.jpg)
لم يعد شيعة المنطقة العربية يعيشون مجرد أزمة سياسية عابرة بل حالة من القلق والتململ الوجودي الحادّ. عقود من الشحن الأيديولوجي والارتهان للمشروع الإيراني لم تُثمر سوى عزلة خانقة واقتصاد متهالك ومواجهة مفتوحة مع الشركاء في الوطن والمحيط العربي والدولي.
لقد نجحت الطبقة السياسية والدينية الحاكمة باسم الطائفة في تحويل مجتمع غني بتنوّعه وفكره إلى مجرد خزان بشري للحروب بالوكالة. أوهام الانتقام التاريخي ومشاريع الهيمنة الإقليمية التي صُدِّرت من طهران، لم تجلب للداخل سوى الفقر وتفتيت بذور المواطنة وزرع الخوف والرَّيبة لدى المكوّنات الوطنية الأخرى. لقد حُوِّل شيعة المنطقة من صنّاع ثقافة ودولة إلى أرقام في معادلات نفوذ عابرة للحدود.
إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان. إنه خروج تدريجي من سحر الشعارات وصرخة بوجه قيادات مرتهنة للولي الفقيه اختطفت مستقبل الطائفة وجرَفتها إلى الحضيض الأخلاقي والسياسي لصالح أجندات خارجية.
لكن الغضب الصامت لا يبني مستقبلًا إن لم يقترن بمسار عملي. إن القطيعة الشجاعة مع هذا النهج المدمِّر تبدأ بكسر جدار الخوف واستعادة النخب والشباب لدورهم الريادي بعيدًا من وصاية السلاح والفتوى. تتجسّد هذه القطيعة في العودة إلى الفضاء الوطني الجامع وإعادة إحياء مدرسة النُخب الفكرية والدينية التاريخية التي آمنت بالدولة وتكاملت مع محيطها العربي.
كما تتطلب هذه القطيعة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود وحصر التمثيل السياسي في قيادات مدنية تؤمن بسيادة القانون والمؤسسات. إن الخلاص يبدأ بحوار شجاع مع الشركاء في الوطن لإعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة المواطنة الكاملة والحقوق المتساوية، بعيدًا عن أوهام التسلط والاستقواء.





