.jpg)
ولعلَّ أحد أهمِّ الدَّوافعِ وراء تبنِّي التَّفسيرات ذات النَّزعة الحتميَّة هو التَّعارضُ الأقصويّ بين الواقع الموضوعيِّ والصُّورة المُتخيَّلةِ عن الذَّاتِ بحيثُ يبحثُ العقلُ الجمعيُّ عمَّا يُخفِّفُ عنه وطأةَ هذا التَّعارُض. بعبارةٍ أُخرى، يُشكِّلُ هذا التَّبنِّي مُحاولةً للحفاظ على المعالِمِ الكُبرى للصُّورةِ المُتخيَّلةِ عن الذَّاتِ دون اعتبارٍ كبيرٍ لبعضِ القناعاتِ التي تغدو تفاصيلَ ثانويَّةٍ عندَ الأزمات أو الانهيارات بعدَ أن كانت من أساسيَّات الخطاب العام قبل ذلك. فالجماعاتُ عمومًا، والجماعات العقائديَّة على وجه الخصوص، قد تلجأ إلى ما يُمكن تسميتُه بـ«آلية إعادة ترتيب الأولويَّات» في محاولةٍ منها لاستيعاب هذا التَّعارض المُسبِّبِ للأزمةِ الوجوديَّة. والعلاقةُ هُنا بين شدَّة تعارض الواقع مع الصُّورة المُتخيَّلة وبين آلية إعادة ترتيب الأولويَّات هي علاقةٌ طرديَّةٌ بحيث كُلَّما كان التَّعارضُ أقصويًّا يزدادُ المَيلُ إلى التَّخَفُّفِ من بعض الأولوياتِ. وحين يكون التَّعارضُ في ذروتِه، يكونُ «البقاءُ» هو الأولويَّة العُليا وأحيانًا الوحيدة.
وفقَ الإطار النَّظري أعلاه يُمكن قراءة التَّحوُّلات الكُبرى في السَّرديَّات التي تبنَّتها بعضُ الشَّرائح في مجتمع «حزب الله» بعد الحرب الأخيرة. ففي خطٍّ موازٍ للتَّعاملِ مع قرار الحزب بدخول الحرب بوصفِه خيارًا سياسيًّا قابلًا للنِّقاش والتَّقييم ومُستوجِبًا للمُحاسبة بعد النتائج الكارثيَّة التي أنتجها، لا بُدَّ أيضًا من محاولةِ تفسير أسباب توجُّه مُجتمع الحزب إلى تأطير قرار دخول الحرب ومسار هذه الحرب ونتائجها ضمن سرديَّةٍ حتميَّةٍ مفادُها أنَّ ما جرى كان لا بُدَّ له أن يجري، وأنَّ البديل عمَّا جرى لم يكن سوى مسارٍ مختلفٍ للنتيجةِ نفسِها. على حدِّ تعبيرِ أهلِ التَّصوُّفِ، «ليس في الإمكانِ أبدعُ ممَّا كان». ففي حين أنَّ الحالة المُفترضة عقب فشل أي مشروع هي مراجعة هذا المشروع كاملًا؛ بدءًا بالأسس التي قام عليها مرورًا بالمسار الذي سلَكه وصولًا إلى نتائجه وآثاره، نرى أنَّ مجتمع «حزب الله» يعمدُ بدلًا من ذلك إلى «إعادة تأويل» الواقع ليتناسب مع المشروع المذكور. بالتَّالي، السؤالُ هُنا ليس عن صحَّةِ السَّرديَّة أو عدمِها، بل عن الوظيفةِ التي تؤدِّيها مثلُ هذه السَّرديَّات في الحفاظِ على تماسكِ الصُّورةِ المُتخيَّلةِ عن الذَّاتِ[١] أمامَ الواقعِ الذي يتعارضُ بشكلٍ جذريٍّ ليس مع هذه الصُّورةِ وحسب، بل مع كل «الوعود» و«السيناريوهات» التي انبثقت عن هذه الصُّورةِ، وتحديدًا في مسألتَيْ صراع «حزب الله» مع «إسرائيل» وموقعه في المحور الإيراني. طبعًا، ليس بالضَّرورة أنَّ هذه التحوُّلاتِ موجودةٌ كُلَّها في الخطاب الرَّسميِّ لـ«حزب الله»، إنَّما محلُّ النِّقاشِ هُنا هو مُجتمعُ الحزب، أو «البيئة»، وما تتعرَّض له من ضخٍّ إعلاميٍّ موجَّهٍ، أو غير موجَّهٍ، يضغطُ باتِّجاه تبنِّي هكذا سرديَّات.
[١] حول الصُّورة المُتخيَّلةِ عن الذَّات، راجع: «الشّيعيّة السياسيّة وشخصيّة الجماعة المتعالية في لبنان»، نجيب العطار، موقع «جنوبية»، ٠٨ أيلول ٢٠٢٥. وأيضًا: «الشيعية السياسية ضدَّ معارضيها: تأملات في عشر سنين من العنف»، نجيب العطار، صادر عن مؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث»، ص: ١٧-٢٧.
بدأت عملية «طوفان الأقصى» صباح ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، وبدت، للوهلة الأولى، كأنَّها اللَّحظة التي ينتظرُها «حزب الله» للبدء في تنفيذ «خططه» لاحتلال الجليل. وشعور مجتمع الحزب هذا كان جزءًا من شعور عام في البلاد العربية والإسلامية بأنَّ «الوعد الإلهي» بزوال «إسرائيل» قد جاء. قبل ذلك الصباح، كان الشُّعور بفائض القوَّة في ذروتِه لدى مجتمع «حزب الله»، حتَّى أنَّه كان رائجًا في تلك الفترة، وفي الأيام الأولى بعد «طوفان الأقصى»، مسألة انتقاء المنازل الإسرائيلية في الجليل للاستحواذ عليها بعد أن «يفوتوا الشباب ع الجليل»، وأقلَّ منها مسألة «سبي الجنديات الإسرائيليَّات»، والقِلَّة هُنا ليست لأنَّ «سَبي» الجُنديات فوق قُدرة شعور القوَّة، بل لكون الشعار يتعلَّق بالمسألة الجنسيَّة وما يحملُه الاسترسال فيها من «محاذيرَ شرعيَّةٍ».
هذه الأمور، وإن كانت تُلقى غالبًا، وليس دائمًا، على سبيل الدُّعابةِ إلَّا أنَّها في الوقت نفسِه تُعبِّرُ عن الشُّعور بفائض القوَّة والتَّفوُّق ليس على الدَّاخل اللُّبنانيِّ أو المنطقة فحسب، بل على العالَم كلِّه. يُضافُ إلى هذا شعارات: «طرد الأميركيين من المنطقة»، «إزالة إسرائيل من الوجود»، «إسرائيل واقفة ع إجر ونص»، «جاؤوا عموديًّا ويعودون أفقيًّا» في إشارةٍ إلى الجنود الأميركيين الذين سيعودون في التوابيت إلى أميركا، وغير ذلك من الشعارات التي رفعها الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»، حسن نصرالله، والتي كانت جزءًا أساسيًّا من الخطاب الرَّسمي لـ«حزب الله». حتَّى أنَّ نصرالله نفسه سخرَ في أحد خطاباته من تقرير نشرته إحدى الصُّحف يتحدث عن أنَّ قيادات وكوادر الصف الأول والثاني في «حزب الله» سيُقتلون، ونصَح الصحيفة بأن تصنع من كاتب التقرير «كاتب سيناريو لشي فيلم سينمائي خيالي». وكذلك تأكيد الأمين العام السابق، هاشم صفي الدين، أنَّ نصرالله سيكون مع الذين سيدخلون إلى الأقصى في مقابلة له مع قناة «المنار». قد يكون هذا الخطابُ الرَّسميُّ وليدًا طبيعيًّا لصورتهم عن الذَّات ولشخصيَّتهم المُتعاليَّة، وقد يكونُ أيضًا مُجرَّدَ تغذيةٍ وتحفيزٍ للصُّورة والشَّخصيَّة الموجودتين لدى المُجتمع دون اقتناعٍ حقيقيٍّ من قِبل القيادة، وهو احتمالٌ ممكنٌ وإن كان ضعيفًا نسبيًّا.
جديرٌ بالذِّكر والتَّذكير أيضًا أنَّه بتاريخ ٢١ أيَّار ٢٠٢٣ في أجواء «عيد المقاومة والتحرير»، أي قبل حوالي خمسة أشهر فقط على «طوفان الأقصى»، أقام «حزب الله» مناورةً عسكريَّةً في بلدة عرمتى - قضاء جزين، وذلك بحضور «مئات الصحافيين والمصوّرين، في أكبر حشد إعلامي يشهده حدَث مقاوم منذ سنوات طويلة»، بحسب قناة «المنار» التي وصفت المناورة بأنَّها «تعدّ من الأكبر [التي] يقيمها أمام وسائل الإعلام، تخللها عرض عسكري ومحاكاة لهجمات تستهدف الكيان الصهيوني عبر طائرة مسيّرة أو الاقتحام» إضافةً إلى محاكاة لعملية أسر جنود إسرائيليين، كما رفعت شعارات مثل «قسمًا سنعبُر» و«قسمًا إسرائيل إلى زوال» و«قادمون». وكانت المناورة بحضور رئيس المجلس التنفيذي في الحزب آنذاك والأمين العام لاحقًا، هاشم صفي الدين الذي هدَّد بـ «إمطار إسرائيل» بالصواريخ الدقيقة، قائلًا ما نصُّه: «إذا كان هناك من يفكر اليوم في الكيان الصهيوني بارتكاب حماقة، بتجاوز قواعد اللعبة، وهو يعلم ماذا نعني وماذا نقصد، سوف نُمطر هذا الكيان بصواريخنا الدقيقة وبكل أسلحتنا المتوفرة بين ايدينا».
حين تسخرُ المُجتمعات من أمرٍ لا يبدو في ذاته محلَّ سُخريةٍ بقدرِ كونِه باعثًا على الحذر والاستعداد؛ هذه السُّخريةُ الجماعية، إن جاز التعبير، تعكسُ أمرًا من اثنين: إمَّا العجز وإمَّا الشُّعور بالتَّفوُّق. فالسَّاخرُ حين يسخرُ من شيءٍ يعجزُ عن مواجهته يعمدُ بذلك إلى تعويض نفسيٍّ عن هذا الشعور بالعجز من خلال السُّخرية، فالذي يسخرُ من الأمر يحاولُ أن يبدو كما لو أنَّه أقوى منه. وثمَّة في الدراسات الاجتماعية رأيٌ يقول إنَّ السُّخريَّة عندَ العجز هي نوعٌ من المُقاومة المُستترة، إن جاز التعبير، للأمر الذي يعجز الشعب عنه. والباعث الثَّاني على السُّخريَّة هو الشُّعور بالتفوُّق على المسخور منه، بخاصَّةٍ حين يكون هذا المسخور منه شعبًا أو حكومةً أو كيانًا مُعاديًا. من هُنا، يُمكن ملاحظة شعور فائض القوَّة الذي أصاب مجتمع «حزب الله» تجاه «إسرائيل» من خلال الشِّعارات المذكورة أعلاه من جهة، ومن خلال حالات السُّخريَّة الجمْعية التي كانت تُرافق أيَّ تهديدٍ يصدر عن «إسرائيل».
بتاريخ ١٢ حزيران ٢٠٢٢، أي قبل حوالى سنةٍ وأربعة أشهر على بدء الحرب، نقلَ أحدُ المواقع ذات الانتشار الواسع بين جمهور «حزب الله»[١] عن قناة «العربية» خبرًا نصُّه التالي: «العربية: رئيس أركان جيش الإحتلال "يلمح" لاحتمالية وقوع حرب مع لبنان ويهدّد بقصف مدمّر وواسع إذا وقعت الحرب و"سنعطي تحذيرًا مسبقًا لسكان الحدود اللبنانية للمغادرة قبل اندلاع أي حرب"». تفاعل مع المنشور حوالى ٦ آلاف حساب، من بينها حوالى ألف وثمانمئة تفاعُل ضاحك؛ أي ما نسبته حوالى ٣٠%. أمَّا التعليقات فالجزء الأكبر منها كان ساخرًا من التهديد. أحد التَّعليقات كتب: إنَّ الحرب ستعني زوال «إسرائيل» وذلك بناءً على وعود الأمين العام للحزب حينَها؛ تعليقٌ آخر يتساءل عن الطريقة التي سيبلِّغ فيها الجيش الإسرائيلي سكَّان القرى الحدودية للمغادرة إذْ لم يكن في ذهنِ أحدٍ أنَّ «التَّحذير المُسبق» سيكون عبر خرائط مُحدَّدة أحيانًا وشاملة لقرى ومحافظات أحيانًا أخرى؛ تعليقٌ آخر يعتبرُها مجرَّد «حرب أعصاب»؛ آخر يرى أنَّ «إسرائيل» لن يكون معها الوقت لـ«تعطو انذار» لأنَّها ستكون قد اشتعلت مع بداية الحرب؛ آخر كتب ساخرًا «حدا يقلّو إنو نحنا بدنا الحرب أكتر منو» مع وجهين ضاحكين؛ جزء منها ساخر من قَبيل «ما في شي ليضربوه أصلًا» وهي فكرة أساسًا كانت موجودة قبل الحرب حين كانت «إسرائيل» تهدِّد بـ«إعادة لبنان إلى العصر الحجري»، كان الكثير يقول ساخرًا ما مفادُه إنَّنا أساسًا في العصر الحجري. إضافةً طبعًا إلى وجود تعليقات من معارضين لـ«حزب الله» يسخرون من الساخرين ومن الحزب و«قوَّته» المزعومة. لكن في العُموم يمكن تصنيف تعليقات مجتمع «حزب الله» بأنَّها تراوحت بين السُّخرية من التصريح والثِّقة بقدُرات وإمكانية «حزب الله». وتجدرُ الإشارة إلى أنَّه خلال كتابة هذا النص ثمَّة موجةٌ من العودة الجمعية إلى تلك التعليقات وثمَّة ما يُشبه تلاوة فعل النَّدامة وإن كان بصورةٍ ساخرةٍ أيضًا. على سبيل المثال، ترك أحدُهم تعليقًا للذي قال بأنَّه يريد الحرب أكثر من «إسرائيل» يسأله فيه ضاحكًا: «بعدك بدَّك الحرب أكثر منه». كما يُعيدُ مُعارضون لـ«حزب الله» نشر هذا المنشور مع عباراتٍ ساخرةٍ من تلك الصُّورة المُتخيَّلة عن الذات ومن ذلك الشعور بفائض القوَّة.
المُرادُ من كلِّ هذا، أنَّ التَّعاطي مع الحرب لتقييم نتائجها لا بُدَّ أن ينطلق من أنَّ «حزب الله» دخل الحرب وهو يحملُ هذه الصُّورة عن نفسه، أو يروِّجُ لها بالحدِّ الأدنى. وحين ابتهجَ أنصارُه وبرَّروا دخوله الحرب، إنما فعلوا ذلك وفي ذهنهم هذه الصُّورة عن ذاتهم وعن حزبهم.
[١] لكون الهدف من المثال هو التوضيح وإعطاء نموذج فعلي حول الفكرة رأينا أنَّه من الأنسب عدم الإفصاح عن اسم الموقع الإخباري حفاظًا على خصوصيَّة أصحاب التَّعليقات.
في ٨ تشرين الأوَّل ٢٠٢٣ اتَّخذ الحزب قرارَه بدخول الحرب تحت عُنوان «إسناد غزَّة». والجديرُ بالذِّكر أنَّ استخدام عبارة «دعماً لشعبنا الفلسطيني الصامد في قطاع غزة وتأييداً لمقاومته الباسلة والشريفة» في البيانات العسكرية الصادرة عن «الإعلام الحربي» لم يبدأ إلَّا في ٩ تشرين الثاني ٢٠٢٣، أي بعد أسبوعٍ تقريبًا على الخطاب الأول لنصرالله بعد الحرب، الذي ألقاه في ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٣، في حين أن عبارة «على طريق القدس» كانت موجودة في بيانات نعي العناصر قبل ذلك.
حظي قرار دخول الحرب بتأييدٍ وحماسٍ هائلَين لدى مجتمع «حزب الله»، بل يجوز القول إنَّ حماس المجتمع كان أكبر بكثير من حماس الحزب نفسه. فالحزب الذي دخل بعملياتٍ خفيفةٍ إلى حدٍّ جعلها محطَّ سُخريَّة حيثُ سمَّاها البعضُ ساخرًا بـ«حرب العمود»، في مُقابلِ جمهورٍ كان يجوب شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت بمسيراتِ تأييدٍ لغزة ويهتفُ بالنشيد الشهير الذي أطلقه مُنشد «حزب الله»، علي بركات، بعد أسبوعٍ تقريبًا على عملية «طوفان الأقصى»، وهو نشيد «منشان الله يا سيِّد يلَّا»[١]. وتبريرُ هذا الحماس للحرب يتكوَّن من مستويين، خاص وعام. الأول يتعلَّق بمجتمع «حزب الله» نفسه الذي ظنَّت شرائح منه أنَّ هذه هي حرب التحرير، أي بداية الفصل الأخير من فصول «الانتصارات» المُتلاحقة في سوريا والعراق واليمن. ولكن ثمَّة مجالٌ أيضًا لتفسير هذا الحماس لتصعيد الحرب بأنَّه ناتجٌ عن رغبةِ هذا المجتمع في أن يكون جزءًا من هذه العملية غير المسبوقة. فإطلاق هذه الـ«يلَّا» بعد دخول «حزب الله» فعليًّا في الحرب يُشبه ردَّة فعل مُتعاطي مخدّرات عتيق على جرعةٍ ضعيفةٍ لا تُشبعُ رغبتَه فيطلبُ جرعةً أكبر. بعبارةٍ أخرى قد يكون شعور فائض القوَّة في ذاته دافعًا نحو هذا الحماس، وأيضًا قد تكون الشَّخصيَّةُ المُتعاليَّة لهذا المُجتمع اعتبرت «طوفان الأقصى» مسًّا بشعور فائض القوَّة، فـ«اجتياح إسرائيل» الذي كان «حزب الله» يهدّد به، قامت به حركة «حماس» أوَّلًا، لذلك لم تُشبِعْ عمليات الحزب المحدودة رغبةَ هذا المُجتمع في «احتلال الجليل» واقتناء المنازل هناك. وأكيدٌ أنَّ الذي حمل هذا الحماس، وردَّد هذه الـ«يلَّا»، لم يكن مُدركًا لعواقبهما لأنَّه لم يكن يبني ذلك على مُعطياتٍ دقيقةٍ وإنما على صورةٍ مُتخيَّلةٍ عن الذَّات وشخصيَّةٍ مُتعاليَّةٍ ذاتِ رصيدٍ كبيرٍ من «الانتصارات» والإنجازات.
المستوى الثَّاني من تبرير الحماس يتعلَّقُ بسجال مجتمع «حزب الله» مع مُعارضي قرارِه بدخول الحرب. وهذا مستوًى مُتحرِّك يتغيَّرُ بشكلٍ مستمرٍّ تقريبًا ليواكب حالة التعارض بين الواقع الموضوعي والصُّورة المُتخيَّلةِ عن الذَّات. فمع بداية الحرب كان مجتمع الحزب يبرِّر القرار بتبريراتٍ أخلاقيَّةٍ والتزاماتٍ دينيَّةٍ تُحتِّم عليهم «نُصرةَ» الأطفال والنِّساء مع افتراضٍ ضمنيٍّ بأنَّ المُعارضين لهم غيرُ معنيين، مثلهم، بـ«تحرير القدس». وفي البداية، أمام الوتيرة المُنخفضة والآثار «المقبولة» نسبيًّا للحرب في لبنان من جهة، وأمام الوحشيَّة والدَّمويَّة غير المسبوقتَيْن في الهجوم الإسرائيلي على غزَّة؛ أمام كُلِّ هذا، كان التَّبريرُ الأخلاقي ذا وقعٍ ضاغطٍ على أيِّ رأيٍ مُعارضٍ لقرار الحزب بدخول الحرب. لكن مع بداية ارتفاع وتيرة الحرب في لبنان، وتحديدًا مع بداية اغتيال كوادر الوسط في قيادات «حزب الله»، كوسام الطويل (٨ كانون الثاني ٢٠٢٤ - خربة سلم)، طالب سامي عبدالله (١١ حزيران ٢٠٢٤ - جويا)، محمد نعمة ناصر (٣ تموز ٢٠٢٤ - صور) وغيرهم مرورًا باغتيال رئيس أركان الحزب فؤاد شكر (٣٠ تموز ٢٠٢٤ - حارة حريك)، وصولًا إلى بداية الحرب الشَّاملة في ٢٣ أيلول ٢٠٢٤، والتي سبقتها تفجيرات أجهزة الـPagers واللاسلكي يومَيْ ١٧ و١٨ أيلول واغتيال قادة «وحدة الرَّضوان» يوم ٢٠ أيلول وما جرى بعد ذلك؛ هذه الفترة شهدت خفوتًا كبيرًا في التبرير الأخلاقي لقرار الحرب وصعود التبرير الأمني/ السياسي الذي يفترضُ ضمنيًّا أنَّ «إسرائيل» ستشنُّ حربًا على «حزب الله» كالتي شنَّتها حتَّى لو لم يدخل الحزب في الحرب يوم ٨ تشرين الأول، وبالتَّالي لم يكن قرارُه خيارًا أمنيًّا/ عسكريًّا وسياسيًّا وحسب، بل ضرورةً يهدف من خلالها بالدَّرجة الأولى إلى إفقاد «إسرائيل» عُنصر المُفاجأة على «جبهة الجنوب». وبدأت تعلو نبرة عبارات مثل: «كانوا رح يخلصوا من غزة ويجوا ع لبنان»، «لو ما فتنا الإسرائيلي رح يفوت»، «الإسرائيلي مخطط للحرب من زمان»، وما شابه ذلك من عبارات تحملُ معنًى واحدًا هو حتميَّة ما يجري!
[١] مطلع النشيد في الأساس هو عبارة «منشان الله يا غزة يلَّا» التي ردّدها متظاهرون فلسطينيون في المسجد الأقصى عام ٢٠٢١ في أعقاب أحداث حيّ الشيخ جرَّاح في «القدس الشرقية» والتي أدّت بدورها إلى اشتعال حرب العام ٢٠٢١ بين «إسرائيل» و«حركة حماس».
بدايةً، لا بُدَّ من تمييزٍ ضروريٍّ بين الحتميَّة التي تحملُها سرديَّةُ مجتمع «حزب الله» عن الحرب وبين الحتميَّة بمعناها الفلسفي الذي يشترطُ وجودَ سلسلةٍ منَ المُقدِّمات والأسبابِ التي تجعلُ من مسارٍ أو حدثٍ ما أمرًا حتميًّا. فحتميَّةُ «حزب الله»، إن جاز التَّعبير، أكثرُ مَيْلًا إلى الجَبريَّةِ ويجوزُ الاصطلاحُ عليها بـ«الحتميَّة التَّبريريَّة»؛ أي أنَّها لا تقومُ بتحليلِ المَسار الذي سارتْ فيه الأمور حتَّى وصلت إلى ما وصلت إليه، بل تَقومُ بإسقاط الجدوى عن المسارات البديلة التي كان مُمكنًا اتِّخاذُها. بالتَّالي، لا تبحثُ هذه الحتميَّةُ في ما إذا كان قرار الدُّخول في الحرب قد ساهمَ في الوصول إلى النَّتائجِ، بل تفترضُ ضمنًا أنَّ النَّتائجَ كانت قائمةً بذاتِها وأنَّ القرار لم يُغيِّرْ سوى مسار الوصول إليها. لذلك، هي أقربُ إلى الجبريَّة لا من حيث المعنى الدِّيني للجبريَّة، بل من حيث الوظيفة النَّفسيَّة والسِّياسيَّة التي تؤدِّيها الجبريَّة.
فالجبريَّةُ هُنا تعفي المُعتقدَ بها من تحميل «حزب الله» مسؤولية هذه النَّتائج الكارثيَّة، وتعفيه بالتَّالي من صراعٍ طويلٍ مع معتقداته وأفكاره التي لم يختَرْها بقدر ما أنَّه نشأ وتربَّى عليها حتَّى صارت جزءًا من هويَّته وشخصيَّته. والثَّقافةُ الدِّينيَّة العامَّةُ تُساعدُ بشكلٍ كبيرٍ جدًّا على دفع العقل الجمْعي نحو التَّحيُّز إلى هذه الحتميَّة التبريريَّة، في حين تُساعدُ الثقافة الشِّيعيَّة التي تحملُها الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ عمومًا على التَّخفيف من حجم الكارثةِ من خلال استحضار «المُصيبة العُليا»، أي كربلاء و«مصاب أهل البيت». وهُنا تكمنُ خطيئةُ «حزب الله» من جهة، وصعوبة الخروج من هذه الكارثة من جهة ثانيةٍ، ذلك لأنَّ أسباب الكارثة ليست شيئًا فُرضَ على هذا المُجتمع، وتحديدًا على الأجيال الجديدة من مجتمع «حزب الله»، بل هي أفكارٌ وتصوُّراتٌ تربَّتْ عليها أجيالٌ من هذا المُجتمع، والخروجُ منها يتطلَّبُ أنْ ينقلبَ كُلُّ فردٍ على ذاته وعلى ما نشأ وتربَّى عليه، والأهم أنَّه يحتاجُ إلى انقلابٍ على مرجعيَّاتِه الرَّمزيَّة والفكريَّةِ كُلِّها. إضافةً إلى ذلك، يُعدُّ انقلابٌ كهذا خطوةً ستفتحُ بابًا لصراعٍ مع «الجماعة» و«المُجتمع» بما يحمله ذلك من «غُربةٍ» وكلفةٍ كبيرةٍ أمام مُجتمعٍ تربَّى جيِّدًا على «مُعاقبة» الخارجين عنه.
وفقَ هذا المفهوم، بدأ توجُّه مُجتمع «حزب الله» نحو التَّبرير الحتميِّ للحرب بعدَ أن بدأت كلفة الحرب تزداد بشكلٍ كبيرٍ. وحين تكون النَّتائجُ واحدة بغضِّ النَّظر عن أسبابِها، حينَها يسقطُ المعنى أصلًا وراء السُّؤال: «هل كان قرار دخول الحرب صحيحًا؟». ويتحوَّلُ النِّقاشُ دائمًا نحو سؤال: «هل كان ممكنًا أصلًا ألَّا يحدث ما حدث؟»، أي أنَّ النقاش يتحوَّل من مناقشة القرار إلى مناقشة النتائج بمعزلٍ عن القرار الذي سبَّبها. وبالتَّالي، يُصبحُ مُتِّخذُ القرار أقلَّ قابليَّةً للمُحاسبةِ لأنَّه لا يُقدَّمُ كمُختارٍ بقدرِ ما أنَّه مُضطَّرٌ أو محكومٌ بمسارٍ لا يُمكن تجنُّبه، وبالتَّالي لا معنى كبيرًا لفعلِ الاختيار ولطبيعة الخيار. وهُنا، تظهرُ الإشكاليَّةُ التي تُرافقُ هذه الحتميَّة: إذا كان ما جرى سيجري في مُطلق الأحوال، فما هو معنى وجود «حزب الله» أصلًا؟ ما هو مُبرِّرُ وجود حزبٍ يطرحُ نفسَه كمُدافعٍ عن هذا المُجتمع في حين أنَّه غير قادر على فعل ذلك؟ أليس وجودُ «حزب الله» وعدمِه سواءٌ أمام هذه الحتميَّة؟
أمام الإشكاليَّات أعلاه، لا بُدَّ من البحث عن معنى وجود «حزب الله» وشرعيَّة هذا الوجود بدلًا من مُحاسبةِ الحزب على فشلِه في المهمَّات التي طرحَها كمُبرِّرٍ ليس لوجودِه العسكريِّ وحسب، بل لوجودِه السِّياسيِّ أيضًا. ففي المهرجان الانتخابي الذي أقامه «حزب الله» في البقاع بتاريخ ١٣ أيار ٢٠٢٢، أي قبل يومين من موعد الانتخابات النيابية، تحدث الأمين العام الأسبق للحزب، حسن نصرالله، قائلًا ما نصُّه: «صار عنوان المعركة هيدا الإصبع[١]، إنو ١٥ أيار بدنا نكسر هيدا الإصبع. قيمة هيدا الإصبع أنه يعبِّر عن خياراتكم السِّياسيَّة التي ترفض الذُّل والخضوع والهَوان. اللي بيحمي هيدا الإصبع وبخلِّي هيدا الإصبع مرفوع؛ علامة للحضور، علامة للنصر، علامة لإلحاق الغيظ في قلوب كل الأعداء، هو أصابعكم يوم الخامس عشر من أيَّار». فأمام هذا التباعُد بين أهداف «حزب الله» ونتائج أدائه، لا بُدَّ من البحث لا عن وظيفةٍ تُعطيه الشَّرعيَّة، بل عن «إنجازٍ» يُعطي الشَّرعيَّة والتَّبرير للتَّمسُّكِ بـ«حزب الله» وخياراته ونظامِه من جهة، ويُسقطُ الإشكاليَّات أعلاه من جهةٍ ثانية.
من هُنا يُمكن تفسير منشأ الخطاب الذي تجوزُ تسميتُه بـ«خطاب دَرْءِ المَفسَدة»، وهو خطابٌ يقومُ على افتراضِ وجودِ شيءٍ ما أكثرَ سوءًا ممَّا جرى وأنَّ «حزب الله» قام بمنعه من خلال قراره بدخول الحرب في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، والأهم أنَّه منعه من خلال أدائه في الحرب. وظيفةُ هذا الخطاب ليست موجَّهةً لخصوم الحزب بقدر ما أنَّها تعني أنصارَه أنفسَهم. فصحيحٌ أنَّه محاولةٌ للرَّدِّ على منتقدي الحزب والمعترضين على قراراته، لكنَّها أيضًا محاولةٌ لإعطاء معنًى لتمسُّكِهم بـ«حزب الله» كحزبٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ وظيفتُه المُفترضةُ هي حمايتهم، وهو الشِّعار الذي طرحه الحزب في حملتَيْن انتخابيَّتَيْن على التَّوالي: «نحمي ونبني» عام ٢٠١٨، و«باقون نحمي ونبني» عام ٢٠٢٢، ولا يُضيرُهم أن يكون شعارُ الحملة المُقبلة «مستمرُّون نحمي ونبني»!
وأحد أبرز وأهمّ سِمات هذا الخطاب أنَّه، بصورةٍ أو بأُخرى، خطابٌ غيبيٌّ يعتمدُ على المِخيال أكثر من اعتمادِه على وقائع ملموسة. وهذه السِّمة تمنحُه مرونةً مُخيفةً على التَّحرُّكِ مع الواقع، بحيثُ كلَّما ازداد الوضعُ سوءًا توسَّعَ بدورِه ذاك «الأسوأ» المُتخيَّلُ. فكثيرًا ما يجد المُتابع في سجالات أنصار «حزب الله» مع خصومه، أو في حواراتهم بين أنفسهم «يشطحون» في تخيُّلِ الواقع كم كان سيكون قاسيًا وسيِّئًا لو لم يكن «حزب الله» موجودًا! فمثلًا لو لم يكن «حزب الله» موجودًا كان الجيش الإسرائيلي سيتناول الغداء على نهر العاصي، أو في بيروت على الأقل، لكن بفضل وجود «حزب الله» اقتصرت الأضرار، أو «الانتصارات»، على مشاهدة الجيش الإسرائيلي نفسه مباريات كأس العالم في قلعة الشقيف. «حزب الله» هذا هو نفسه الذي كان يُخطِّطُ لاحتلال الجليل، وهؤلاء الأنصار هم أنفسهم الذين كانوا يختارون المنازل والجنديات الإسرائيليَّات. حتَّى الأمين العام الحالي للحزب، نعيم قاسم، لا يتردَّدُ بين مناسبةٍ ولا مناسبةٍ أن يُذكِّرَ بأنَّ «حزب الله» منع «إسرائيل» من تحقيق أهدافِها؛ «إسرائيل» نفسَها التي قال عنها قاسم نفسه ذات مرَّة أنَّه «خلصنا منها من زمان». وهُنا، يقومُ سؤالٌ طبيعيٌّ مؤدَّاه: بعدَ كُلِّ الذي فعلته «إسرائيل»، ما هي هذه الأهداف التي فشلت في تحقيقها؟
[١] الإصبع هنا هو سبَّابة نصرالله التي رفعها خلال حديثه، وهي إحدى حركاته المشهورة التي رافقته في كثيرٍ من خطاباته.
تُشكِّلُ الإجابةُ عن هذا السُّؤالِ مُدخلًا لـ«حزب الله» إلى تسويق خطاب الانتصار وتبريرِه. فإفشال أهداف «إسرائيل» هو انتصارٌ لـ«حزب الله»، وهدف «إسرائيل» كان واضحًا منذ البداية وهو «القضاء على الحزب» وقد فشلتْ في ذلك، وبالتَّالي لقد انتصر الحزب. بهذه الطريقة الحسابيَّة البسيطةِ قد يُجيبُكَ السوادُ الأعظمُ من أنصارِ «حزب الله». جوابٌ منطقيٌ جدًّا بقدر ما أنَّه غير واقعيٍّ أبدًا. وهو إنْ كان يدلُّ على شيءٍ فهو على أنَّ مسار الحرب فرَضَ على «حزب الله» ومجتمعه اعتماد آلية إعادة ترتيب الأولويَّات للتَّعامل مع الحرب. وهذه حالةٌ طبيعيَّةٌ، لكنَّها في الوقت نفسِه ليست حالةً سويَّةً بالمرَّة حين تُوضعُ في إطارٍ يهدفُ إلى تبرير الانتصار، أو عدم الفشل. فبعدَ أن كان الحديثُ قبل الحرب عن احتلال الجليل وتحرير القدس وما إلى ذلك من شعاراتٍ و«أهداف» صار «الصُّمود» و«البقاء» هو الانتصار في هذه الحرب التي دخلها الحزب بنفسِه ولم تُفرض عليه. وكذلك في دخوله الحرب للمرَّة الثَّانية في ٢ آذار تحت عُنوان «تغيير واقع الـ ١٥ شهرًا» فإذا به يخرجُ بواقعٍ أكثرَ مأساويَّةً وكارثيَّةً من حربٍ اختارها بنفسِه للمرَّة الثَّانية. وما ذُكرَ أعلاه عادَ بشدَّةٍ خلال هذه الحرب، بدءًا بالحتميَّة وصولًا إلى درء المفسدَة التي يُعبِّرُ عنها كثيرٌ من مسؤولي «حزب الله» وأنصاره على حدٍّ سواء بقولِهم «لن نعود إلى ما قبل ٢ آذار»، بنبرةٍ توحي بأنَّ ما بعدَ ٢ آذار أفضل ممَّا قبلها!
صحيحٌ أنَّ إعادة ترتيب الأولويَّات حالةٌ طبيعيَّةٌ حين يكون الخصم أو العدو أقوى من المُتوقَّعِ بحيث يفقد الواحدُ السَّيطرةَ على مُخطَّطه. لكن في الوقت نفسِه هي حالةٌ يُفترضُ أنَّها تدفعُ نحو مراجعةٍ وإعادةِ تقييمٍ للأداء. لكن في حالة «حزب الله» كان الواقعُ مُعاكسًا تمامًا حيثُ لم يتردَّدْ «حزب الله» في دخول حربٍ ثانيةٍ رغم تجربته الأولى. من هُنا، نرى أنَّ إعادةَ ترتيب الأولويَّات هذه ليست الحالةَ الطَّبيعيَّة المُفترضة، بل هي آليةٌ لاستيعاب التَّعارضِ بين الواقع والصُّورة المُتخيَّلةِ التي دخلوا الحرب بها. ويُمكن ملاحظة حجم التَّعارض وأقصويَّته من خلال اعتبار بقاء الحزب هو أولى الأولويات؛ الحزب نفسه الذي دخل الحرب بالصُّورة المذكورة أعلاه. بعبارةٍ أخرى، ليست المشكلة في أن تُعيد الجماعة ترتيب أولوياتها تحت ضغط الحرب، فهذا أمرٌ طبيعيٌّ حين تتبدّل موازين القوة ويخرج المسار عن التقديرات الأولى. المشكلة تبدأ حين تتحول الأولويات الجديدة، التي وُلدت بسبب الفشل أو تحت وطأة الكلفة، إلى معيارٍ ذي مفعولٍ رجعيٍّ للحكم على القرار الأول، وكأن الحزب دخل الحرب أصلًا من أجل الصمود والبقاء لا من أجل الإسناد والتحرير في الحرب الأولى وتغيير المعادلة في الحرب الثَّانية.
من البداهة أن يطرَح سؤالٌ هُنا عمَّا يمنعُ جمهور «حزب الله» من سلوك مسارٍ طبيعيٍّ في التَّعاطي مع فشل الحزب في تحقيق وعودِه، سواء بالنَّقد أو بالمُحاسبة. ولعل الجواب هُنا هو أنَّ العقل الجمْعيَّ لهذا المُجتمع غير مؤهَّل لمثل هكذا مسار. وهو غير مؤهَّل ليس في ذاته، بل من خلال ما قام «حزب الله» بتربيتهم وتنشئتهم عليه؛ بدءًا بالثَّقافة الدِّينيَّة والسِّياسيَّة مرورًا بعلاقات الخوف التي خلقها بين هذا المجتمع والمجتمعات الأخرى من جهة وداخل المجتمع نفسه من جهةٍ ثانيةٍ وصولًا إلى شبكةٍ ضخمةٍ من المصالحِ الاقتصادية والاجتماعية التي خلقها «حزب الله» لحماية النِّظام الذي حكم به. من هنا نستطيعُ أن نفهم الأسباب الكامنة ليس خلف رفض النَّقد وحسب، بل رفض أي محاولةٍ لإظهار الشُّعور بالألم والخسارة. وثمَّة حالاتٌ كثيرةٌ من أشخاصٍ جنوبيين عبَّروا عن خسارتهم بطريقةٍ لا توافق «أتيكيت» مجتمع الحزب في التعبير؛ فلم يقولوا مثلًا «فدا الشَّباب» أو «كله بيتعوَّض، المهم الكرامة» أو غير ذلك من هذه العبارات. حالات كهذه قُوبِلَتْ برفضٍ واستنكارٍ من قِبل بعض أنصار «حزب الله» الذين اعتبروا أنَّ ذلك تضخيمٌ ومُبالغةٌ لا داعي لها! ويبدو أنَّه ثمَّة عملٌ ممنهجٌ لكبتِ كل محاولةٍ للتعبير عن الألم حتَّى لو كان التعبير لا يحملُ نقدًا صريحًا لـ«حزب الله» وخياراته.
ولعل السَّبب وراء هذا هو ما يمكن تسميته بـ«الأسئلة المتولِّدة[١]». فالسُّؤال عن سبب ما جرى يدفعُ إلى سؤالٍ عن مُسبِّبِه. وفي تسلسلٍ منطقيٍّ للأسئلة قد يصلُ الواحدُ إلى الشَّكِّ في كُلِّ قناعاته السَّابقة، ما يفتحُ بابًا ليس إلى الاعتراض على «حزب الله» وقراراته وحسب، بل إلى محاسبتِه ومُساءلته. من هُنا تكتسبُ الأسئلةُ هذه خطورتَها البالغة على قدرة «حزب الله» على الاستمرار في الإمساك بالشَّارع الشِّيعي. إضافةً إلى ما ذُكر أعلاه من تكاليف كبيرة قد يدفعها السائل أو المعترضُ حتى لو كان جزءًا من «البيئة». من هُنا نجد أنَّ جزءًا من مجتمع «حزب الله»، ومجتمع الشِّيعيَّة السِّياسيَّة عمومًا، يقوم بـ«التَّنفيس» عن غضبه من خلال انتقاد حركة «حماس» والقضية الفلسطينية والعرب والدولة والعالَم. ليس بعيدًا أن يكون كُلُّ هذا التَّنفيسُ اعتراضًا ضمنيًّا ومكبوتًا ضدَّ «حزب الله» قد يتفلَّتُ بعد أن تضعَ الحربُ أوزارَها إذا وجد له بيئةً مناسبةً لذلك.
[١] هذا التعبير مستوحى من نظرية «الأفعال المتولِّدة» وهي نظريَّةٌ تُشكِّل محلَّ خلافٍ بين المذاهب الإسلاميَّة كالمعتزلة والأشاعرة. تُطلبُ هذه الخلافات والسجالات في مظانِّها.
في الواقع، إنَّ مسار الأمور كان طبيعيًّا وحتميًّا أيضًا. لم يكن مُمكنًا لـ«حزب الله» ألَّا يدخل الحربين، ولم يكن مُمكنًا أن تكون النَّتائجُ إلَّا ما كانت وستكون عليه. ليس لأنَّ ذلك كان قدَرًا مقدَّرًا، بل لأنَّ الشُّروط والظروف المطلوبة لهذا المسار كانت مكتملة. وبالتَّالي، لا تنفي هذه الحتمية مسؤولية الحزب عن قراره بدخول الحرب، بل ترفعها إلى مستوى أعلى مؤدَّاه أن مسؤولية «حزب الله» لا تبدأ يوم ٨ تشرين الأوَّل ٢٠٢٣ ولا يوم ٢ آذار ٢٠٢٦، بل تبدأ حين قرَّر أن يكون جزءًا من المحور الإيراني ويضع الطَّائفة الشِّيعيَّة في مسارٍ لا يُمكن أن يؤدِّي إلَّا إلى ما أدّى إليه؛ حين قرَّرَ أن يَحكمَ أداءَه بحساباتٍ تفوقُ قدرته وقدرة الطَّائفة الشِّيعيَّة ولُبنان على تحمُّلِ تبِعات هذا الأداء. لذلك، لا جدوى من أيِّ مراجعةٍ للحرب نفسِها إنْ لم تتم مراجعة المسار الذي أوصل إليها، وهذا أمرٌ لا يبدو إلى الآن أنَّ «حزب الله» مؤهَّلٌ للقيام به بقدر ما أنَّه مؤهَّلٌ لإعادته في حربٍ ثالثةٍ تلوحُ في أُفقٍ لا يبدو بعيدًا! حربٍ قد تُنتجُ وقد لا تُنتجُ آلياتٍ جديدةٍ للتَّعاملِ مع الصُّورة المُتخيَّلة؛ قد تُنتجُ وقد لا تُنتجُ اعتراضًا أوسعَ وتحوُّلاتٍ نقديَّةٍ كبيرةٍ في مُجتمع «حزب الله»؛ لكنَّ المُؤكَّدَ أنَّها ستُنتجُ المزيد من الكوارث والدَّمار والقتلى!





