.jpg)
لم يكن الصراع بين العقل والخرافة في تاريخ المجتمعات الإنسانية خلاف فلسفي حول مصادر المعرفة، بل كان ولا يزال صراعًا على السلطة ذاتها، لأن من يمتلك القدرة على تحديد ما يجب أن يعتقده الناس يمتلك في الوقت نفسه القدرة على توجيه سلوكهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ومن هنا لم تكن الخرافة في أي مرحلة تاريخية فقط معتقدات شعبية بسيطة، وإنما تحولت في كثير من الأحيان إلى نظام متكامل لإدارة الوعي الجماعي، يقوم على إضعاف التفكير النقدي واستبداله بالطاعة المطلقة، بحيث يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لقبول أي رواية مهما كانت متناقضة مع المنطق أو مع الوقائع الموضوعية، طالما أنها تُقدَّم إليه بلباس القداسة الدينية أو الرمزية الروحية.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة عند دراسة البيئات التي تشهد اندماجًا كاملًا بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، حيث لا يعود الدين إطارًا أخلاقيًّا وروحيًّا يوجّه الإنسان نحو القيَم العليا، بل يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ وإدامة البُنى السلطوية. وفي هذه الحالة يصبح الخطاب الديني وسيلة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، من خلال بناء منظومة متماسكة من الرموز والأساطير والغيبيات التي تفسر الواقع بطريقة تجعل السلطة القائمة تبدو امتدادًا للإرادة الإلهية أو جزءًا من مشروع مقدّس لا يجوز مساءلته.
ومن الضروري التمييز منذ البداية بين الإيمان بوصفه حقًاّ فرديًّا ومكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات الهوية الدينية، وبين توظيف الدين سياسيًّا واجتماعيًّا لإلغاء وظيفة العقل. فالإيمان لا يتعارض بطبيعته مع التفكير النقدي، بل إن النصوص الإسلامية نفسها حفلت بعشرات الآيات والأحاديث التي تدعو إلى التفكر والتدبُّر والنظر والاستدلال، وجعلت العقل وسيلة لفهم الكون واكتشاف السُّنن الإلهية. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإيمان إلى منظومة مغلقة تمنع النقاش، وتستبدل البرهان بالطاعة، والاجتهاد بالتقليد، والحقيقة بالولاء، فيصبح الانتماء معيارًا للصدق بدلًا من الدليل.
وفي بعض البيئات الشيعية المعاصرة، كما في غيرها من البيئات الدينية التي تشهد تسييسًا للمقدَّس، برزت خلال العقود الأخيرة ظاهرة متنامية تقوم على توسيع مساحة الغَيب في تفسير الواقع اليومي إلى درجة تراجع معها دور التحليل العقلي والبحث العلمي. ولم يعد تفسير الأحداث السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية يرتبط بالأسباب الموضوعية بقدر ما أصبح يُعزى إلى الكرامات أو الإلهامات أو الرؤى أو التدخلات الغيبية أو السرديات التي يصعب إخضاعها لأي اختبار علمي أو نقد معرفي. وعندما تصبح هذه الروايات جزءًا من الثقافة العامة، فإنها تخلق بيئة ذهنية تضعف فيها القدرة على التمييز بين الحقيقة والأسطورة، وبين الوقائع القابلة للتحقق والادعاءات غير القابلة للإثبات.
ويعتمد هذا النمط من إنتاج الوعي على آليات نفسية واجتماعية معقّدة. فالإنسان الذي يعيش في ظروف الأزمات المزمنة والحروب والانهيارات الاقتصادية والقلق الوجودي يبحث بطبيعته عن اليقين، حتى لو كان هذا اليقين مبنيًّا على روايات غير عقلانية. ومن هنا تصبح الخرافة بالنسبة إلى بعض المجتمعات وسيلة لتعويض العجز عن تفسير الواقع، بينما تتحول لدى القوى السياسية إلى أداة فعالة لضبط الجمهور، لأن الإنسان الذي يفسر كل ما يجري بوصفه إرادة غيبية لن يسأل عن المسؤوليات السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية، ولن يطالب بالمحاسبة، بل سيكتفي بالانتظار أو بالدعاء أو بالامتثال.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تقترن بالقداسة الشخصية، إذ يتحول بعض الأفراد إلى شخصيات فوق النقد، لا بسبب مكانتهم العلمية أو الفكرية، وإنما لأنهم يُقدَّمون بوصفهم وسطاء بين الإنسان والمقدّس، أو أصحاب معرفة استثنائية لا يملكها الآخرون. ومع مرور الزمن تنشأ علاقة نفسية بين الجمهور وهذه الشخصيات، لا تقوم على الاقتناع العقلي وإنما على التقديس العاطفي، بحيث يصبح الاعتراض على آرائهم معادلًا للاعتراض على الدين نفسه، رغم أن الآراء السياسية أو الاجتماعية تبقى بطبيعتها اجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ.
وفي هذا السياق يؤدي الزيّ الديني دورًا بالغ التأثير في صناعة السلطة الرمزية. فالملابس الدينية، شأنها شأن بقية الرموز، تكتسب مع الزمن قدرة على إنتاج الثقة والانقياد، ليس لأنها تحمل قيمة معرفية بذاتها، وإنما لأنها ترتبط في الوعي الجمعي بمفاهيم الورع والتقوى والصدق. وعندما تُستثمر هذه الرمزية في المجال السياسي، قد يتحول الزيّ من علامة على وظيفة دينية إلى أداة تمنح صاحبها حصانة اجتماعية غير مستحقة، فيُنظر إلى أقواله باعتبارها حقائق نهائية لا تحتاج إلى دليل، بينما يُتهم منتقدوه بسوء النّية أو بالعداء للدين.
وتشير دراسات علم الاجتماع السياسي إلى أن السلطة الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على القوة المادية وحدها، بل تلك التي تنجح في تحويل الخضوع إلى قناعة داخلية. وهنا تكمن خطورة توظيف المقدس، لأن الإنسان قد يقاوم السلطة العسكرية أو الاقتصادية، لكنه يجد صعوبة كبيرة في مقاومة سلطة يعتقد أنها تمثل الإرادة الإلهية. ومن ثم يصبح إخضاع الوعي أكثر فاعلية من إخضاع الجسد، ويغدو ضبط الأفكار مقدّمة لضبط السلوك، وهو ما يفسر حرص كثير من الأنظمة والحركات الأيديولوجية على السيطرة على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية في آن معًا.
ولا يقتصر الأمر على إنتاج سرديات غيبية، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفاهيم الأخلاق والوطن والانتماء والعدالة. فبدلًا من أن يكون معيار الصواب هو القانون أو المصلحة العامة أو القيَم الإنسانية، يصبح معياره مقدار القرب من الجماعة المقدسة أو القيادة المقدسة. وبهذا تنتقل المجتمعات تدريجيًّا من دولة المواطنين إلى جماعة المؤمنين، ومن المؤسسات إلى الأشخاص، ومن الدستور إلى البَيعة، ومن العقل إلى الولاء.
وتلعب وسائل الإعلام الحديثة دورًا محوريًّا في ترسيخ هذه العملية. فمع انتشار الفضائيات والمنصّات الرقمية لم تعد الخرافة تنتقل شفهيًّا كما في المجتمعات التقليدية، وإنما أصبحت تُنتج باحتراف إعلامي، مستخدمة تقنيات الصورة والموسيقى والمؤثرات البصرية والقصص العاطفية، بما يجعلها أكثر قدرة على التأثير من الخطاب العقلاني الهادئ. ومع التكرار المستمر، تتحول الروايات غير الموثقة إلى حقائق راسخة في أذهان الجمهور، ليس لأنها ثبتت علميًّا، بل لأنها أصبحت مألوفة نفسيًّا، وهي ظاهرة يفسرها علم النفس المعرفي بما يعرف بـ«أثر التكرار»، حيث يميل الإنسان إلى تصديق المعلومة كلما تكررت، حتى في غياب الأدلّة.
ومن هنا، فإن أخطر ما تفعله الخرافة ليس نشر معلومات خاطئة فحسب، وإنما إعادة تشكيل طريقة التفكير ذاتها. فعندما يعتاد العقل على قبول الادعاءات من دون برهان، يفقد تدريجيًّا قدرته على النقد والتحليل والاستنتاج، ويتحول إلى عقل استقبالي يكتفي بتلقّي التعليمات وإعادة إنتاجها. وفي هذه اللحظة لا تعود السيطرة على المجتمع بحاجة إلى قمع واسع، لأن المجتمع نفسه يصبح شريكًا في إعادة إنتاج الخطاب الذي يقيّده، مدافعًا عنه، ومهاجمًا لكل من يحاول مساءلته.
إن أخطر ما يميز أنظمة الهيمنة القائمة على توظيف المقدّس ليس قدرتها على فرض الطاعة بالقوة، وإنما نجاحها في إعادة تشكيل البنية الذهنية التي ينظر الأفراد من خلالها إلى العالم. فالسلطة التي تعتمد على الإكراه المادي تبقى في حاجة إلى أدوات قمع دائمة، أما السلطة التي تنجح في السيطرة على الوعي فتجعل الإنسان يمارس الرقابة على نفسه بنفسه، ويعيد إنتاج الأفكار التي تُبقيه خاضعًا من دون أن يشعر بأنه خاضع. ولهذا لم يكن إنتاج الخرافة في التجارب السياسية ذات المرجعيات الدينية أو الأيديولوجية مجرد ظاهرة ثقافية عفوية، بل كان في كثير من الأحيان جزءًا من عملية منظّمة لإعادة هندسة الإدراك الجماعي، بحيث تصبح الأسطورة بديلًا من الوقائع، والرمز بديلًا من المؤسسة، والشخص بديلًا من القانون.
وقد تناول عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر هذا النوع من السلطة عندما تحدث عن «السلطة الكاريزمية»، التي تستمد مشروعيتها من الاعتقاد بامتلاك القائد صفات استثنائية تتجاوز الإنسان العادي. غير أن التجارب السياسية أظهرت أن الكاريزما لا تنشأ دائمًا بصورة طبيعية، بل يمكن صناعتها عبر منظومات إعلامية وثقافية وتعليمية تعمل بصورة مستمرة على بناء صورة مثالية لشخصية معينة، بحيث تتحول هذه الصورة مع مرور الزمن إلى حقيقة اجتماعية مستقلة عن الواقع. وعندما تبلغ هذه العملية ذروتها، يصبح أي نقد موجَّه إلى الشخص بمثابة اعتداء على الجماعة نفسها، لأن الهوية الجمعية تكون قد اندمجت بشخص القائد أو المرجعية أو الرمز.
وفي هذا السياق، تكتسب الرموز الدينية أهمية استثنائية، ليس بسبب قيمتها العقائدية وحدها، بل بسبب قدرتها على إنتاج الثقة والانقياد. فالرمز الديني يحمل في الوعي الجمعي رصيدًا أخلاقيًّا متراكمًا، وعندما ينتقل من المجال الروحي إلى المجال السياسي يكتسب سلطة مضاعفة، إذ يختلط المقدّس بالبشري، فلا يعود الجمهور يميز بسهولة بين ما هو اجتهاد إنساني وما يعدُّه جزءًا من الدين نفسه. وهنا تتولد إحدى أخطر آليات تعطيل التفكير النقدي، لأن مساءلة القرار السياسي تصبح في نظر البعض مساسًا بالمقدّسات، رغم أن السياسة بطبيعتها مجال للاجتهاد والاختلاف والمحاسبة.
ويفسر بيير بورديو هذه الظاهرة من خلال مفهوم «العنف الرمزي»، الذي لا يعتمد على الإكراه المباشر، وإنما على فرض معانٍ وقيَم تجعل الخاضعين يقبلون بالنظام القائم باعتباره طبيعيًّا أو مشروعًا أو مقدّسًا. فالفرد لا يشعر بأنه يتعرض للعنف لأنه يشارك في إعادة إنتاج اللغة والرموز والتصوّرات التي تمنحه الإحساس بأن ما يعيشه هو الوضع الطبيعي الوحيد الممكن. ومن هنا تصبح السيطرة على اللغة والمفاهيم جزءًا من السيطرة على المجتمع، إذ تجري عملية إعادة تعريف مفاهيم، مثل التضحية، والولاء، والطاعة، والخيانة، والحق والباطل، بما يخدم استمرار البنية السلطوية.
ولا يقتصر الأمر على المجال الديني، بل يمتدّ إلى المؤسسة التعليمية والإعلامية. فعندما يُربّى الفرد منذ طفولته على الحفظ أكثر من الفهم، وعلى التلقّي أكثر من المناقشة، وعلى احترام السلطة أكثر من مساءلتها، فإن العقل النقدي يتراجع تدريجيًّا لمصلحة العقل التبريري. وتصبح المدرسة والجامعة، إذا افتقدَتا التربية على التفكير الحر، جزءًا من منظومة إعادة إنتاج الامتثال بدلًا من أن تكونا فضاءً لتكوين المواطن القادر على التحليل والنقد والاستقلال الفكري.
أما الإعلام، فيتحول في مثل هذه البيئات إلى المصنع الأكثر تأثيرًا في إنتاج الوعي الجمعي. فبدلًا من تقديم المعلومات بوصفها مادة قابلة للتحقق والمراجعة، يعمد إلى بناء سرديات متكاملة تستخدم الصورة والموسيقى والشعارات والتكرار والانفعال العاطفي، بحيث يصبح تأثيرها النفسي أكبر من تأثير الأدلّة العقلية. ويعرّف علماء النفس هذه الظاهرة بأن الإنسان لا يتخذ قراراته استنادًا إلى المنطق وحده، بل يتأثر بدرجة كبيرة بالعاطفة والانتماء والهوية. ولذلك فإن الخطابات التي تستثير الخوف أو الشعور بالتهديد أو الإحساس بالرسالة التاريخية تكون أكثر قدرة على تعبئة الجماهير من الخطابات العقلانية الباردة.
وتزداد فعالية هذه الآليات عندما يقترن الخطاب بثنائية أخلاقية حادة تقسِّم العالم إلى معسكرين متناقضين: الخير المطلق والشر المطلق. ففي ظلّ هذا التقسيم، لا يعود هناك مجال للنقاش أو التعددية، لأن أي اختلاف في الرأي يُصوَّر على أنه انحياز إلى الطرف المعادي. وهكذا تتحول السياسة إلى معركة وجودية، ويصبح الولاء معيارًا للحقيقة، بينما يُستبعد العقل بوصفه مصدرًا للشك أو الضعف أو التردد.
وقد أظهرت تجارب عديدة، دينية وغير دينية، أن هذه البنية الذهنية لا تقتصر على المجتمعات ذات المرجعية الدينية، بل تظهر أيضًا في الأنظمة الشمولية ذات الأيديولوجيات القومية أو الثورية أو الحزبية، حيث تُقدَّس القيادة ويُعاد تفسير التاريخ والواقع بما يخدم بقاء السلطة. وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن في الدين بوصفه عقيدة، بل في تحويل أي منظومة فكرية إلى حقيقة مغلقة لا تقبل المراجعة أو النقد.
وفي هذا الإطار، تصبح الخرافة أكثر من رواية غير مثبتة؛ إنها آلية لإنتاج اليقين الزائف. فالإنسان الذي يُقنع بأن كل ما يحدث يخضع لتفسير واحد نهائي، وأن الحقيقة قد اكتملت ولا تحتاج إلى بحث، يفقد الدافع إلى التساؤل. ومع غياب السؤال يغيب البحث، ومع غياب البحث تتراجع المعرفة، فتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة من إعادة إنتاج الأفكار نفسها مهما تغيرت الوقائع.
إن الحضارات التي حققت نهضاتها الكبرى لم تفعل ذلك لأنها ألغت الإيمان، بل لأنها ميزت بين الإيمان بوصفه شأنًا روحيًّا، والمعرفة بوصفها عملية تراكمية تقوم على البرهان والنقد والتجربة. وعندما ازدهرت الحضارة الإسلامية في عصورها الذهبية، كان ذلك بفضل الانفتاح على الفلسفة والعلوم والطب والفلك والرياضيات، وبفضل الاعتراف بأن العقل أداة لفهم الكون، لا خصمًا للدين. أما حين تراجع الاجتهاد واتسعت مساحة التقليد، دخلت المجتمعات الإسلامية في مراحل من الجمود الفكري انعكست على مختلف مجالات الحياة.
ومن هنا، فإن استعادة العقل لا تعني إلغاء الإيمان أو الانتقاص من الرموز الدينية، بل تعني إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، بحيث يبقى المقدّس في مجاله الروحي والأخلاقي، بينما تُدار الشؤون العامة وفق معايير العقل والقانون والمؤسسات والمساءلة. فالمجتمع الذي يحصّن نفسه بالتفكير النقدي يصبح أقل عرضة للتلاعب، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين القيادة والمسؤولية، وبين القداسة والسلطة.
إذا كانت الخُرافة تُقدَّم في ظاهرها بوصفها تفسيرًا للأحداث التي يعجز الإنسان عن فهمها، فإنها في بعدها السوسيولوجي تؤدي وظيفة أعمق تتمثل في إعادة تنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة. فالمجتمعات التي تعيش أزمات متراكمة، كالحروب والانهيارات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي، تصبح أكثر قابلية لتقبّل التفسيرات الغيبية، ليس لأن أفرادها أقل ذكاءً أو قدرة على التفكير، وإنما لأن الأزمات الطويلة تخلق حاجة نفسية إلى اليقين وإلى وجود معنى يخفف من وطأة الفوضى. وفي هذه اللحظة بالذات تبرز السرديات المغلقة بوصفها أجوبة جاهزة لكل الأسئلة، فتستبدل التحليل المركّب بتفسيرات بسيطة، وتمنح الأفراد شعورًا بالطمأنينة ولو كان قائمًا على مقدمات غير قابلة للتحقق.
وقد بيّن علم النفس الاجتماعي أن الإنسان، عندما يتعرض لفترات طويلة من عدم اليقين، يميل إلى البحث عن مرجعيات تمنحه الإحساس بالاستقرار. ولذلك فإن المجتمعات المأزومة تكون أكثر استعدادًا للالتفاف حول شخصيات أو جماعات تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة أو تفسيرًا شاملًا للواقع. ومن هنا، فإن العلاقة بين الأزمة والخرافة ليست علاقة عرَضية، بل علاقة بنيوية؛ فكلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت الثقة بالقانون، ازدادت الحاجة إلى سلطات بديلة تستند إلى الشرعية الرمزية أو الدينية أو الأيديولوجية.
ولا تقتصر هذه العملية على إنتاج الإيمان بالغيبيات، بل تمتدّ إلى إعادة تعريف مفهوم الحقيقة ذاته. ففي البيئات التي تهيمن فيها السرديات المغلقة، لا تُقاس الحقيقة بمدى مطابقتها للواقع، وإنما بمدى توافقها مع الرواية الرسمية للجماعة. وهكذا يصبح الانتماء هو معيار التصديق، بينما يتحول الدليل إلى عنصر ثانوي. وهذا التحول يمثل أخطر أشكال إضعاف العقل النقدي، لأنه ينقل مركز الثقل من البرهان إلى الهوية، ومن التفكير إلى الاصطفاف.
وتسهم وسائل الاتصال الحديثة في تسريع هذه العملية عبر ما يعرف بـ«فقاعات المعلومات»، حيث يتعرض الفرد بصورة متكررة للمحتوى الذي يؤكد قناعاته السابقة، فيزداد اقتناعًا بها ويبتعد تدريجيًّا عن أي معلومات تناقضها. ونتيجة لذلك، لا تعود الخرافة رواية معزولة، بل تصبح جزءًا من منظومة إعلامية متكاملة تعيد إنتاج نفسها باستمرار من خلال التكرار والانتقاء والتأطير العاطفي، حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
ومن الآليات الأكثر تأثيرًا في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ«احتكار التأويل». فبدلًا من فتح المجال أمام تعدد الاجتهادات والقراءات، يُحصر تفسير النصوص أو الأحداث أو الوقائع بجهة واحدة أو بنخبة محدّدة، بحيث يصبح أي اجتهاد مستقل خروجًا على الإجماع المفترض. ومع مرور الوقت، لا يقتصر هذا الاحتكار على الشأن الديني، بل يمتدّ إلى السياسة والاقتصاد والثقافة، فتتشكل منظومة معرفية مغلقة لا تسمح بتداول الأفكار إلّا ضمن الحدود التي ترسمها السلطة الرمزية.
وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فكلما ازدادت المجتمعات امتلاكًا لوسائل الاتصال الحديثة، لم يكن ذلك يعني بالضرورة ازديادًا في التفكير النقدي. فقد أثبتت تجارب عديدة أن وفرة المعلومات قد تؤدّي، إذا غابت التربية الإعلامية، إلى تضخم المعلومات المضلِّلة وانتشار نظريات المؤامرة والخرافات بصورة أسرع من الحقائق نفسها. فالإنسان لا يصدق المعلومة لأنها صحيحة دائمًا، بل لأنه يثق بمن ينقلها أو لأنها تنسجم مع قناعاته المسبقة أو لأنها تثير انفعالاته.
كما تلعب اللغة دورًا محوريًّا في هذه العملية. فالخطاب الذي يعتمد على الشعارات المطلقة، ويُكثر من استخدام المفردات ذات الحمولة العاطفية، يقلّل من مساحة التحليل العقلاني. وعندما تُستبدل المصطلحات القانونية والسياسية الدقيقة بتوصيفات أخلاقية أو مقدسة، يصبح من الصعب إجراء نقاش موضوعي، لأن الخلاف يتحول من اختلاف في الرأي إلى صراع بين الخير والشر أو بين الإيمان والكفر أو بين الوفاء والخيانة. وفي هذه البيئة، يفقد الحوار وظيفته الأساسية بوصفه وسيلة للوصول إلى الحقيقة، ويصبح أداة لتأكيد الانتماءات.
وتبرز أيضًا ظاهرة «الذاكرة الانتقائية»، حيث يجري استحضار أحداث تاريخية أو رموز أو مرويّات بعينها وإهمال غيرها، بما يخدم بناء هوية جماعية متماسكة حول سردية واحدة. ولا تكمن المشكلة في استذكار التاريخ، بل في استخدامه بصورة انتقائية لإنتاج وعي لا يرى من الماضي إلّا ما يبرّر الحاضر. وهكذا يتحول التاريخ من مجال للبحث والنقد إلى أداة للتعبئة السياسية أو الأيديولوجية.
وعلى المستوى السياسي، يؤدّي هذا النمط من التفكير إلى إضعاف مفهوم المواطنة. فحين يصبح الولاء للرمز أو للجماعة هو الأساس، تتراجع مكانة الدولة بوصفها الإطار الجامع لجميع المواطنين. وتفقد المؤسسات استقلاليتها، لأن مشروعيتها لم تعد مستمدة من القانون والدستور، بل من قربها أو بعدها عن المرجعية الرمزية المسيطرة. وعندئذ، تصبح المحاسبة أمرًا بالغ الصعوبة، إذ يُفسَّر أي نقد للمسؤولين على أنه استهداف للمشروع أو للهوية أو للقيَم المقدّسة التي يدّعون تمثيلها.
إن تجاوز هذه الحلقة المغلقة لا يتحقق عبر مهاجمة المعتقدات الدينية أو التقليل من شأنها، وإنما عبر ترسيخ ثقافة تميز بين الإيمان بوصفه حقًّا شخصيًّا ومجالًا روحيًّا، وبين إدارة الشأن العام التي يجب أن تقوم على الدستور والقانون والعقلانية والشفافية والمساءلة. فالمجتمعات التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم تفعل ذلك لأنها ألغت الدين أو الهوية، وإنما لأنها منعت احتكار الحقيقة، ووفرت فضاءً يسمح بالنقد والتصحيح وتداول الأفكار دون أن يُعد ذلك تهديدًا للانتماء أو للقيم الأساسية.
إن التحدّي الحقيقي أمام أي مجتمع ليس في وجود المعتقدات أو الرموز، بل في الحفاظ على قدرة العقل على مساءلة كل إنتاج بشري، أيًّا كان مصدره أو مكانته، لأن الحضارات تتقدّم حين يبقى السؤال مشروعًا، ويتراجع الخوف من النقد، ويظلّ البرهان هو الفيصل في تقييم الأفكار، لا المكانة الاجتماعية أو الرمزية لمن يطرحها.
إن استعادة العقل ليست مشروعًا فلسفيًّا مجرّدًا، بل هي في جوهرها مشروع حضاري يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة والسلطة. فالتاريخ يكشف أن الأمم لم تتراجع بسبب ضعف مواردها أو قلة إمكاناتها فحسب، بل لأنها فقدَت القدرة على مساءلة الأفكار السائدة، وأصبحت الحقيقة تُستمد من الأشخاص بدلًا من الأدلّة، ومن المكانة الرمزية بدلًا من البرهان. وعندما يحدث هذا التحوّل، يفقد العقل وظيفته الأساسية بوصفه أداة لاكتشاف الحقيقة، ويتحوّل إلى وسيلة لتبرير ما هو قائم، مهما بلغت تناقضاته.
وتؤكد فلسفة العلم أن المعرفة لا تتقدّم عبر اليقين المطلق، بل عبر الشك المنهجي. فكل نظرية علمية تبقى قابلة للمراجعة والتصحيح إذا ظهرت أدلّة جديدة، بينما تقوم الخرافة على العكس تمامًا؛ إذ تعتبر نفسها مكتملة ونهائية، وترى في السؤال تهديدًا لا وسيلةً للفهم. ولهذا فإن المجتمعات التي تهيمن فيها عقلية الخرافة تميل إلى الانغلاق، لأنها تستبدل الحوار بالتلقين، والنقد بالتخوين، والبحث بالتكرار.
ومن أبرز النتائج التي تترتب على هذا النمط من التفكير تراجع مفهوم المسؤولية العامة. فعندما تُفسَّر الإخفاقات الاقتصادية أو السياسية أو الإدارية او العسكرية باعتبارها قدَرًا لا يمكن تغييره، أو نتيجة لقوى غيبية أو مؤامرات دائمة، تتضاءل مساحة محاسبة المسؤولين، لأن الأسباب الحقيقية تُستبدل بتفسيرات تخرج عن نطاق الفعل البشري. وهكذا يفقد المواطن تدريجيًّا شعوره بقدرته على التأثير، ويتحوّل من شريك في إدارة الشأن العام إلى متلقٍّ سلبي ينتظر الحلول من خارج الواقع.
كما يؤدّي تعطيل التفكير النقدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ أن جميع السلطات والأفراد يخضعون للقانون، وأن الشرعية تُكتسب عبر الدستور والمؤسسات، لا عبر القداسة أو العصمة أو الكاريزما. أما عندما تُمنح الشخصيات العامة حصانة رمزية تجعلها بمنأى عن النقد أو المساءلة، فإن مبدأ المساواة أمام القانون يتآكل، ويحلّ محلّه منطق الامتيازات، وهو ما يقود تدريجيًّا إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات وتعزيز الولاءات ما قبل الدولة.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على السياسة، بل يمتدّ إلى الاقتصاد والتنمية. فالمجتمع الذي لا يشجع على التفكير الحر والإبداع والبحث العلمي يجد صعوبة في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، لأن الإبداع بطبيعته يقوم على السؤال والتجريب وتجاوُز المألوف. ولهذا نلاحظ أن المجتمعات الأكثر تقدّمًا ليست تلك التي تمتلك الموارد الأكبر فحسب، بل تلك التي وفرت بيئة تحمي حرية التفكير وتقبُّل النقد وتعتبر الخطأ جزءًا من عملية التعلُّم، لا دليلًا على الخيانة أو الانحراف.
ومن هنا تبرز أهمية التعليم بوصفه خط الدفاع الأول عن العقل. غير أن التعليم المقصود لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يقوم على بناء مهارات التحليل والاستدلال والتمييز بين الرأي والحقيقة، وبين الخبر والدعاية، وبين البرهان والادعاء. فالعقل النقدي لا يولد تلقائيًّا، وإنما يتشكل عبر مناهج تشجع على النقاش، وتحترم التعدّدية، وتدرّب الطالب على تقييم الأدلّة، لا على حفظ الإجابات الجاهزة.
ويؤدّي الإعلام دورًا موازيًا في هذه العملية. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يساهم في تكوين مواطن قادر على فهم السياقات ومراجعة المعلومات والتمييز بين الوقائع والتأويلات. أما الإعلام الذي يقوم على الإثارة والتعبئة والانحياز المطلق، فإنه يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام وإضعاف المجال العام، لأنه يستبدل الثقافة النقدية بثقافة الاصطفاف، ويجعل الانفعال بديلًا من التفكير.
كما أن المجتمع المدني، بما يضمه من جامعات ومراكز أبحاث ونقابات وجمعيات ثقافية، يمثل ركيزة أساسية في مواجهة أي نزعة لاحتكار الحقيقة. فكلما اتسعت مساحة الحوار الحر وتعدّدت المنابر الفكرية، تقلصت قدرة أي سلطة، دينية كانت أو سياسية أو أيديولوجية، على فرض تفسير واحد للواقع. إن التعددية ليست تهديدًا للاستقرار، بل شرطًا من شروطه، لأنها تسمح بتصحيح الأخطاء قبل أن تتحوّل إلى أزمات بنيوية.
ولا يعني الدفاع عن العقل الدعوة إلى إقصاء الدين أو التقليل من قيمته الروحية والأخلاقية، بل على العكس، فإن الفصل بين المجال الإيماني والمجال السياسي يحمي الدين نفسه من أن يتحول إلى أداة للصراع على السلطة أو وسيلة لتبرير المصالح البشرية. فحين يُوظَّف المقدّس في النزاعات السياسية، يصبح عُرضة للتأويلات المتغيرة وللتنافس على احتكار تمثيله، وهو ما يضرُّ بالدين والدولة معًا.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات القادرة على التمييز بين الإيمان والمعرفة، وبين الاحترام والمساءلة، وبين الرمزية والشرعية القانونية، هي الأكثر قدرة على بناء دولة مستقرة ومؤسسات فاعلة. أما المجتمعات التي تُغلِّب الولاء على الكفاءة، والقداسة على القانون، والتلقين على التفكير، فإنها تبقى أسيرة حلقات متكررة من الأزمات، لأن الأسباب البنيوية للمشكلات تظلّ محجوبة خلف تفسيرات غيبية أو سرديات مغلقة.
وفي المحصلة، فإن المعركة بين العقل والخرافة ليست معركة بين الدين والإلحاد، ولا بين الإيمان والحداثة، بل هي معركة بين منهجين في النظر إلى الإنسان والعالم. الأول يرى الإنسان كائنًا عاقلًا يمتلك القدرة على الفهم والاختيار والمساءلة، ولذلك يجعل البرهان أساسًا للحقيقة. أما الثاني فيختزل الإنسان بتابعٍ يكتفي بالتلقّي، ويجعل الحقيقة حكرًا على سلطة لا يجوز مناقشتها. وبين هذين المنهجين يتحدّد مستقبل المجتمعات؛ فحيث ينتصر العقل تتوسع الحرية، وتتقدّم المعرفة، وتتعزّز المؤسسات، ويترسخ القانون. وحيث تنتصر الخرافة يتراجع النقد، وتُغلق أبواب الاجتهاد، وتُستبدل المواطنة بالولاءات، والدولة بالرموز، والبرهان بالتصديق.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذا التحليل هو أن حماية العقل ليست مسؤولية الفلاسفة والباحثين وحدهم، بل هي مسؤولية الدولة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية نفسها، لأن الإيمان الذي يثق بنفسه لا يخشى السؤال، والدين الذي يمتلك قوة الحجة لا يحتاج إلى تعطيل العقل، والمجتمع الذي يجعل من التفكير النقدي قيمة عُليا يكون أكثر قدرة على صون كرامة الإنسان، وترسيخ العدالة، وبناء مستقبل يقوم على المعرفة لا على الوهم، وعلى البرهان لا على الأسطورة، وعلى المواطنة لا على التقديس السياسي للأشخاص.
(باحث وأستاذ في علوم الإعلام والاتصال)





