07・08・2026
من العدد ٣٧
تجار الدّم وآلهة الوهم: في ضروة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود


لم يعد شيعة المنطقة العربية يعيشون مجرد أزمة سياسية عابرة بل حالة من القلق والتململ الوجودي الحادّ. عقود من الشحن الأيديولوجي والارتهان للمشروع الإيراني لم تُثمر سوى عزلة خانقة واقتصاد متهالك ومواجهة مفتوحة مع الشركاء في الوطن والمحيط العربي والدولي.

لقد نجحت الطبقة السياسية والدينية الحاكمة باسم الطائفة في تحويل مجتمع غني بتنوّعه وفكره إلى مجرد خزان بشري للحروب بالوكالة. أوهام الانتقام التاريخي ومشاريع الهيمنة الإقليمية التي صُدِّرت من طهران، لم تجلب للداخل سوى الفقر وتفتيت بذور المواطنة وزرع الخوف والرَّيبة لدى المكوّنات الوطنية الأخرى. لقد حُوِّل شيعة المنطقة من صنّاع ثقافة ودولة إلى أرقام في معادلات نفوذ عابرة للحدود.

إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان. إنه خروج تدريجي من سحر الشعارات وصرخة بوجه قيادات مرتهنة للولي الفقيه اختطفت مستقبل الطائفة وجرَفتها إلى الحضيض الأخلاقي والسياسي لصالح أجندات خارجية.

لكن الغضب الصامت لا يبني مستقبلًا إن لم يقترن بمسار عملي. إن القطيعة الشجاعة مع هذا النهج المدمِّر تبدأ بكسر جدار الخوف واستعادة النخب والشباب لدورهم الريادي بعيدًا من وصاية السلاح والفتوى. تتجسّد هذه القطيعة في العودة إلى الفضاء الوطني الجامع وإعادة إحياء مدرسة النُخب الفكرية والدينية التاريخية التي آمنت بالدولة وتكاملت مع محيطها العربي.

كما تتطلب هذه القطيعة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود وحصر التمثيل السياسي في قيادات مدنية تؤمن بسيادة القانون والمؤسسات. إن الخلاص يبدأ بحوار شجاع مع الشركاء في الوطن لإعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة المواطنة الكاملة والحقوق المتساوية، بعيدًا عن أوهام التسلط والاستقواء.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...
أيضاً للكاتب/ة
05・09・2026
بين النفوذ وجذور الهوية هل يستعيد المجتمع الشيعي اللبناني أصالة تاريخه ؟
علي الضيقة
هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة...
09・07・2026
الدويلة تلتهم الدولة أو معادلة الوطن في خدمة «المقاومة»
علي الضيقة
أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.