05・08・2026
من العدد ٣٧
الدولة الشبح وظلّها الميليشياوي؛ برومير لبنان

يفتتح كارل ماركس كتابه «الثامن عشر من برومير - لويس بونابرت» (١٨٥٢) بهذه الجملة الشهيرة: «يقول هيغل في مكان ما، إن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. وقد نسي أن يضيف: المرة الأولى كمأساة، والمرة الثانية كمهزلة». ويفتتح الفصل الأول، من الكتاب نفسه، قائلًا: «إن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم؛ إنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها وهي مُعطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي». يرفض ماركس اعتبار أن التاريخ يعيد نفسه كحلقات متماثلة، ويؤكِّد أن أي قدَرٍ من التشابه الشكلي بين الأحداث، يخفي في طياته اختلافات جوهرية في مضمون الصراع، وبالتأكيد لا يغفل دور الإنسان (مفهوم البراكسيس) سواء في تثبيت واقعه أو تغييره، وسواء أكان تقدّمًا أو انكفاءً. ولهذا، فإنه يعتبر تكرار الحدث «مهزلة»، ليس رفضًا للحدث نفسه، ولا استخفافًا بحقيقة أو حتى بضرورة ولادته. فالتاريخ بالنسبة لماركس لم يكن مجرّد حلقات مترابطة ميكانيكيًّا بل الترابط بينها عضوي تمامًا، وهو بشكلٍ رئيسي نتاج تشكّل وتفاعل الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تنشأ بين جميع البشر خلال عملية إنتاج وتوزيع الثروة.

وإذا أردنا الاستعانة بالمنطق الماركسي لتناول موضوعتي الميليشيات والدولة في لبنان، فإن التشابه الشكلي في مظاهر ولادة الميليشيات الطائفية لا يخفي اختلافًا في الأدوات فحسب، بل يعبّر عن تغيّرات نوعية في جوهر الصراع، حيث إن التناقض لم يعد بين مشروعين، كـ«الحركة الوطنية» و«الجبهة اللبنانية»، أو بين طائفة تحمل مشروعًا فيدراليًّا أو عروبيًّا بوجه طائفة أو طوائف أخرى، ولا بين ميليشيات متحالفة مع إسرائيل أو ميليشيات مقاومة لها، بل امتدّ ليكرّس أزمة تاريخية تطال التكوين البنيوي للطبقة الحاكمة ذاتها من جهة، وأزمة أعمق تطال قدرة المجتمع اللبناني على إعادة إنتاج شروط الحياة المادية من جهة أخرى، وبخاصة بعد الانهيار الاقتصادي والمالي في عام ٢٠١٩. والأزمة الثانية معبَّرٌ عنها بوضوح في مستوى تفكّك الترابط الاجتماعي، والتدهور الكبير على صعيد السياسة والفكر والفن والثقافة عمومًا. أما الأزمة الأولى فتتجلّى بوضوح في التشابك الهائل للمصالح بين المصرفيين ومافيات الاحتكار والتهريب وعدد كبير من السياسيين والإعلاميين والقانونيين، والذي بلغ ذروته لحظة انهيار ٢٠١٩، حين هبَّ «حزب الله» لحماية هذه الشبكات في مواجهة مباشرة مع المجتمع اللبناني إبان انتفاضة تشرين الأول، مؤكِّدًا بدوره تصاعد مستوى التشابك البنيوي لهذه المصالح.

بالطبع، لا يمكن تحميل «حزب الله» وِزر تشكّل هذه الشبكات المتداخلة سياسيًّا وماليًّا وتجاهل جذور تكوّنها التاريخية، فهو العنصر المتغيّر والحديث في المعادلة السياسية، رغم أنه، في الوقت ذاته، لعب دورًا تاريخيًّا حاسمًا في حماية هذه الشبكات وإنضاج الظروف المؤاتية لها لتعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة. وفي دعمه النظام السياسي، وتحريضه المباشر على قسم كبير من الشعب اللبناني في عام ٢٠١٩، أطلق الحزب عمليًّا الرصاص على نفسه مرّتين، مرةً حين أعلن معاداة قسم غير يسير من اللبنانيين، بما في ذلك قسمًا من اللبنانيين الشيعة الذين آمنوا بأنّ تجاوز النظام الطائفي بات شرطًا تاريخيًّا مصيريًّا لا مجرّد رغبة ذاتية، فاصطدموا بجدار «حزب الله» المتين، ومرةً ثانية حين نقضت أحزاب ورموز حاكمة، من بين تلك التي دافع الحزب عنها بضراوة، تحالفها مع الحزب حين تلقّى الأخير ضربات قاسية من إسرائيل، وبخاصة «التيار الوطني الحر».

ولا تعيد سطوة أي من الميليشيات اليوم بالضرورة إشعال حربٍ أهلية مماثلة لتلك التي نشبت عام ١٩٧٥، رغم خصوبة الأرض الاجتماعية لاشتعال مثل هذه الحرب، سواء بسبب التباينات الطبقية المتزايدة في حدّتها، والحادة في تزايدها، أو الانقسامات الطائفية على مستوى القواعد الاجتماعية، متجاوزةً المستويين السياسي والإعلامي، أو ضعف سلطة الدولة بشكلٍ عام، إذ تحوّلت الأخيرة إلى كيانٍ حيادي هشّ، تخترقه الميليشيات والأجهزة الحزبية المحلية والاستخباراتية العالمية، ولا قدرة لديه على استرجاع قرار الحرب والسلم بشكلٍ حقيقي يضع حدًّا للتصعيد الإسرائيلي لاغيًا ذرائعه الواهية، وبالتالي يضع حدًّا موازيًا لثقافة الملشَنة المستشرية في جسد المجتمع اللبناني، والتي أصبحت بدورها موضوعًا للارتزاق عبر تكوين علاقات إقليمية تتجاوز الدولة. وهكذا، فإن «المهزلة» اليوم لا تكمن في الانبعاث الدوري والعبَثي للميليشيات وثقافتها، بل في أن الدولة نفسها باتت «شبحًا ملموسًا» لا حضور فعليًّا ووازنًا له في غير «ميدان» جباية الضرائب غير العادلة اجتماعيًّا وتوفير الغطاء السياسي والتشريعي لصفقات مشبوهة؛ أما الميليشيات، فلم تعد فاعلًا تاريخيًّا يملك مشروعًا سياسيًّا رؤيويًّا (كمشروعَي تحالف الميليشيات التي انضوت تحت رايتَي «الحركة الوطنية» و«الجبهة اللبنانية» عام ١٩٧٥)، بل وسيطًا متصلًا عضويًّا بالمجتمع اللبناني، يعمل على إعادة إنتاج علاقات ريعية تغذّي «اقتصاد الظلّ» (شبكات التهريب، والاحتكارات، والمصارف الموازية، وعصابات الإتاوات، ومافيات العقارات، وتجارة الممنوعات... إلخ.)، وترجمة أجندات خارجية إلى واقع محلي بمعزل عن مؤسسات الدولة وإرادة المجتمع المستلبة، وبالتالي تثبيت علاقات تبَعية تضرب مقوّمات الدولة في العمق مقوضةً أسس العقد الاجتماعي. 

وفي حُكم البداهة، نجد أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية الرسمية والميليشيات على أنواعها تاريخيًّا عكسية في طبيعتها؛ فصعود الميليشيات يقابله ضعف الجيش النظامي، سواء أكان ذلك سببًا أم نتيجة أم الاثنين معًا في آنٍ واحد. كما أن انخراط الميليشيات في آليات الحكم ينتج عنه إضعاف متزايد ومنهجي للجيش، هيكليةً وتسليحًا. ومما لا شكّ فيه أيضًا أن نموذج «الديمقراطية التوافقية» أنتج في سياقه المادي التاريخي جيشًا محدود القدُرات، سواء أوُجِدت الميليشيات أم لم توجد، لأن البنية السياسية القائمة على «التوازنات الطائفية» لا بد أن تحوّل أي جيش نظامي في نهاية المطاف إلى أداة توازن داخلي، بدلًا من أن يشكّل قوة ردع ولو جزئية ضد الأخطار الخارجية. هذا الفراغ الوظيفي الذي يتركه الجيش تاريخيًّا، تُسارع الميليشيات إلى ملئه، متخذةً مواقع متقدمة في موازين القوى، ومنافسةً الدولة على احتكار العنف، ومحدّدةً خيارات الحرب والسلم. ولفهم سياسة الدولة اللبنانية في تفادي الاحتكاك تاريخيًّا بإسرائيل، والجذور التاريخية لضعف الجيش اللبناني، يجب العودة إلى طبيعة نشأة الدولة اللبنانية أولًا، إذ نشأت بالتحديد على أساس الولاءات المتناقضة، وإلى إرادة المنتدب الفرنسي ثانيًا، إذ حرص على إبقاء الجيش اللبناني مجرد قوة رمزية محدودة التسليح والعتاد منذ نشأته حتى أواخر الستينات من القرن الماضي. وهذا التناقض في طبيعة نشأة الدولة اللبنانية وبنيتها الهشّة والتناقضية تجسَّد ماديًّا ضعفًا هيكليًّا في مؤسسة الجيش.

إلّا أن «المهزلة» التاريخية تتعمَّق شيئًا فشيئًا حين نجد أن الميليشيات، التي تملأ فراغ الدولة الضعيفة، لم تعد تحدِّد خيار الحرب والسلم انطلاقًا من أرضية قرار وطني، أو حتى من تناقض طائفي داخلي قابلٍ للحوار أو التسوية، كما جرت عادة ميليشيات الحرب الأهلية التي نشأت في سياق صراع داخلي حول مشروعَين متعارضين، رغم تحالفها مع هذا الطرف الخارجي أو ذاك. بل أصبحت، وفي مقدمها «حزب الله» اليوم (وأي ميليشيا جديدة تنشأ على أرضية الواقع الجديد ستتماثل، إلى هذا الحد أو ذاك، مع الحزب في طبيعتها الوظيفية) كيانات تابعة بشكل تام للإرادة الخارجية، بدءًا من تحوّل الدعم الخارجي لها من دعمٍ غير مشروط، أو شبه مشروط يحمل شروطًا سياسية أو أيديولوجية عامة ويترك هامشًا للمناورة على مستويات عديدة، وينبع من تقاطع موضوعي للمصالح، أي مصلحة الميليشيات المحلية من جهة، ومصلحة الدول الداعمة من جهة أخرى، إلى دعمٍ مشروطٍ بالكامل. وهذا التحول يضع الميليشيات اللبنانية، وعلى رأسها «حزب الله» اليوم، في موقع تعارضٍ تام على مختلف المستويات مع القاعدة الاجتماعية، رغم أن الأخيرة مستلبة الإرادة بشكلٍ كبير رغم نكرانها هذا الاستلاب، وغارقة في دوّامة تقديم التضحيات، وتقديس هذه الدوامة دون أفقٍ واضح. وقد مثَّلت قيادة الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصرالله آخر مراحل التقاطع الموضوعي بين ميليشيا فاعلة تاريخيًّا رغم عدم امتلاكها مشروعًا سياسيًّا وطنيًّا، والداعم الذي كان يترك هامشًا من الاستقلالية السياسية وحتى الاستراتيجية لها. وهنا بالذات مكمن الخطورة في المستقبلَين القريب والبعيد.

وإذا كان قرار السلطات اللبنانية القاضي بانسحاب الجيش اللبناني من الخطوط الأمامية ومناطق جنوب الليطاني، منذ انخراط «حزب الله» في الحرب الإقليمية من بابها الواسع، في ٢ آذار ٢٠٢٦، ينطوي على حسن تدبّر، حفاظًا على أرواح الجنود اللبنانيين المكشوفين تمامًا للقوات الإسرائيلية من جهة، ومنعًا للبنان الرسمي، الذي رفض علنًا الانزلاق إلى هذه الحرب قبل التاريخ المذكور آنفًا، من الارتباط كليًّا بجبهة إقليمية مشتعلة من جهة أخرى، ممّا يعطي إسرائيل ذريعة إضافية لتدمير جميع مقومات الحياة في البلاد، على غرار ما حصل في غزة، فإن عدم إصدار قرار رسمي بانتشار واسع وشامل للجيش في مدينَتي النبطية وصور غير المحتلّتين بعد والقرى المحيطة بهما، منذ إعلان إسرائيل حدود ما يسمى بـ«الخط الأصفر»، يمثّل تخليًّا واضحًا وغير مبرَّرٍ عمّا يمكن التمسّك به، والتقليل من حجم الضرر اللاحق، حتى لو تطلّب ذلك سقوط عدد من الشهداء للجيش، فإنهم يُقتَلون من دون مقابل في مواقع متعدّدة، مصحوبًا بشعور عناصر الجيش بفقدان ثقة المجتمع الجنوبي، وبعارٍ يمكن تلافي ولو جزءٍ منه، دون إعلان أي شكلٍ من أشكال المواجهة غير المتكافئة والتحدّي المباشر مع القوات الإسرائيلية. وبهذا أيضًا، يتكرّر الحدث نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة. فليس المطلوب من الجيش القيام بمهمات مستحيلة أو انتحارية، بل تغطية الفراغ ولو جزئيًّا على الأقل.

عندما وقَّعت الدولة اللبنانية اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في ٢٣ آذار ١٩٤٩ برعاية الأمم المتحدة، كانت هذه أول ترجمة مؤسساتية لسياستها الخارجية، في محاولة تفادي إجرام الدولة الإسرائيلية المدعومة غربيًّا. غير أن اتفاقية الهدنة رسَّخت في العقل الرسمي اللبناني عقيدة «إدارة الهدنة»، بدلًا من تطوير استراتيجية دفاعية متكاملة. وهذه العقيدة/ الوهم كانت أحد عوامل التمهيد لتسليم ملف مواجهة التهديدات الإسرائيلية بالكامل إلى الميليشيات، وصعودها كبديلٍ وظيفي للدولة، وهذا لا ينتقص من عوامل تاريخية أخرى، أبرزها تنامي النقمة الشعبية، ولا سيما منذ حرب الأيام الستة (النكسة) في حزيران ١٩٦٧ (عودة إلى مقولة ماركس: «الناس يصنعون تاريخهم، لكن في ظروف لم يختاروها»؟). والوهم نفسه يُعاد إنتاجه اليوم عبر عقيدة «إدارة الاتفاق الإطاري»، إذ يُقنِع العقل الرسمي اللبناني نفسه بأن منطق تفادي الصدام يجب أن يستمر إلى ما لا نهاية، حتى لو تطلّب الأمر انسحاب الجيش اللبناني إلى أقاصي الشمال، دون شعورٍ بالحاجة الملحّة إلى كسر دوامة الاستنزاف الإسرائيلي، ولو بقول «لا» للاشتراطات الإسرائيلية المتمادية، لا بالمواجهة العسكرية المباشرة! وبهذا أيضًا، يتكرّر عقل «إدارة الهدنة» نفسه، متجاوزًا نمط تكرار الأحداث، مرةً كمأساة ومرةً أخرى كمهزلة. 

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...