.jpg)
من أعجب ما ابتُليَت به بعض النُخب اللبنانية أنها لا تكتفي بخسارة المعارك، بل تُصرّ على خسارة القدرة على التمييز بين الدولة ونقيضها، وبين السيادة ونفْيها، وبين الواقع والأوهام التي تنسجها أجهزة الدعاية. ولذلك تراها تجعل من استعادة الدولة اللبنانية تهمة، ومن استمرار غيابها فضيلة، ومن الخضوع لسلطان الميليشيا عنوانًا للمقاومة.
فإذا قيل لها إن لبنان لا يكون دولة ما دام قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته، أجابتك بأن البديل هو التبَعية لإسرائيل. وكأنها لا ترى أن التبَعية القائمة فعلًا ليست فرَضية مستقبلية، بل واقعًا مُعاشًا؛ فالدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك قرارها الاستراتيجي ليست دولة، سواء رُفعت فوقها رايات المقاومة أو رايات التحرير.
والمضحك أن هؤلاء يزعمون الدفاع عن السيادة وهم يبررون وضعًا يعترف فيه الجميع، حتى رأس السلطة التنفيذية ورأس الدولة، بأن جزءًا من القرار الوطني خارج سلطتهما. أي إنهم يطلبون من اللبنانيين الإيمان بدولة لا تملك مقوّمات الدولة، وبسيادة لا تتجاوز حدود الخطب والمراسيم.
إنهم يشبهون من يصرّ على أن الظلّ هو الأصل، وأن الصورة في المرآة هي الحقيقة، وأن العجل الذي صنعه السامري هو الإله الذي أخرج الناس من مصر. فالمشكلة ليست في الوقائع، بل في العقول التي فقَدت القدرة على رؤية الوقائع.
وما لا يفهمه هؤلاء أن إيران لا تحكم المنطقة بعقيدة، بل بميزان منفعة. وكل إمبراطورية تتغنّى بالرسالة الخالدة تكتشف في النهاية أن الخزينة أهم من العقيدة، وأن بقاء النظام أولى من بقاء الأتباع. ولذلك فإن أول ضحية لأي اختناق اقتصادي حقيقي لن تكون طهران نفسها، بل الأدوات التي أنشأتها خارج حدودها.
وحين يشتدّ الحصار المالي، وتضيق هوامش المناورة، وتصبح كلفة التوسُّع أعلى من عائداته، فلن تتردد أي سلطة في التضحية بأوراقها الخارجية حفاظًا على بقائها الداخلي. تلك ليست خيانة، بل قانون السياسة الذي لا يعترف بالأشعار الحماسية ولا بالخطب المنبرية.
أما الذين يتوهمون أن إيران ستخوض حربًا كبرى لتحرير لبنان، فهم لم يفهموا إيران ولا الحرب ولا لبنان. فالدول تستعمل الأدوات ولا تتحول إلى أدوات لها. والراعي لا يضحي بنفسه من أجل العصا التي يحملها، بل يستبدلها متى تكسّرت.
وكذلك الذين ينتظرون من الولايات المتحدة أن تفرض على إسرائيل ما يتوافق مع أحلامهم الثورية، يتوهمون أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق الأمنيات. فالقوى الكبرى لا تعمل وفق معايير الأخلاق التي تدرَّس في المدارس، بل وفق موازين المصالح التي تحكم التاريخ.
لقد بنَت النخب العربية جزءًا كبيرًا من وعيها السياسي على الأوهام. فهي كلما فشلت في فهم الواقع لجأت إلى نظرية المؤامرة، وكلما خسرت جولة اخترعت انتصارًا رمزيًّا، وكلما انهار مشروع أعلنت أن الانهيار نفسه دليل على النجاح. وهكذا تحولت السياسة عندها إلى نوع من التصوّف المقلوب: إيمان مطلق بما لا وجود له، وإنكار مطلق لما هو قائم أمام الأعين.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستتخلى إيران عن أدواتها إذا اشتدّ عليها الخناق؟ بل: كيف لا تتخلى عنها؟ وهل ضحّت الإمبراطوريات عبر التاريخ بنفسها من أجل أطرافها أم ضحّت بأطرافها من أجل نفسها؟
إن ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين مشروعين للتحرير، بل صراع بين من يريد قيام دولة، ومن يريد الإبقاء على ما يشبه الدولة. وبين من يقبل الاحتكام إلى الشرعية، ومن يعيش على استدامة الاستثناء. وبين من يرى لبنان وطنًا، ومن يراه مجرد ورقة في لعبة أمم أكبر منه.
أما النهاية فليست لغزًا فلسفيًّا. فكل سلطة تقوم على المال والدعاية أكثر مما تقوم على الشرعية والحرية مصيرها إلى التآكل. وكل مشروع يطلب من الشعوب أن تدفع ثمن أوهامه إلى ما لا نهاية ينتهي يوم تكتشف تلك الشعوب أن ما قيل لها إنه قدَر تاريخي لم يكن سوى مصلحة نخبة تعيش على تأبيد الأزمة.
وعندها لن يسقط وهْم المقاومة الزائفة وحده، بل سيسقط معه أيضًا وهْم النُخب التي جعلت من العجز بطولة، ومن التبَعية استقلالًا، ومن غياب الدولة ذروة الحكمة السياسية.





