12・08・2026
من العدد ٣٧
في الدفاع عن اللامعقول اللبناني: حين تصبح التبَعية سيادةً وغياب الدولة فضيلة



من أعجب ما ابتُليَت به بعض النُخب اللبنانية أنها لا تكتفي بخسارة المعارك، بل تُصرّ على خسارة القدرة على التمييز بين الدولة ونقيضها، وبين السيادة ونفْيها، وبين الواقع والأوهام التي تنسجها أجهزة الدعاية. ولذلك تراها تجعل من استعادة الدولة اللبنانية تهمة، ومن استمرار غيابها فضيلة، ومن الخضوع لسلطان الميليشيا عنوانًا للمقاومة.

فإذا قيل لها إن لبنان لا يكون دولة ما دام قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته، أجابتك بأن البديل هو التبَعية لإسرائيل. وكأنها لا ترى أن التبَعية القائمة فعلًا ليست فرَضية مستقبلية، بل واقعًا مُعاشًا؛ فالدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك قرارها الاستراتيجي ليست دولة، سواء رُفعت فوقها رايات المقاومة أو رايات التحرير.

والمضحك أن هؤلاء يزعمون الدفاع عن السيادة وهم يبررون وضعًا يعترف فيه الجميع، حتى رأس السلطة التنفيذية ورأس الدولة، بأن جزءًا من القرار الوطني خارج سلطتهما. أي إنهم يطلبون من اللبنانيين الإيمان بدولة لا تملك مقوّمات الدولة، وبسيادة لا تتجاوز حدود الخطب والمراسيم.

إنهم يشبهون من يصرّ على أن الظلّ هو الأصل، وأن الصورة في المرآة هي الحقيقة، وأن العجل الذي صنعه السامري هو الإله الذي أخرج الناس من مصر. فالمشكلة ليست في الوقائع، بل في العقول التي فقَدت القدرة على رؤية الوقائع.

وما لا يفهمه هؤلاء أن إيران لا تحكم المنطقة بعقيدة، بل بميزان منفعة. وكل إمبراطورية تتغنّى بالرسالة الخالدة تكتشف في النهاية أن الخزينة أهم من العقيدة، وأن بقاء النظام أولى من بقاء الأتباع. ولذلك فإن أول ضحية لأي اختناق اقتصادي حقيقي لن تكون طهران نفسها، بل الأدوات التي أنشأتها خارج حدودها.

وحين يشتدّ الحصار المالي، وتضيق هوامش المناورة، وتصبح كلفة التوسُّع أعلى من عائداته، فلن تتردد أي سلطة في التضحية بأوراقها الخارجية حفاظًا على بقائها الداخلي. تلك ليست خيانة، بل قانون السياسة الذي لا يعترف بالأشعار الحماسية ولا بالخطب المنبرية.

أما الذين يتوهمون أن إيران ستخوض حربًا كبرى لتحرير لبنان، فهم لم يفهموا إيران ولا الحرب ولا لبنان. فالدول تستعمل الأدوات ولا تتحول إلى أدوات لها. والراعي لا يضحي بنفسه من أجل العصا التي يحملها، بل يستبدلها متى تكسّرت.

وكذلك الذين ينتظرون من الولايات المتحدة أن تفرض على إسرائيل ما يتوافق مع أحلامهم الثورية، يتوهمون أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق الأمنيات. فالقوى الكبرى لا تعمل وفق معايير الأخلاق التي تدرَّس في المدارس، بل وفق موازين المصالح التي تحكم التاريخ.

لقد بنَت النخب العربية جزءًا كبيرًا من وعيها السياسي على الأوهام. فهي كلما فشلت في فهم الواقع لجأت إلى نظرية المؤامرة، وكلما خسرت جولة اخترعت انتصارًا رمزيًّا، وكلما انهار مشروع أعلنت أن الانهيار نفسه دليل على النجاح. وهكذا تحولت السياسة عندها إلى نوع من التصوّف المقلوب: إيمان مطلق بما لا وجود له، وإنكار مطلق لما هو قائم أمام الأعين.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستتخلى إيران عن أدواتها إذا اشتدّ عليها الخناق؟ بل: كيف لا تتخلى عنها؟ وهل ضحّت الإمبراطوريات عبر التاريخ بنفسها من أجل أطرافها أم ضحّت بأطرافها من أجل نفسها؟

إن ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين مشروعين للتحرير، بل صراع بين من يريد قيام دولة، ومن يريد الإبقاء على ما يشبه الدولة. وبين من يقبل الاحتكام إلى الشرعية، ومن يعيش على استدامة الاستثناء. وبين من يرى لبنان وطنًا، ومن يراه مجرد ورقة في لعبة أمم أكبر منه.

أما النهاية فليست لغزًا فلسفيًّا. فكل سلطة تقوم على المال والدعاية أكثر مما تقوم على الشرعية والحرية مصيرها إلى التآكل. وكل مشروع يطلب من الشعوب أن تدفع ثمن أوهامه إلى ما لا نهاية ينتهي يوم تكتشف تلك الشعوب أن ما قيل لها إنه قدَر تاريخي لم يكن سوى مصلحة نخبة تعيش على تأبيد الأزمة.

وعندها لن يسقط وهْم المقاومة الزائفة وحده، بل سيسقط معه أيضًا وهْم النُخب التي جعلت من العجز بطولة، ومن التبَعية استقلالًا، ومن غياب الدولة ذروة الحكمة السياسية.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
03・03・2026
بين النجف وقُم: أيُّ دورٍ للمرجعية في زمن الدول المتصدّعة ؟
عادل إسماعيل
ليست الأحداث الكبرى مجرّد وقائع عابرة، بل لحظات كاشفة للفروقات العميقة التي كانت كامنة تحت السطح. وحين اهتزّ الإقليم باغتيال شخصيات عسكرية ارتبطت بالمشروع الإيراني العابر للحدود، بدا واضحًا أن الخلاف ليس سياسيًّا فحسب...
03・07・2025
انتخابات بريتال توافُق بلدي أم تسوية مفروضة؟
عادل إسماعيل
شهدت منطقة «بعلبك - الهرمل» في الاستحقاق البلدي الأخير مشهدًا سياسيًّا معقّدًا، حمل في طيّاته الكثير من التناقضات، حيث طُرحت شعارات «التوافق» و«المصلحة العامة» كواجهة لتحالفات غير متجانسة، جمَعت بين بقايا المعارضة الشيعية، بعض العائلات، و«الثنائي الشيعي» – حزب الله وحركة أمل.
03・07・2025
الصراع الإيراني - الإسرائيلي: تحالف الهيمنة وخديعة العداء الوظيفي
عادل إسماعيل
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، تتكرّر المواجهات الخطابية والتكتيكية بين إيران والكيان الصهيوني، ويُروَّج لهذا الاشتباك على أنه صراع وجودي، بين مشروع «الممانعة» وكيان الاحتلال.