.jpg)
في بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، جرّاء حرب إسناد «طوفان الأقصى»، نزح أهالي بلدة بيت ليف الحدودية إلى مدينة صور. استقروا في مراكز النزوح، وهناك واجهوا الفترة الأولى من الحرب، بقسوتها: قلة الموارد، صعوبة التحديات، ومع ذلك كانوا يحاولون بأقل الإمكانيات تأمين ما يكفيهم للصمود.
لم ينتظروا طويلًا. أكمل الأهالي حياتهم في مكان نزوحهم، محاولين استعادة أعمالهم التي كانت مصدر عيشهم قبل الحرب. فمنهم من افتتح بسطة سندويشات ومشاوي، ومنهم من فتح دكانة، وآخر افتتح فرن صاج أو بائع خضار وفواكه. بل إن أحدهم افتتح كاراج لتصليح السيارات. فتحولت مراكز النزوح إلى فضاءات اقتصادية مصغّرة، كلها بأيادي أهالي بيت ليف.
محمد ملك، النازح من بيت ليف، والذي افتتح بسطة سندويشات ليحاول الصمود من خلالها، يقول:
«نزحنا بسبب العدوان الإسرائيلي على منطقة صور، والوضع صعب. كان عندي ملحمة ببيت ليف، بسبب العدوان راحت. عملت هلّق مشوى صغير، الحمد لله ماشي لحال».
علي مصطفى، ميكانيكي سيارات، كان لديه عمله الخاص في بيت ليف: محطة وقود وكراجات للأعمال الميكانيكية. لكن العدوان أجبره على ترك كل شيء خلفه. يقول:
«كان عندي محطة بنزين ومغسل سيارات وكاراج ميكانيك،. تدمر كل شي وراح كل شي. ما بقي عنا شي، الحمد لله، وحتى البيت راح». ويتابع: «كان في صعوبة كتير بالحياة المعيشية. بقي عندي عدّة صغيرة، فقررت أن أفتح فيهن كاراج صغير، وأُكمل حياتي».
لطالما كانت بيت ليف رمزًا للصمود وللحياة. قبل حرب الـ٦٦ يومًا، كانت الضيعة مليئة بالحياة والأعمال والمصالح الكثيرة. كان أهلها يعيشون حياة سعيدة وبسيطة. بعد تلك الحرب، نزحوا إلى أن انتهت. وعند عودتهم في ٢٠٢٥، واجهوا دمارًا واسعًا: «مصالح» ودكاكين مدمّرة. لكن لأهالي بيت ليف رأي آخر: أعادوا الحياة للبلدة. فتحوا أكثر من دكانة ومقهى، وأعادوا الكهرباء والمياه، وأسّسوا محال تحويل أموال، مثل الـ Wish Money وOMT وعادت القرية تضجّ بالحياة.
إلى أن اندلعت حرب الإسناد الثانية، المستمرة حتى اليوم، وما زالت بيت ليف ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي. خرج الأهالي، وخرجت معهم الحياة. تحولت الضيعة إلى ركام، ولم يبقَ منها سوى أربعين بيتًا ومستشفى. وإعادتها إلى الحياة تحتاج إلى وقتٍ طويل… وتحتاج، قبل كل شيء، إلى أهلها.
يحاول أهالي بيت ليف التماسك مع بعضهم البعض. يجلسون كل يوم أمام مراكز نزوحهم ويتحدثون، كما كانوا يفعلون في بيت ليف التي لم تكن تخلو من جلسات أهلها في ساحة البلدة، على مدرّجاتها، وأمام بيوت بعضهم. هكذا تعوّدوا: أن يظلوا مجموعةً رغم الحرب. أو يجلسون تحت ظلِّ شجرة: غضبان «أبو حسين»، نصر «أبو حسن»، ناصيف «أبو علي»، عبدالله «أبو خليل»، كريم «أبو حمزة»، وغيرهم من رجال الضيعة، يتحدثون ويتضاحكون.
غضبان مصطفى استشهد له ولدان في الحرب السابقة، وتكبّد أيضًا خسائر مادية جسيمة خلال الحرب الحالية، دُمّر له ولعائلته ١٢ منزلًا و٥ محال وورش لتصليح السيارات والميكانيك، كما خسر الكميونات والبوكلينات التي كان يمتلكها ويعتمد عليها في عمله إلى جانب أولاده، لتتحول سنوات طويلة من الجهد والعمل إلى خسارة كبيرة أثّرت على حياته ومصدر رزقه.
ناصيف السيد كان يملك منزلًا يعلو مجموعة من المحال قُصفت مع المنزل في حرب الـ٦٦ يومًا. بعد عودته إلى بيت ليف، أعاد تعمير محال جديدة ليستعيد عمله ولم ينتظر حصوله على تعويضات. لكن في العدوان الحالي، قُصفت المحال التي لم يستطع فتحها بعد، وقُصف بيته ولم يعد يمتلك شيئًا. وخسر أيضًا ٥ أفراد من عائلته، كانوا قد استشهدوا في أول يوم وقف إطلاق النار بمجزرة ارتكبها العدو الإسرائيلي بعد حرب الـ٦٦ يومًا.
نصر مصطفى كان يعمل في نقل المياه ويملك بقرًا يعتاش من خلالها ببيع الحليب، صناعة اللبن واللبنة. كل ذلك راح بسبب العدوان. لكنه اليوم افتتح بسطة خضار ويحاول الاستمرار رغم الصعوبات. يقول:
«عم نقضي الأيام بالقعدة ومنسَولف مع بعضنا، ومننطر فرج الله».
بيت ليف، قرية جنوبية حدودية في قضاء بنت جبيل، تميزت بموقعها بين الجبال والوديان، وفيها محميّة طبيعية. تبلغ مساحتها ٥.٣ كيلومترات مربعة. لكنها لم تسلَم من العدوان والاحتلال.
يقول مختار بيت ليف، محمد اسماعيل: «التدمير لا يشمل فقط بيت ليف بل القرى المجاورة لها أيضًا. إنه تدمير همجي صهيوني. ما بدّهم الناس ترجع على بيوتها. تدمير البُنى التحتية، تدمير البيوت وتدمير المدارس. وشعوري لمّا شفتها على الصورة الجوية، متلي متل هالعالم… الله بعوض».
فبعد أن حصل الأهالي على خريطة جوية عبر القمر الاصطناعي منذ أيام، تبيّن أن الضيعة كلها مُسحت. كان هناك ما يقارب ١٢٥٠ وحدة سكنية، لم يتبقَ منها بيت واحد. قبل أسبوع كان لا يزال هناك ٤٠ بيتًا، لكن العدو أكمل عدوانه وفجّرها أيضًا. بيت ليف مُسحت ١٠٠%.
قام العدو بأعمال تخريبية ممنهجة: فجّر البيوت والمحلات التجارية، جرَف الطرقات والأشجار والزيتون، دمّر المدرسة. لم يبقَ أثر لأي شيء. حتى معالمها تغيّرت. أصبحت الضيعة ساحة كبيرة خالية من أي شيء حيّ. لم يبقَ إلّا المستشفى الذي كان العدو قد اتخذه سابقًا موقعًا له ومعسكرًا، وبركة المياه الكبيرة التي تتوسط بيت ليف بين محميّتها وبيوت أهلها.
بعد وقف إطلاق النار الحالي وعودة معظم أهالي الجنوب إلى قراهم، لم يستطع أهالي القرى الحدودية العودة بسبب احتلال قراهم. وهم الآن ينتظرون وقف إطلاق نار حقيقي وانسحاب العدو الإسرائيلي من قريتهم، ليستطيعوا العودة إليها وإعادة إعمارها.
يقول المختار محمد اسماعيل:
«نريد وقف إطلاق نار حقيقي والعودة إلى قرانا. ولكن رح نفوت ع الضيعة ونرجع نطلع، لأنه ما في بيوت تسكنها الأهالي. رح نسكن بالقرى المجاورة إلى حين إعمار بيت ليف، أو إذا جابولنا بيوت جاهزة وخيَم نسكن فيها».
حوراء حميّد «من بيت ليف، ناشطة في العمل الاجتماعي»، تقول:
«هلق نحنا ما منستغرب إنو العدو يكون عم يحاول ياخد الأرض بأي طريقة ممكنة ويكون عم يحتلها، لأنو نحنا منعرف إنو هوي عندو مطامع كبيرة جدًا بالأرض وبالتوسع. ما منستغرب إنو صار في وقف إطلاق نار وما صار في انسحاب، لأنو هيدا العدو ولا مرة تراجع أو انسحب من أرضنا إلّا بالقوة، بفعل المقاومة إن كانت شعبية أو عبر الأحزاب».
وعن علاقتها ببيت ليف، تصفها بمشاعر لا تُوفىيها حقّها:
«بشبّها بعلاقة الإنسان والدورة الحياتية لاله. لما يكون طفل، بكون عنده أم تهتم فيه، بتعطي كل الحب والذكريات والأشيا الحلوة. بعدين لما الأم تكبر وتتقدم بالعمر أو تمرق بمحنة، المرض أو الشيخوخة، هيدا الطفل بكون كبر وصار يحسّ إنها هي طفلته وهو صار أمها. هيك علاقتي ببيت ليف: هي أعطتنا، وهلق هي متل بنتي الصغيرة، بكنّلها مشاعر الأمومة وبحسّ إنو أنا لازم كون عم بهتمّ فيها».
وتضيف عن إعمار بيت ليف:
«أنا مع إنو يكون عنا مقاومة نسوية، مقاومة شعبية بتشمل كل فئات المجتمع، متل ما كان قبل. إذا تطلب منا الموضوع مقاومة من النساء، أنا بكون. علاقتنا ببيت ليف وانتمائنا لهيدي الأرض، نحنا أكيد منرجع منعمر، لأنو نحنا كلنا أمل وثقة إنو متل ما هي أعطتنا وعملنا ذكريات، بدها تعطي ولادنا وولاد ولادنا. فنحنا منعمر، منبني ذكريات وقصص».
محمد حميّد «مسؤول مجموعة بيت ليف الأخبارية وناشط في العمل الإغاثي للبلدة»، يعبّر عن خيبة الأمل بعد انتظار العودة: «هلق نحنا كان عنا أمل كتير لما طلع وقف إطلاق النار إنو نرجع ع ضيعتنا. بس لما صار وقف إطلاق نار، إسرائيل ما انسحبت من الضيعة، ضلّت محتلتها. فهون صار عنا نوع من خيبة الأمل. وهلق عم ننطر شو ممكن يصير. منضلّنا عم نتأمل إنو ينسحبوا لنرجع ع ضيعتنا».
بيت ليف اليوم ليست مجرد قرية مدمّرة. إنها فكرة. أهلها الذين حملوا الحياة في حقائبهم، وفتحوا بسطة سندويشات في مركز نزوح، وأصلحوا محرك سيارة في كاراج مؤقت، وجلسوا تحت ظلّ شجرة ليتسامروا رغم كل شيء، هم الذين سيعيدون بناءها. لأنهم، كما يقولون، لا يعرفون سوى شيئًا واحدًا: أن يحبوا الحياة، وأن يُعيدوها إلى حيث أُخرجت منها.



