(2).jpg)
امتلأ المقهى الواقع في إحدى قرى بنت جبيل عن بكرة أبيه. وصل كثيرون قبل انطلاق المباراة بوقت طويل، لكنهم لم ينجحوا في العثور على كرسي شاغر. مواجهة مصر والأرجنتين شدّت الأنظار، لكنها لم تكن مجرد مباراة في كأس العالم، بل بدت مناسبة أعادت أبناء القرى والبلدات الجنوبية إلى طقس افتقدوه طويلًا؛ الجلوس معًا في مكان واحد، وتبادل المزاح و«التزريك» الرياضي، والانفعال مع كل هجمة وهدف، بعد أشهر كانت فيها المقاهي مغلقة، والقرى شبه خالية، والناس موزعين بين مراكز الإيواء والنزوح.
وفي الطريق إلى المقهى، تبدو المباني والمحال التجارية المهدّمة على جانبي الطريق. حركة السير بطيئة، ومعظم المحال لم تفتح أبوابها مجدّدًا بسبب الأضرار التي لحقت بها، فيما بدا المقهى المكتظّ وكأنه ينتمي إلى عالم آخر، أشبه بصرخة تؤكد تمسّك الناس بالحياة رغم كل شيء.
أنهكت الحروب المتلاحقة الجنوبيين، فتأرجحت حياتهم خلال السنوات الثلاث الأخيرة بين نزوح متكرر، وخسارة للمنازل والأرزاق، وانتظار دائم لاحتمال اندلاع حرب جديدة.
يقف أبو حسين، ابن بلدة تبنين، أمام متجره لبيع المواد الغذائية، الذي أعاد فتحه بعد أسبوعين من توقف الحرب. يقول في حديث مع «فان رقم ٤» إنه لا يزال مترددًا في إعادة تعبئة متجره كما كان في السابق، بعدما خسر رأسماله في حرب الإسناد الأولى، ثم تلقى ضربة ثانية في الحرب الأخيرة، إذ دُمّرت بضائع لم يكن قد سدّد ثمن معظمها، ما راكم عليه ديونًا كبيرة.
ويشير إلى أن الحياة لم تعد إلى طبيعتها في القرى الواقعة خارج الخط الأصفر، رغم عودة بعض الأهالي، فخدمات المياه والكهرباء والإنترنت لا تزال متردّية، والغبار يملأ المكان. ويقارن المشهد الحالي بشهر تموز في السنوات التي سبقت الحرب، حين كانت القرى تضج بالمصطافين القادمين من بيروت والمغتربين، ليبدو المشهد اليوم أكثر فراغًا وكآبة.
ويضيف أنه يكتفي حاليًّا ببيع الخبز والسكاكر والاحتياجات الأساسية التي يستهلكها السكان يوميًا، فالوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل أي مغامرة، فضلًا عن شحّ رأس المال اللازم لإعادة ملء رفوف متجره.
بالرغم من توقف الحرب، لم يتمكن كثير من أبناء القرى الجنوبية من العودة إلى بلداتهم، ليس بسبب المخاوف الأمنية فقط، بل لأن منازلهم دُمّرت أو أصبحت غير صالحة للسكن، فيما يواجهون صعوبة كبيرة في العثور على منازل للإيجار في المناطق القريبة.
البيوت المعروضة قليلة ومحدودة، والأسعار ارتفعت مع ازدياد الطلب، ما اضطر العديد من العائلات إلى البقاء في المدن أو لدى أقاربهم، وتأجيل العودة إلى قراهم حتى جلاء الأمور، وبالتالي فإن قرار العودة غير مرتبط حصرًا بوقف القصف بل بتأمين مأوى جديد للأسرة وهو أمر بات يشكّل تحدّيًا يوميًّا للكثيرين.
يقول أبو هادي في اتصال مع «فان رقم ٤» إنه خسر منزله في عيترون أثناء الإسناد الأول، فاستأجر منزلًا قرب تبنين، ثم عاد وخسره خلال حرب ٢٠٢٤ ليعود ويستأجر منزلًا في كفردونين ويخسره مرة أخرى في الحرب الحالية.
لم يعد في استطاعة أبي هادي استئجار منزل من جديد اليوم، في ظلّ ارتفاع أسعار الإيجارات بشكل يفوق قدرته، وخسارته لمصدر رزقه بسبب الحرب، فآثر مع عائلته البقاء في مركز الإيواء في بيروت، وهو يتخوّف من أن تٌغلق هذه المراكز قريبًا ما يعني أنه سيُرمى في الشارع مع عائلته.
من جهته، يقول حسّان، وهو من بلدة الشهابية، في حديث مع «فان رقم ٤» إنه فقَد صالون الحلاقة الذي كان يملكه بعدما أتت غارة إسرائيلية على المبنى بأكمله. ويضيف: «لم أخسر المحل فقط، بل خسرت أدوات العمل التي جمعْتها على مدى سنوات، والديكور الذي كلّفني أكثر من عشرة آلاف دولار، إضافة إلى قوارير العطر وماكينات الحلاقة وكل ما أحتاجه للقيام بعملي».
ولعدم قدرته على استئجار محل جديد، اشترى الحد الأدنى من الأدوات بعد أن اقترض ثمنها من أحد أقاربه، وعاد إلى مزاولة المهنة من منزله، حيث يقصده بعض أقاربه وزبائنه، فيؤمن بذلك دخلًا متواضعًا لا يكفي لتغطية متطلبات الحياة.
ويأمل حسّان أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وأن يتمكن من افتتاح صالون جديد بدل العمل من المنزل، لما يسببه ذلك من انتهاك لخصوصية أسرته وإزعاج لها، رغم ما تبذله من تضحيات لمساندته.
بدورها، تقول سلمى، التي تعيش وحدها في منزلها في بلدة البازورية في قضاء صور، إنها عانت كثيرًا خلال أشهر النزوح الطويلة، بعدما لجأت إلى إحدى المدارس في بيروت، حيث واجهت صعوبة النوم، وغياب الخصوصية، وضغطًا نفسيًّا مستمرًّا.
وتضيف في حديث مع «فان رقم ٤» إن حقيبة النزوح لا تزال جاهزة لأي طارئ، لأن أي تطوّر أمني قد يجبرها على تكرار الكابوس نفسه. وفي الحربين الأخيرتين، قادت سيارتها وحدها نحو العاصمة، وكانت الرحلة التي تستغرق عادة أقل من ثلاث ساعات تمتدّ لأكثر من عشرين ساعة، رغم معاناتها من آلام حادة في الظهر والرقبة والمفاصل.
وعندما عادت إلى منزلها بعد الحرب الأخيرة، وجدت الزجاج مهشّمًا بالكامل، فيما لحقت أضرار كبيرة بالجدران والأسقف والأثاث نتيجة الغارات التي استهدفت محيط المنزل. ونظرًا لعدم قدرتها على إصلاح الأضرار، اكتفت بوضع النايلون مكان الزجاج المكسور، كما أنها تخشى إنفاق المال على الترميم في ظلّ احتمال تجدّد الحرب. وتختصر واقعها بعبارة مؤلمة: «مشّينا حالنا بالنايلون... كل حياتنا صارت تمشاية حال، وناطرين نموت ونرتاح».
بالنسبة إلى كثيرين، لم تكن العودة إلى القرى عودة إلى الحياة التي عرفوها قبل الحرب، بل بداية مرحلة جديدة من التكيّف مع خسائرهم. تاجر يبيع الحد الأدنى من البضائع، وحلّاق يعمل من غرفة في منزله بعد أن فقَد صالونه، وامرأة تبقي حقيبة النزوح قرب الباب لأنها لا تثق بأن الهدوء سيطول.
قد تمنح مباريات كأس العالم الجنوبيين تسعين دقيقة ينسون خلالها همومهم، ويستعيدون شيئًا من اللقاءات والضحكات التي غابت طويلًا، لكنها لا تستطيع إعادة المنازل المهدّمة، ولا المحال التي دُمّرت، ولا الأحبّة الذين فقَدوهم، ولا الإحساس بالأمان الذي سلَبته الحرب.
وبين الرغبة في استعادة الحياة، والخوف الدائم من خبر عاجل قد يقلب كل شيء رأسًا على عقِب، يواصل أبناء الجنوب محاولاتهم للعودة إلى يومياتهم، مُدركين أن أصعب ما خلفّته الحرب ليس الدمار وحده، بل العيش في انتظار حرب قد تأتي من جديد.





