03・08・2026
من العدد ٣٦
تموز ٢٠٢٦: الجنوب اللبناني بين «اتفاق الإطار» والتفجيرات الهائلة

دخل لبنان شهر تموز و«اتفاق الإطار» الذي أُعلن في نهاية حزيران يتصدر المشهد السياسي، بوصفه محاولة لنقل المواجهة مع إسرائيل من الحرب المفتوحة إلى مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية برعاية أميركية. إلا أن الشهر لم يكن شهر تطبيق مستقر للاتفاق بقدر ما كان شهر اختبار لشروطه وحدوده: استمرت الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، وبرز خلاف لبناني واسع حول مضمون الاتفاق ونتائجه، فيما تحولت مسألة انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش وحصرية السلاح إلى عناصر مترابطة في معادلة سياسية وأمنية واحدة.

في الأسابيع الأولى، تمحور الخلاف حول ما إذا كان «اتفاق الإطار» مدخلًا إلى استعادة الأراضي المحتلة ووقف الحرب، أم صيغة تسمح لإسرائيل بتثبيت وقائع ميدانية جديدة مقابل التزامات لبنانية تتعلق بالسلاح والأمن. ورفض «حزب الله» الاتفاق بشدة، بينما اتخذت «حركة أمل» ورئيس مجلس النواب نبيه بري موقفًا أكثر تركيزًا على ضرورة ضمان وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل. في المقابل، تمسك رئيس الجمهورية جوزف عون والحكومة بالمسار التفاوضي، مع محاولة ربط أي تقدم في ملف السلاح بانتهاء الاحتلال وانتشار الجيش وإطلاق إعادة إعمار تقودها الدولة.

بلغ المسار ذروته في الثلث الأخير من الشهر مع بدء تجربة ميدانية في زوطر الغربية، بالتزامن مع زيارة عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبدا للحظات أن «اتفاق الإطار» ينتقل من مرحلة الوثيقة السياسية إلى التنفيذ. غير أن استمرار عمليات القصف والتفجير والتجريف، ثم التوتر المتصاعد في منطقة علي الطاهر، أعاد في نهاية الشهر السؤال الأساسي الذي رافق الاتفاق منذ بدايته: هل يستطيع المسار الدبلوماسي إنتاج انسحاب ووقف فعلي للأعمال العسكرية، أم يتحول إلى إدارة سياسية لواقع ميداني لم يتغير جوهريًا؟

أولًا: «اتفاق الإطار» يطغى على الشهر

سيطر «اتفاق الإطار» على معظم النقاش السياسي خلال تموز. ومنذ اليوم الأول، ظهرت قراءتان متعارضتان له. قدّمه رئيس الجمهورية والحكومة باعتباره إطارًا تفاوضيًا، لا معاهدة نهائية، يُفترض أن يقود، إذا نُفذ، إلى انسحاب إسرائيلي كامل وانتشار الجيش وعودة السكان. وفي المقابل، اعتبره «حزب الله» وعدد من حلفائه صيغة تمنح إسرائيل مكاسب أمنية وسياسية من دون ضمان الانسحاب.

حاول رئيس الحكومة نواف سلام في مطلع الشهر تخفيف الالتباس المحيط بتسمية الاتفاق، موضحًا أن ما يجري تداوله باعتباره «اتفاق الإطار» ليس اتفاقية نهائية أو معاهدة، بل إطارًا توجيهيًا ثلاثيًا للمفاوضات. واتخذ وزير الخارجية موقفًا مماثلًا، معتبرًا أن المسار التفاوضي الذي أطلقته الدولة هو المسار الحصري لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.

إلا أن استمرار التفجيرات والغارات بعد الإعلان عن الإطار أعطى معارضيه مادة إضافية للطعن فيه. ففي خطاب «حزب الله» وإعلامه، أصبحت الاعتداءات اللاحقة دليلًا على أن الاتفاق لم يغيّر السلوك الإسرائيلي، بل وُظفت تصريحات إسرائيلية بشأن استمرار الوجود في الجنوب لتقديمه باعتباره صيغة تثبت الاحتلال بدل إنهائه.

ولم يكن الاعتراض مقتصرًا على الحزب. ظهرت خلال الشهر انتقادات من قوى وشخصيات سياسية أخرى ترى أن صياغة الاتفاق غامضة أو أن الضمانات التي يتضمنها غير كافية. وحتى ضمن الأصوات المؤيدة للخيار الدبلوماسي، برز تمييز بين تأييد مبدأ التفاوض وقبول جميع بنود الإطار كما هي.

وبذلك، لم ينقسم النقاش ببساطة بين مؤيد للتفاوض ورافض له. كان هناك، في الواقع، ثلاثة اتجاهات: اتجاه رسمي يرى في الإطار الوسيلة المتاحة لإنهاء الحرب؛ واتجاه يقوده «حزب الله» يرى فيه تنازلًا يمس السيادة؛ واتجاه ثالث يقبل بالتفاوض، لكنه يربط نجاحه بقدرة الدولة والوسيط الأميركي على انتزاع انسحاب فعلي ومنع إسرائيل من فرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب.

ثانيًا: الجنوب تحت ضغط مستمر وبروز عقدة «علي الطاهر»

على المستوى الميداني، بقي الجنوب المسرح شبه الحصري للأحداث الحربية خلال تموز، مع تسجيل اعتداءات متفرقة في البقاع وتحليق مسيّرات فوق بيروت والضاحية. وتميزت العمليات الإسرائيلية بتعدد أشكالها بين الغارات الجوية وهجمات المسيّرات والقصف المدفعي والتفجيرات ونسف المنازل والتجريف وإلقاء القنابل الحارقة والصوتية.

ركزت المواد الميدانية بصورة متكررة على القرى الحدودية في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور، إلى جانب النبطية ومحيطها. واستمر الحديث عن عمليات تدمير للمنازل والطرق والأراضي الزراعية داخل مناطق لا تزال القوات الإسرائيلية قادرة على العمل فيها، وهو ما جعل قضية «الأرض غير القابلة للعودة» أو القرى التي تُفرغ من مقومات الحياة جزءًا أساسيًا من الخطاب المحلي والسياسي.

لكن الموقع الذي اكتسب الأهمية الأكبر خلال الشهر كان مرتفعات علي الطاهر. فمنذ الأيام الأولى، تكررت التقارير عن وجود قوات إسرائيلية وتحركات هندسية وضربات في المنطقة، إلى جانب أخبار عن منشآت وأنفاق تابعة لـ«حزب الله». وفي ٧ تموز، نقلت وسائل الإعلام المختلفة صورًا تُظهر رفع العلم الإسرائيلي فوق التلة، ثم تواصلت الغارات والقصف المدفعي والاستهدافات في محيطها طوال الشهر.

وتحولت علي الطاهر تدريجيًا من مجرد موقع ميداني إلى عقدة سياسية وعسكرية في ملف الانسحاب. فقد تداولت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات عن رغبة الجيش في تنفيذ عملية واسعة في المنطقة، مقابل حديث عن ضغوط أميركية لتأجيل بعض التحركات في انتظار نتائج المفاوضات.

بلغ التوتر ذروة جديدة ليل ٢٨–٢٩ تموز، عندما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة آلية هندسية من نوع D٩ بمحلّقة مفخخة في منطقة علي الطاهر. ونسبت تقديرات إسرائيلية العملية إلى «حزب الله»، من دون أن تتضمن مواد الرصد إعلانًا مباشرًا من الحزب يتبنى الهجوم. وأعلن الجيش الإسرائيلي، بحسب المواد المنقولة عنه، عدم وقوع إصابات، واعتبر الحادث خرقًا خطيرًا لوقف إطلاق النار.

أعقب ذلك ارتفاع جديد في مستوى التوتر، مع استمرار القصف على المنطقة، وعودة الحديث الإسرائيلي عن الرد، فيما قدم إعلام «حزب الله» الواقعة ضمن سردية تربط ما يجري بمحاولات إسرائيل تثبيت وجودها الميداني والتقدم داخل المنطقة.

وفي اليومين الأخيرين من الشهر، توسعت الاعتداءات مجددًا. وفي ليلة ٣١ تموز، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات كبيرة في محيط قلعة الشقيف وأرنون وكفرتبنيت ويحمر الشقيف وبلدات أخرى، إضافة إلى استمرار القصف في علي الطاهر. واعتبر رئيس الجمهورية هذه التطورات تصعيدًا خطيرًا يهدد فرص التقدم في المسار الدبلوماسي، فيما أدانها رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب.

وهكذا انتهى الشهر ميدانيًا بصورة تختلف عن اللحظة التي حاول فيها «اتفاق الإطار» إنتاج نموذج للانسحاب التدريجي: بقيت إسرائيل قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة داخل الجنوب، فيما ظلت بعض المناطق نفسها موضع صراع على من يملك حق الدخول إليها والعمل فيها.

ثالثًا: «المناطق التجريبية» وزوطر الغربية... أول اختبار للتنفيذ

كان التطور الميداني–السياسي الأبرز في النصف الثاني من الشهر بدء تطبيق ما سُمي «المناطق التجريبية»، أي انسحاب إسرائيلي من مناطق محددة ودخول الجيش اللبناني إليها، تمهيدًا لتوسيع النموذج في حال نجاحه.

برزت زوطر الغربية باعتبارها أول اختبار عملي. ففي ٢٠ تموز، أعلن المجلس البلدي منع الأهالي من دخول البلدة بسبب خطورة الوضع الأمني، وفي اليوم التالي دخل الجيش اللبناني إليها، مع دعوة المواطنين إلى الانتظار ريثما تنتهي الإجراءات الأمنية.

بدأ الجيش عمليات مسح وتأمين داخل البلدة، فيما رُبطت المرحلة التالية من المشروع بالتحقق من الوضع الأمني وخلو المناطق من الأسلحة أو المنشآت العسكرية غير التابعة للدولة. وفي المقابل، أظهرت المواقف المحلية أن عودة الجيش كانت موضع ترحيب، لكن منع السكان من العودة ومصير ممتلكاتهم ظلا عنصرين شديدي الحساسية.

حملت تجربة زوطر الغربية معنى أكبر من حجم البلدة نفسها، لأنها وضعت المبادئ النظرية للاتفاق أمام امتحان تطبيقي: انسحاب إسرائيلي، ودخول الجيش، وعمليات تفتيش ومسح، ثم عودة السكان. وأظهر التنفيذ منذ بدايته أن كل مرحلة تحمل أسئلة سيادية وقانونية واجتماعية معقدة.

ومن القضايا التي ظهرت في هذا السياق مسألة دخول الجيش إلى المنازل والأملاك الخاصة خلال عمليات التفتيش. وتناولت مواد في أواخر الشهر نقاشًا حول الحاجة إلى أذونات قضائية، ومحاولات البحث عن صيغة تسمح للمؤسسة العسكرية بأداء مهمتها من دون الاصطدام بالقواعد القانونية المتعلقة بالملكية الخاصة.

في الوقت نفسه، رفضت بلديات جنوبية استخدام بعض المصطلحات المرتبطة بالمشروع، مثل «المناطق النموذجية» أو «السيطرة بالنار»، خشية أن تتحول التسميات المؤقتة إلى ترسيم فعلي لمناطق نفوذ أو إلى إقرار بواقع أمني تفرضه إسرائيل.

وعكست تصريحات نبيه بري في نهاية الشهر هذا الاعتراض، عندما شدد على أن الجيش يجب أن يدافع عن لبنان الواحد، لا عن «مناطق نموذجية» يرسم الاحتلال حدودها. وكان ذلك مؤشرًا على أن بري، وإن أبدى انفتاحًا على جهود إنهاء الحرب، لم يتبنَّ المفهوم الأمني الذي يمكن أن يؤدي إلى تقسيم الجنوب إلى مساحات تخضع لترتيبات مختلفة.

رابعًا: زيارة عون إلى واشنطن تربط الانسحاب بالسلاح

مثلت زيارة الرئيس جوزف عون إلى الولايات المتحدة ولقاءه دونالد ترامب في ٢١ تموز أبرز محطة سياسية خارجية في الشهر. وجاءت الزيارة بعد اتصالات بين عون وبري، قال الأخير إنه أوصى خلالها بالتمسك بتثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأهالي.

في واشنطن، ثبّت عون التزامه بالمسار التفاوضي و«اتفاق الإطار»، لكنه قدم مقاربة أكثر وضوحًا للعلاقة بين ملف السلاح وإنهاء الاحتلال. ففي تصريحات تلت اللقاء، قال إن نزع السلاح يصبح ممكنًا إذا اقترن بإزالة الاحتلال، وتولي الجيش السيطرة الكاملة، وإطلاق برنامج لإعادة الإعمار تديره الدولة وحدها.

كما شدد على فكرة «دولة واحدة وجيش واحد»، معتبرًا أن لبنان لا يمكن أن يصبح آمنًا وموحدًا في غياب هذا المبدأ. وبذلك، لم يعد ملف السلاح في الخطاب الرسمي منفصلًا عن الترتيبات المتعلقة بالانسحاب والإعمار، بل أصبح جزءًا من صفقة سياسية وأمنية أوسع.

من جهته، ركز الخطاب الأميركي على حصرية السلاح وتعزيز دور الجيش. وبرز تصريح لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يربط مستقبل لبنان بمسألة «حصر السلاح»، إلى جانب تصريحات لترامب تناولت دور الجيش في القرى التي ينسحب منها الإسرائيليون.

وعززت زيارة واشنطن الانقسام الداخلي. فالقوى المؤيدة لحصرية السلاح رأت فيها فرصة لتعزيز موقع الدولة وإطلاق مسار قد يؤدي إلى إنهاء الوضع العسكري المستقل لـ«حزب الله». في المقابل، اعتبر الحزب أن ما يُطلب منه هو التخلي عن عناصر قوته، بينما لا يزال الاحتلال قائمًا ولا تتوقف الاعتداءات.

وبقي موقف بري أكثر تركيبًا. لم يدخل في مواجهة مباشرة مع عون بسبب زيارته، بل أكد رغبته في تحقيق نتائج تسمح بإنهاء الحرب، مع التشديد باستمرار على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف النار والانسحاب الكامل. وحاول عون، بدوره، تقديم بري في واشنطن بوصفه داعمًا لجهود إنهاء الأعمال العدائية.

خامسًا: «حزب الله»... رفض الإطار والسلاح خارج البحث قبل الانسحاب

حافظ «حزب الله» على موقف شديد السلبية من «اتفاق الإطار». وتركز خطاب نوابه ومسؤوليه على وصف الاتفاق بأنه يقدم تنازلات لإسرائيل ويمنحها شرعية لاستمرار وجودها في الجنوب، مع الدعوة إلى التراجع عنه أو العودة إلى أطر أخرى يعتبرها الحزب أكثر حفاظًا على السيادة.

في ٨ تموز، رفع الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم سقف الموقف، داعيًا السلطة إلى التراجع عن الاتفاق، ومعتبرًا أنه يصب بالكامل في المصلحة الإسرائيلية. وربط الحزب بين استمرار الاعتداءات وصحة موقفه، أي أن إسرائيل، وفق روايته، لم تتعامل مع المسار التفاوضي باعتباره مقدمة للانسحاب، بل فرصة لمواصلة الضغط العسكري.

أما في ملف السلاح، فبقي الموقف أكثر وضوحًا وتشبثًا؛ إذ رفض مسؤولو الحزب فكرة نزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات، واعتبر بعضهم أن ربط الإعمار بنزع السلاح يمثل صيغة استسلام. وفي نهاية الشهر، كرر النائب حسين الحاج حسن أن الخصوم لن يستطيعوا نزع السلاح.

إلى جانب ذلك، استمر النشاط الاجتماعي والتنظيمي للحزب من خلال التشييع وإحياء المناسبات واستقبال الوفود والعمل داخل البيئة المحلية. وتظهر كثافة المناسبات اهتمام الحزب بالحفاظ على تماسك بيئته في ظل الدمار والضغوط السياسية والأمنية.

أما سرديته الإعلامية، فبُنيت خلال الشهر حول أربع أفكار أساسية: أن إسرائيل لم تتخل عن أهدافها التوسعية؛ وأن واشنطن ليست وسيطًا محايدًا؛ وأن «اتفاق الإطار» لا يضمن الانسحاب؛ وأن الضغط على السلاح يستهدف تجريد لبنان من وسيلة دفاع قبل إزالة الاحتلال.

وفي الوقت نفسه، لا يكشف ما حدث في شهر تموز عن عودة معلنة ومنتظمة للحزب إلى نمط العمليات العسكرية الواسعة. وحتى حادثة المحلّقة في علي الطاهر في أواخر الشهر وردت أساسًا من خلال تقديرات وتقارير إسرائيلية، لا عبر بيان عمليات مباشر صادر عن الحزب ضمن مواد الرصد. وهذا التمييز مهم، لأن الخطاب السياسي للحزب بقي عالي السقف، بينما ظل السلوك العسكري المعلن أكثر حذرًا.

سادسًا: «حركة أمل» وبري... خطاب يحاول أن يوحي بأن الأولوية للانسحاب ومنع الفتنة

اقترب موقف «حركة أمل» من «حزب الله» في رفض الكثير من جوانب «اتفاق الإطار»، لكنه اختلف عنه في اللغة وأولويات الخطاب. فقد جعل نبيه بري وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان وإعادة الإعمار في صلب موقفه، مع حرص متكرر على منع انتقال الخلاف إلى مواجهة داخلية.

منذ مطلع الشهر، برز دور بري في احتواء التوتر الداخلي ومنع الاحتكاك مع الجيش. وفي ٤ تموز، ورد موقف باسم «حركة أمل» يرفض الاتفاق ويدعو إلى الوحدة الوطنية ورفض الفتنة.

لكن بري حافظ، في الوقت نفسه، على قنوات اتصال مفتوحة مع رئاسة الجمهورية والولايات المتحدة، وسأل خلال لقاءاته الدبلوماسية عن خطوات تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود الدولية.

وقبيل زيارة عون إلى واشنطن، أبلغه بضرورة التركيز على الانسحاب ووقف النار. وبعد الزيارة، لم يذهب إلى قطيعة مع المسار الرسمي، بل واصل تقديم المعيار نفسه للحكم عليه: هل يؤدي إلى انسحاب فعلي وعودة الأهالي أم لا؟

وفي نهاية الشهر، أعاد بري التأكيد على مركزية الجيش اللبناني، لكنه ربط انتشاره بالانسحاب الإسرائيلي، رافضًا أن يؤدي مفهوم «المناطق النموذجية» إلى تجزئة الجنوب. وبذلك ظهر موقفه أقرب إلى محاولة الجمع بين دعم المؤسسة العسكرية ورفض وضعها في مواجهة البيئة المحلية أو استخدامها لتثبيت حدود أمنية تفرضها إسرائيل.

سابعًا: القوى المعارضة... إجماع على الدولة واختلاف حول الاتفاق

ظهر في هذا الشهر أن القوى المناوئة لـ«حزب الله» لم تكن كتلة واحدة في تقييم «اتفاق الإطار»، لكنها تقاطعت على أولوية الدولة وحصرية السلاح.

ركزت «القوات اللبنانية» وقوى أخرى على أن الدولة وحدها يجب أن تقرر في المسائل المتعلقة بالحرب والسلام والتفاوض، وأن استمرار السلاح خارج المؤسسة العسكرية يمنع قيام دولة كاملة السيادة.

وظهر خطاب يعتبر أن الأزمة لا تتعلق بالطائفة الشيعية، وإنما بـ«حزب الله» وسلاحه وارتباطه الإقليمي، مع دعوات متكررة للفصل بين المجتمع الشيعي والتنظيم السياسي والعسكري.

غير أن بعض الشخصيات المنتقدة للحزب اعترضت أيضًا على غموض الاتفاق أو شككت في قدرته على تحقيق الانسحاب. ومن هنا، لم يصبح الاعتراض على «اتفاق الإطار» حكرًا على الحزب والثنائي، كما لم يصبح تأييده شرطًا تلقائيًا لكل من يطالب بحصرية السلاح.

وبقي الخلاف الجوهري في ترتيب الأولويات: هل يبدأ المسار بالانسحاب الإسرائيلي ثم معالجة السلاح داخليًا، أم يجب أن تتقدم الدولة بخطوات عملية لحصر السلاح كي تحصل، في المقابل، على الانسحاب وإعادة الإعمار؟

ثامنًا: الجنوب المحلي... العودة تصطدم بالدمار والواقع الأمني

عكست مواقف البلديات الجنوبية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى طبقة أخرى من الأزمة تختلف عن النقاشات السياسية الكبرى. ففي القرى الجنوبية، كان السؤال أكثر مباشرة: هل يستطيع السكان العودة إلى بيوتهم، وهل تبقى القرى قابلة للحياة أصلًا؟

ظهرت خلال تموز حملات لإزالة الركام وإعادة فتح بعض المناطق واستعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي، من النبطية إلى صور وبلدات أخرى. وفي المقابل، استمرت التفجيرات وعمليات حرق المنازل والتجريف، ما جعل جهود العودة تسير بالتوازي مع عمليات تدمير جديدة.

واتخذت بلديات عدة مواقف رافضة للتوصيفات التي قد توحي بأن بلداتها أصبحت مناطق أمنية منفصلة أو خاضعة لـ«سيطرة بالنار». كما نفت بلديات قرى مسيحية في الجنوب ادعاءات إسرائيلية نسبت إليها رغبة في الانفصال عن لبنان أو الانضمام إلى إسرائيل، وشددت على تمسكها بالدولة اللبنانية.

وفي منتصف الشهر، ارتفعت لهجة بعض البلديات الحدودية، التي تحدثت عن خطر «محو» القرى وتحويلها إلى مناطق غير قابلة للحياة. وبرزت مطالب للدولة بالتحرك لوقف تدمير المنازل والأراضي والبنية التحتية.

أما المرجعيات الدينية الشيعية، فركزت على الانسحاب والسيادة والوحدة الوطنية، مع خطاب شديد الانتقاد للاتفاق وللسياسة الحكومية في بعض الأحيان. وفي الوقت نفسه، ظهر اهتمام بالواقع الاجتماعي للعائدين وبغياب الخدمات والمساعدات عن القرى المدمرة.

وبذلك، كانت إعادة الإعمار حاضرة طوال الشهر، لكنها بقيت معلقة على شروط سياسية وأمنية لم تنضج بعد: الاستقرار، والانسحاب، وآلية التمويل، ودور الدولة في إدارة العملية.

تاسعًا: حرب السرديات... من يعرقل السلام ومن يحمي السيادة؟

كانت السرديات الإعلامية الأكثر كثافة خلال تموز، ويمكن اختصارها في أربع روايات متنافسة.

الرواية الأولى، المرتبطة بـ«حزب الله» وإعلامه، قدمت «اتفاق الإطار» باعتباره نتيجة اختلال في موازين القوى ومحاولة أميركية–إسرائيلية لتحصيل مكاسب سياسية لم تتحقق بالكامل بالحرب. وفي هذه الرواية، يشكل استمرار الاعتداءات الدليل الأساسي على أن التخلي عن السلاح قبل الانسحاب يحمل خطرًا وجوديًا.

الرواية الثانية، التي ظهرت في وسائل وقوى معارضة للحزب، رأت أن استمرار سلاحه هو الذي يسمح ببقاء لبنان داخل دائرة الحرب ويمنع الدولة من استعادة قرارها. وفي هذا الخطاب، يمثل الاتفاق فرصة يجب استخدامها لنقل السلطة الأمنية والعسكرية إلى الجيش.

الرواية الثالثة، وهي الرواية الرسمية، حاولت الابتعاد عن الخيارين. فهي لم تعتبر الاتفاق حلًا نهائيًا، لكنها تمسكت به باعتباره الأداة المتاحة لإنهاء الاحتلال من خلال التفاوض. وربطت نجاحه بضمانات الانسحاب ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش.

أما رواية بري و«حركة أمل»، فتموضعت بين الرفض والتفاوض: الأولوية للانسحاب ووقف النار، مع رفض الفتنة الداخلية والحفاظ على الجيش بوصفه مؤسسة وطنية جامعة، لكن من دون منح المسار التفاوضي شرعية مفتوحة إذا لم يُترجم إلى نتائج ميدانية.

ومع نهاية الشهر، أصبحت قدرة كل سردية على الاستمرار مرتبطة بما يحدث على الأرض. فإذا تحقق انسحاب، تعززت حجة الدولة. وإذا استمرت إسرائيل في التوسع والتفجير، تعززت حجة الرافضين للاتفاق. وإذا دخل ملف السلاح مرحلة تنفيذية، انتقلت المواجهة من النقاش الإعلامي إلى اختبار سياسي واجتماعي أكثر تعقيدًا.

عاشرًا: الكلفة الإنسانية لا تتوقف

وفي آخر يوم من الشهر، وردت حصيلة تراكمية تبلغ ٤٣٣٣ قتيلًا و١٢٢٤٢ جريحًا.

وبذلك، ارتفعت الحصيلة التراكمية بين ١ و٣١ تموز بمقدار ٣٦ قتيلًا و٤٦ جريحًا.

ويعكس هذا الرقم طبيعة الشهر: على الرغم من الانتقال السياسي نحو التفاوض وبدء الحديث عن مناطق تجريبية للانسحاب، لم يتحول وقف إطلاق النار إلى توقف فعلي للخسائر البشرية.

ولا تختصر الكلفة الإنسانية بعدد القتلى والجرحى. فالقرى التي تعرضت لنسف المنازل والتجريف وإحراق الأراضي عاشت أزمة عودة وإقامة وخدمات، وظلت إعادة الإعمار مرتبطة بالتطورات السياسية وبقدرة الدولة على استعادة السيطرة المستقرة على المناطق المتضررة.

الخلاصة

كان تموز شهر الانتقال من «اتفاق الإطار» باعتباره نصًا سياسيًا إلى محاولة اختباره ميدانيًا. بدأ الشهر بسجال حاد حول الاتفاق وسط استمرار الاعتداءات، ثم ظهرت في النصف الثاني أولى خطوات التنفيذ في زوطر الغربية، بالتزامن مع انتقال الملف إلى مستوى أعلى خلال زيارة جوزف عون إلى واشنطن.

لكن الاختبار لم يحسم شيئًا. فقد بقي الانسحاب الإسرائيلي جزئيًا ومثار نزاع، واستمرت عمليات القصف والتدمير، فيما تحولت علي الطاهر إلى نقطة احتكاك شديدة الحساسية. وفي نهاية الشهر، أعادت التفجيرات الواسعة في الجنوب إظهار هشاشة المسار الدبلوماسي.

سياسيًا، أصبح ملف السلاح أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بثلاثة ملفات أخرى: الانسحاب، وانتشار الجيش، وإعادة الإعمار. الدولة ترى أن هذه العناصر يمكن أن تتقدم ضمن مسار متوازٍ؛ و«حزب الله» يرفض البحث في سلاحه قبل إزالة الاحتلال وضمان السيادة؛ أما القوى المعارضة فتضغط باتجاه تثبيت حصرية السلاح باعتبارها شرطًا لبناء الدولة والحصول على الدعم الخارجي. وحاول نبيه بري إظهار أنه يريد الحفاظ على معادلة تقوم على وقف الحرب والانسحاب وعودة السكان ومنع الصدام الداخلي.

لذلك، لم ينته تموز بانتصار أي من المقاربات الثلاث. «اتفاق الإطار» لم يسقط، لكنه لم يتحول أيضًا إلى تسوية مستقرة. الجيش بدأ دخول مناطق ينسحب منها الإسرائيليون، لكن نموذج زوطر لم يصبح بعد قاعدة عامة. و«حزب الله» حافظ على رفضه السياسي لنزع السلاح، في حين بقيت الوقائع العسكرية قادرة على إعادة خلط الأوراق في أي لحظة.

المسألة التي تركها تموز مفتوحة للشهر التالي لم تعد فقط ما إذا كان التفاوض سيستمر، بل ما إذا كانت الأطراف قادرة على تحويله إلى معادلة متزامنة تحقق ثلاثة شروط متنازعًا على ترتيبها: انسحاب إسرائيلي فعلي، وانتشار كامل للدولة والجيش، وتسوية داخلية لمسألة السلاح من دون الانتقال من الحرب مع إسرائيل إلى أزمة لبنانية داخلية.

مقالات مشابهة
03・09・2026
تقرير شهري – آب ٢٠٢٦: من وعود «اتفاق الإطار» إلى حصار علي الطاهر
انتهى الشهر من دون حسم. بقيت الجولة الثامنة من مفاوضات روما مطروحة لشهر أيلول، لكن موعدها وشروطها وآلية التحقق ظلّت موضع غموض. وتمسكت رئاسة الجمهورية والحكومة بالتفاوض باعتباره أقل كلفة من الحرب، مع تأكيد حصرية السلاح ودور الجيش، فيما صعّد «حزب الله» رفضه للمسار ووصفه بأنه يشرعن العدوان. أما «حركة أمل»، فجمعت بين رفض «اتفاق الإطار» كما طُبّق، والتشديد على الجيش والدولة والوحدة الوطنية والحضور الدو
03・07・2026
حزيران ٢٠٢٦: من الحرب إلى الانقسام حول «اتفاق الإطار»
دخل لبنان شهر حزيران ٢٠٢٦ وهو يحمل إرث وقف إطلاق النار غير المطبّق، ومفاوضات عسكرية وأمنية لم تُنتج انسحابًا إسرائيليًا، ومعارك برية امتدت نحو دبين والشقيف وشمال نهر الليطاني، وانقسامًا داخليًا متصاعدًا حول التفاوض والسلاح. استمرت، خلال الأيام الأولى من حزيران، العمليات البرية التي كانت قد بدأت في أواخر أيار حول دبين وقلعة الشقيف ووادي السلوقي...
03・06・2026
أيار ٢٠٢٦: هدنة تشبه الحرب...
اتسم الشهر بتزامن مسارين متناقضين: مسار تفاوضي تقوده مؤسسات الدولة اللبنانية برعاية أميركية، ومسار ميداني اتجه نحو مزيد من الاتساع والخطورة؛ وبينما كان لبنان يطالب بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، امتدت العمليات البرية الإسرائيلية إلى محاور حداثا وزوطر الشرقية ودبين ومرتفعات الشقيف. وانتهى الشهر من دون تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، ومن دون انسحاب إسرائيلي، مع ارتفاع الكلفة البشرية واتساع الخ