كان إنشاء ستوديو بعلبك وريث «الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنيّة» في الستينيات من القرن الماضي. في ٢٠ حزيران ١٩٦٢ نُشر المرسوم الرئاسي القاضي بالترخيص بتأسيس «شركة ستوديو بعلبك» ش.م.ل؛ وفي ١ كانون الثاني ١٩٦٣ كان تاريخ تسلّم ستوديو بعلبك جميع أشغال الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنيّة وآلاتها وأجهزتها وأثاثها»؛ وفي أيلول ١٩٦٥ كان شراء العقارين رقم ٥٧٤ و٥٧٥ في منطقة المكلّس بمساحة تقريبية إجمالية تسعة آلاف متر مربع.
استمر الستوديو حتى عام ١٩٩٤ وكان له إسهامه الكبير في الإنتاج السينمائي والصوتي وما يرتبط بهما.
ظَلّ أرشيف هذه الأعمال وأطلالها طيّ النسيان حتى أواخر شباط ٢٠١٠، عندما ورد إلى جمعية «أمم للتوثيق والأبحاث» أن مبنى ستوديو بعلبك مُقبل على الهدم، وأن الجهة التي عُهد إليها بأعمال الهدم تملك التصرّف بما تبقّى من محتوياته. بناء عليه، ومتابعة لما تنشط به المؤسسة من جهد توثيقي وحفظ للذاكرة اللبنانية، تمكّنت «أمم»، من الاستحازة، على سبيل الأمانة، على شطرٍ من تلك المحتويات، وقِوامُ هذا الشَّطْرِ عَدَدٌ مِنَ الأشْرِطَةِ المُسَجَّلَةِ بالصّوت و/أو بالصورة، وقَدْرٌ مِنَ الوثائِقِ الورقيّة.
لأسبابٍ تقنيّة، في طليعتِها أنَّ «المُعَدّلَ العُمْريَّ» للأشرطَةِ المُصَوَّرّةِ المُعالَجَةِ كيميائيًّا أقْصَر بكثيرٍ من الوثائِقِ الورقيّة فَضْلاً عن اعتباراتٍ ذاتِ صِلَة بالخُطورةِ الماديّةِ التي يُمْكِنُ أنْ تَتَرتَّبّ على تخزينِ هذه الأشْرِطَةِ على نَحْوٍ عشوائي، سَعَتْ «أمم»، ما إنْ تَوَفَّرَتْ لها شروطُ القيام بذلك، إلى عَرْضِ هذه الأشْرِطَةِ على خَبيرٍ مَشْهودٍ له. ولهذه الغايةِ استضافَتْ خلال تموز ٢٠١١ الخبيرَ الألماني هيرالد براندس الذي عَمِلَ، بمساعدة مُتَطَوّعَين لبنانيَين، على تَفَحُّصِ الأشرطةِ وتصنيفها، وحتّى على إتلافِ البَعْضِ مِنْها لِمَا يعَرِّضُ لَهُ الإبقاءُ على هذه الأشْرِطَةِ الأشْرِطَةَ الأخرى من ضَرر. وفضْلاً عن الجَهْد اليدوي، وَضَعَ براندس في ختامِ مَهَمَّتِهِ تقريراً مفصَّلاً يُوصي فيه، في عِدادِ ما يُوصي بهِ، بالمُسارَعَةِ إلى نَسْخ هذه الأشْرِطَةِ مِنْ حوامِلِها المادّية إلى حَوامِلَ رقَمية.
أما الوثائِقُ الورقيّةُ التي تُعَدُّ بالآلافِ، فَعَمِلّتْ «أمم للتوثيق والأبحاث»، مُسْتَنِدَةً على ما راكَمَتْهُ مِنْ خبرةٍ في هذا المجالِ، على تخْزينِها على أَلْيَقَ ما يُمْكُنها، ثُمَّ باشَرَتِ التنقيبَ فيها تنقيبًا استطلاعيًّا تَبَيّن مَعَهُ أنَّ هذهِ الوثائِقَ مَنْجِمٌ حقيقيٌّ من المَعْلومات.
وبعد أن توفّر هذا المنجم الواعِد بين يديّها وجوابًا على سؤال «ما العمل؟» كتبت «أمم» في كتيِّب بعنوان «عن ستوديو بعلبك ومنازل لبنانية أخرى» أعدته لغرض الإعلان عنه وحمل توقيع كل من مونيكا بورغمان ولقمان سليم: «حَتْماً لا بُدَّ من المُحافَظَةِ على كل هذه الوثائق... من المُحافَظَةِ عليها أوَّلاً بالمعنى الحرفي للكلمة، ثُمَّ على مَعْنى تَصْنيفها وفَهْرَسَتِها وَوَضْعِها بِتَصرّف المُهْتمّين، بَلْ بِتَصرّف اللبنانيّين وغَير اللبنانيّين جميعًاً... ألَيْسَتَ جزءًا من تاريخِ هذا البَلَد وذاكِرَتِه؟».
وكإجابة عملية على هذا السؤال عرضت «أمم» في هذا الكتيّب بعضًا من موجودات هذا المِنجَم وعلّقت عليه بدءًا من سَرْد سيرة الستوديو كما وردت في أرشيفه. ثم عرضٌ لحادثة لها صلة مباشرة به وبأعمالِه وهي الانفجار الذي كان مشْهداً من مشاهد فيلم «كلّنا فدائيون»، والذي دوّى في ملهًى ليليّ في منطقة الحازمية وكان في عِداد قَتلاه المخرج الأرمني العراقي اللبناني هاري غاري غرابديان. ويتتبع أرشيف الستوديو حول الحادث يخطّ الكتيّب خطوط العلاقة التي قامت في ذاك الزمان بين «العمل الفدائي» الفلسطيني في شقّه «البصَري» وبين الستوديو الذي كان في أواخر الستينيات في خدمة «القضية». أما في القسم الأخير يَرصد الكتيّب تلك العلاقة التي كانت قائمة بين أمبراطورية يوسف بيْدس صاحب بنك أنترا وبين الستوديو الذي كان، كما يقول منطوق الكتيّب، جرمٌ صغيرٌ في تلك الأمبراطورية.

ستوديو بعلبك اليوم
بعد مرور ٦٠ عامًا على إنشاء ستوديو بعلبك، و١٣ عامًا من العمل في «أمم للتوثيق والأبحاث» على جمع وتبويب جبال من الأوراق والقصاصات والفواتير والقرارات والإعلانات وغيرها من المواد المكتوبة وتحليلها، وبعد العمل على جزء كبير من المواد السمعية والبصرية المحفوظة وبالتنسيق وبالتعاون مع «مؤسسة الأرسنال» في برلين، وبعد أن حصلت «أمم» في عام ٢٠٢٣ على منحة من القسم الثقافي في وزارة الخارجية الألمانية، أعلنت «أمم» في خريف ٢٠٢٣ عن سلسلة فعاليات تهدف إلى إبراز عناصر هذا الأرشيف ووضعها قيد التداول البصري واللفظي والفني والثقافي، وكان من المفترض أن تكون هذه الفاعليات في بيروت وأن تحمل عنوان «الاحتفال بمرور ٦٠ عامًا على ستوديو بعلبك».
تمّ تحديد هذه الفاعليات على شاكلة معرض، يفتح أبوابه مطلع تشرين الثاني، يعرض مجموعة مختارة من موادِ سمعية وبصرية رقمية تتضمن النسخة الأولية من أفلام وتقارير ونشرات سينمائية إخبارية وإعلانات.
تقدم هذه المجموعة نافذة تطل على مشاهد حياتية متنوعة من لبنان في ستينيات القرن الماضي من جلسات برلمانية ومسيرات سياسية ومسابقات جمال وحفلات زفاف إلى مشاهد لبيروت وشواطئها وحفلاتها ومعارضها. بالإضافة إلى هذه المواد السمعية والبصرية المُرمّمة بعناية، يحتوي هذا المعرض على مجموعة من الوثائق الأرشيفية جُمعت من كل أقسام الشركة؛ وثائق تقدّم نظرَة معمّقة عن سير عملية الإنتاج القائمة في الأستوديو وتظهر المراسلات بين العملاء والمنتجين وتبيّن تأثير المناخات السياسية المتحوّلة على الشركة وسياستها. وتظهر حياة الموظفين وتتناول الظروف التي مرّت بها الشركة وصولًا إلى حين إقفالها. وتجدر الإشارة إلى أننا كنا قد أعلنّا عن هذا المعرض على صفحات العدد السابق من هذا المنشور.
يلي المعرض نقاشات تحط رحالها في «مركز مينا للصورة» وتبحث في جلساتها المختلفة مواضيع متعدّدة كصناعة الأفلام وصنّاعها، وعملية معالجة الأرشيف وبنائه، ولقاءات مع المتخصّصين الذين عملوا عليه في «أمم»، بالإضافة إلى لقاءات مع موظفين سابقين وأبناء موظفين سابقين مُتوفّين عملوا في الاستوديو في مراحله المختلفة، كما تدور هذه النقاشات أيضًا حول ولادة الأستوديو الصوتية أولًا وحول أفلام الثمانينيات وسماتها وأخيرًا تعرض حلقات النقاش مسألة «رقمنة» مجموعة ستوديو بعلبك. وتُتوّج هذه الفاعليات بحفل سينمائي في كانون الأول.
أدّت الأوضاع الأمنيّة والعسكرية الحالية في لبنان إلى تأجيل إطلاق هذا المعرض إلى نهاية العام على أن يتم الإعلان عن ذلك لاحقًا.


يُعرض في هنغار «أمم»، وبمناسبة مرور خمسين عامًا على اندلاع الحرب الأهلية، معرضًا يحمل عنوان «حادثة واحدة، حروب كثيرة».
