال قادمة، ولربما أكثر. ألم يحِن الوقت لأصحاب الشعارات أن يتوقفوا قليلًا عن شرح معنى الانتصار، وأن يبدأوا بشرح الثمن. وأن يقولوا للناس الحقيقة: هذه قُدراتنا، هذه حدودنا، هذا ما نستطيع فعله، وهذا ما لا نستطيع فعله. هنا أخطأنا، وهنا أصبنا، وهذا هو الثمن الذي دفعناه. لذلك حصلت الحرب. هذه أهدافها. هذا ما تحقق منها. وهذا ما لم يتحقق. هذا هو الثمن. ونحن نتحمل المسؤولية. ولن نكرر الكارثة.
نهايةً، الأوطان لا يحميها الوهم، ولا تنهض بالشعارات، بل بالحقيقة والمساءلة وشجاعة الاعتراف.




