10・08・2026
من العدد ٣٧
بلاغة الشعارات وفاتورة الرماد: حين تغدو الشعوب قرابين على مذبح الكلمة



السياسة في مسرح البلاغة

ثمة لحظاتٌ فارقةٌ في تاريخ الأمم تُزانُ فيها القراراتُ بميزان الذهب، وتُقدَّر فيها الخيارات بمقدار ما تحقنه من دماءٍ وما تصونه من أرواح. غير أن التاريخ العربي المعاصر ما زال يرزح تحت وطأة مأساةٍ مكرّرة؛ مأساة تحويل السياسة والمواجهات الاستراتيجية من مضمارٍ للعقلانية والتخطيط البارد إلى حلبة للمبارزة الشعرية وخطاب البلاغة الفصيح. في هذا المسرح الملتهب، تُنتج المطابع والمنصّات سِجالًا نائيًا عن الواقع، وتُصاغ الشعارات بنبرة تجذب الجماهير وتدغدغ العواطف، بينما ينشغل الواقع الميداني بطحن كل ما هو إنساني تحت وطأة الحديد والنار.


من غزة إلى الجنوب: متتالية الرهانات المُكلِفة

ليست المأساة في غزة ولا في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية مجرد أحداث عابرة في كتاب الصراع، بل هي تجسيدٌ صارخ للتفاوت بين قراءة الشعارات الحماسية وحقيقة الموازين الميدانية.

عندما انطلقت شرارة الأحداث، وُضِعت الخيارات على طاولات البحث، وبرزت الفرص للوصول إلى تسوياتٍ أو ترتيباتٍ ميدانية جنّبت البلاد والعباد التدمير الشامل. في غزة، كُتِب للتسويات المبكرة أن تُردّ باسم الصمود، حتى لَأن المتابع يتساءل بمرارة: ماذا لو قُبِل بالحلول يوم كانت التكلفة في حدود المستطاع؟ ألم يكن بمقدور ذلك توفير آلاف الأرواح والحدّ من خرابٍ أتى على الشجر والحجر؟

واليوم، حين ينجلي الغبار عن قناعة متأخرة بقبول تسليم السلطة والسلاح بعد استنفاد كل حيَل المواربة ومناورات الالتفاف، يتبدّى المنظر أشدّ إيلامًا؛ إذ تحققت التسوية لكن بعد خراب البصرة، وبعد أن دفعت غزة وأهلها ثمنًا خياليًّا يفوق كل قدرة على الاحتمال والصبر، لتبدو النتيجة وكأنها نزولٌ عند المكتوب لكن بعد فوات الأوان.

ولم تكن جبهة الإسناد في لبنان بعيدة عن هذا النمط من التفكير؛ فحين حملت المبادرات الدولية مقترحات التراجع الميداني وتطبيق القرارات الدولية للحدّ من اتساع الحرائق، قوبلت تلك الأطروحات بسقوفٍ كلامية مرتفعة، وشعاراتٍ تُعلي من شأن الرادع المعنوي. لكن النتائج كانت قاسية إلى حد العجز عن التوصيف؛ فقد انفلقت غيمة النار، واستحالت القرى والمباني رمادًا، وهُجّر أهل الأرض الذين وُجدوا فجأة في مواجهة آلة حربية لا تلتزم بقانون ولا ترتدع بأبيات القريض ولا بالخطب العصماء.


البلاغة كمخدِّر، والشعوب كقُرابين

إن أزمة الخطاب الأيديولوجي تسكن في قدرته على اختزال المآسي البشرية في مفاهيم تجريدية، وتحويل الكوارث الإنسانية إلى مفرداتٍ في قصيدة نصرٍ مؤجّل. غدا الانفصال تامًّا بين «المنبر» و«الشارع»؛ فالمنبر يتحدث بلغة التاريخ والخلود والتصدّي، والشارع يعيش بلغة البحث عن سقفٍ مأوًى، ولقمة عيش، وجرعة ماء، وجثمانِ فقيدٍ يُنتشل من تحت الركام.

«تكمن الفجوة الهيكلية في السياسة العربية في اعتبار الإنسان وسيلةً لا غاية؛ حيث يُطلب من المجتمعات أن تكون "بيئة حاضنة" دائمة الاحتمال والتضحية، دون أن يمنحها التخطيط السياسي حق الحماية أو شبكات الأمان».

إن استخدام اللسان الفصيح لرفع المعنويات أمرٌ مشروع في حدود الدفاع، غير أن تحويل هذا اللسان إلى بديلٍ عن حساب التفوق التكنولوجي، وفارق القوة، وسلوك الخصوم الوحشي، يعدّ مجازفةً تطيح بالأوطان. فالأعداء لا يقرؤون المجازات اللغوية، ولا يتأثرون بالجِناس والطباق، بل يحسبون القوة بالتحكُّم والرصد والقدرة التدميرية.

 

العودة إلى واقعية الدولة والوطن

حين تنطفئ ألسنة اللهب وتبدأ مجالس العزاء الطويلة، تظهر الحقيقة العارية: الشعوب لا تقتات على الاستعارات المكَنية، والأطفال لا يحتمون بالاستعارات التصريحية، والمدن المدمَّرة لا يُعاد بناؤها بالبيانات الحماسية.

تقتضي الحكمة الوطنية إعادة الاعتبار للسياسة الواقعية، تلك التي تجعل حياة المواطن وكرامته وأمنه هي المحور والأولوية القصوى. إن السياسة الحقيقية ليست معركة لإثبات صحة النظريات الأيديولوجية، بل هي فن إدارة الممكن لحماية الأمة من الاستنزاف والاندحار.

لقد دفعت الشعوب في غزة ولبنان فاتورةً أثقل من قدرة الجبال على التحمُّل. والدرس الأهم الذي ينبغي أن يُحفر في الذاكرة هو أن الحفاظ على الأرواح والأرض ليس استسلامًا ولا تراجعًا، بل هو أعلى درجات المسؤولية الوطنية والإنسانية. أما استمرار المبارزة بالشعار وسَط الركام، فليس سوى استنزافٍ لما تبقّى من رمقٍ في جسدٍ تُثخنه الجراح.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
20・10・2026
العنوان الوحيد… حكاية من زوطر الغربية
أكرم محمود
لا يُقاس الزمن في جنوبي لبنان بالشهور أو بالسنوات، ولا يُحسب بتعاقب الفصول التقويمية المدوّنة على الورق؛ بل يُقاس بفصول الشجر والزيتون، وبمواعيد الفلاحين مع الأرض عند انبلاج الفجر، وبأصوات الضحكات التي تتردد في باحات البيوت العتيقة. لكن الحرب حين تعصف بالقسوة والحديد، تجرف معها التقويم بأكمله، وتقتلع سكينة الأيام من جذورها...
08・10・2026
بين حيوية الأمس وتغيُّرات اليوم: كيف تبدَّلت ملامح الحياة الاجتماعية في قرى الجنوب؟
أكرم محمود
عند العودة بالذاكرة إلى عقد الثمانينات وما قبله، وتحديدًا خلال عقدَي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان الفضاء العام في قرى الجنوب يضجّ بحيوية فلكلورية وعفوية أصلية تعبّر عن روح المجتمع الريفي الأصيل. كانت ساحات القرى والمناسبات الاجتماعية، من أعراس ومواسم أعياد، تشهد حلقات الدبكة الشعبية المشتركة التي تجمع الشباب والشابات...
22・09・2026
جسر العبور: صك العودة والمطر من يوميات نازح
أكرم محمود
وتابع يهمس بكبرياءٍ مبلَّل بالوجع: «جدي لم يمت يا ابني، صار جزءًا من تراب عيناتا، هو هناك في بنت جبيل وفي الخيام، عين ماء تمشي في وادي الحجير، وتسمع صوته في ضحكات الصغار الذين يتفركشون بدمعة الفراق قبل أن يقوى عودهم ويشتد حنينهم. وإليك وصيّتي الكبرى: إذا كُتبت لك العودة وقُدر لي الغياب قبلها، ومررت بالليطاني، فاصمت قليلًا، اخلع نعلَيك واحنِ رأسك، ودع النهر يخبرك عن عطشنا للأرض...