02・08・2026
من العدد ٣٦
«البيئة الحاضنة للمقاومة»: من الدعوة إلى حماية «الجماعة» إلى عزلها!

في «خطاب النصر» الذي أعقب حرب تموز مباشرة، يقول السيد حسن نصرالله التالي: «الذي أوقف الحرب، بعد فضل الله عز وجلّ، أبناءكم المقاومون، وهذا الشعب الوفي الأبي الشجاع الذي احتضن المقاومة». كانت ربما تلك أول إشارة إلى ما يعرف اليوم بـ«البيئة الحاضنة»، لكنها، على الأغلب، لم تكن قد استُخدمت في الأدبيات السياسية والإعلامية لـ«حزب الله» قبل العام ٢٠٠٦. وكانت أقرب ما تكون إلى حالة «نفسية» تشكلت بفعل عدد من العوامل والظروف التاريخية، منها العداء لإسرائيل كواحدة من المسلّمات التي حمل رايتها كثير من الأحزاب، كـ«حركة أمل» و«جبهة المقاومة الوطنية»، وهي تيارات بنى «حزب الله» على إرثها المقاوم. لكن الحزب ذهب في إلى مرحلة أخرى أكثر مأسسة، وأصبح الفاعل الأبرز في العمل المقاوم بعد اتفاق الطائف. أما العامل الأبرز في بروز تلك الحالة النفسية لدى البيئة الشيعية بوصفها بيئة حاضنة، فتجسّد في أن مرحلة التسعينات من القرن الماضي وصولًا إلى حرب تموز ٢٠٠٦ قد تعمّدت بالدم.

غير أن ظهور العبارة في خطاب نصرالله لا يعني بالضرورة أن الحالة التي نحن بصدد بحثها وُلدت في تلك اللحظة. فمصطلح «البيئة الحاضنة للمقاومة» لم يشتغل على صعيد الخطاب السياسي كوظيفة تعبَوية كما نعرفها اليوم، وقد تبلور تدريجيًّا في الأدبيات السياسية والإعلامية بعد العام ٢٠٠٦، لكن من الصعب تتبّع مصدر نشأته الأساسية؛ فهل نشأ من خطابات السيد حسن نصرالله، أم من خطاب إعلامي ما لبث أن انتشر وتمّ تبنّيه من قِبل قيادة «حزب الله»؟

ولفهم هذه المسألة، لا بد من العودة إلى المرحلة الأولى، أي المرحلة التي أسميتها المرحلة النفسية التي شكّلت الوعي الجمْعي الشيعي، يمكن القول إن الفكرة/ الشعور تبلور وترسّخ وأخذ يتمدد من «تحت الجلد» الشيعي ليطفو أخيرًا على سطح الخطاب السياسي. فما عزّز انغماسه في الوجدان الشيعي خليط من العوامل ربما يمكن التفكّر بها، لكن لا يمكن حصرها، ومنها صورة «المجاهد الشيعي» الذي يضحي بنفسه لتحرير أرضه، من خلال «العمليات الاستشهادية» وعمليات اقتحام المواقع الإسرائيلية في القرى الجنوبية المحتلة، وغرس راية «حزب الله» على قمة «الدشمة»، مترافقًا ذلك مع تصوير العمليات وبثّها عبر «قناة المنار» و«إذاعة النور»، مع كل ما كان يرافق تلك المرحلة من أحقية وشرعية خطابية وشعبية عربية عارمة مناهضة للغطرسة الإسرائيلية.

لكن تشكل هذه الحالة لم يرتبط بصورة المقاوم فقط، بل ارتبط أيضًا بتجارب جماعية عاشها أهل الجنوب خلال سنوات المواجهة. فقد رافقت عدة محطات تبلور ما وصفه الأمين العام لـ«حزب الله» بـ«الشعب الأبي الوفي الشجاع الذي احتضن المقاومة»، ومن هذه المحطات تجارب أهل الجنوب مع العدوان الإسرائيلي وفاتورة الدماء الباهظة، والتي توصف في أدبيات الحزب بكونها: «الدماء الطاهرة التي روَت أرض الجنوب»، كما حصل في عدوان العام ١٩٩٣ وعناقيد الغضب عام ١٩٩٦.

وإلى جانب تجربة المواجهة والدماء، راكم «حزب الله» مجموعة من المحطات التاريخية التي عززت هذه العلاقة مع جمهوره. ومن هذه المحطات أيضًا يمكن التأكيد على نجاحات «حزب الله» في خطف جنود إسرائيليين ومن ثم مبادلتهم مع أسرى لبنانيين، ومن ثم العملية الثانية التي أفضت إلى تحرير سمير القنطار. كلها كانت مكاسب راكمها «حزب الله» مع الشيعة، وبنى تلك الرابطة الصلبة القائمة على سردية التضحية فقط، أو كما يقول زياد الرحباني في أغنيته: «بلا ولا شي».

غير أن المحطة الأكثر استثنائية في تاريخ لبنان وتاريخ الجنوبيين تحديدًا كانت مرحلة خروج/ انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوبي لبنان عام ٢٠٠٠، محطة استغلها «حزب الله» أحسن استغلال، حينها زغردت النساء، وأُطلق سراح الأسرى من المعتقلات، وتحرر جنوبي لبنان، وقد رسمت تلك المحطة معالم اندماج الشيعة حول الحزب كمحرر لقراهم وأسراهم ورادع لإسرائيل.

هكذا، ساهمت هذه المحطات المتراكمة في نشأة الوعي الجمْعي الشيعي بالبيئة الحاضنة، دون أن يجد المصطلح طريقه إلى الخطاب السياسي كمدلول ذات بنية وهدف، ثم وصولًا إلى العام ٢٠٠٦ وإعلان الحزب انتصاره من بنت جبيل في خطابه الشهير: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت».

من الحضن السوري إلى «البيئة الحاضنة»

بوجود الجيش السوري في لبنان لم يكن «حزب الله» في حاجة إلى حاضنة، كان الجيش السوري يشكل حماية ومظلة للحزب ومشروعه، لكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري أعاد خلط الأوراق، وقرر «حزب الله» المشاركة في الحكومات ودوائر صنع القرار حيث أصبحت هناك حاجة لإعادة ترتيب موقعه داخل النظام السياسي اللبناني، خصوصًا مع تصاعد الجدل حول دور سلاحه ومستقبله.

وبات من الملحّ العمل على إيجاد حاضنة اجتماعية وسياسية ضمن إطار أكثر منهجية، لكن هذه المرة عبر آليات أخرى، منها الخدمات والمال النظيف والمشاركة في مفاصل السلطات الأمنية والقضائية وتطويع البيانات الوزارية لتكريس شرعية سياسية لسلاحه.

وهكذا وجد تعبير البيئة الحاضنة للمقاومة طريقه إلى الخطاب الإعلامي والسياسي لـ«حزب الله»، دون إمكانية لرصد مصدره الأساسي كمصطلح، وخصوصًا في خطاب الأمين العام للحزب حسن نصرالله، ومن خلال الشعارات والخطابات، ومنها شعار «يا أشرف الناس». ففي مقابل مفهوم «أشرف الناس» والمقصود بهم أبناء البيئة الحاضنة للمقاومة، برز ضمن الخطاب المقابل تصورٌ ضمني لفئة أخرى تقع خارج هذه الدائرة، وهو ما ظهَر في استخدام أوصاف مثل «صهاينة الداخل» و«شيعة السفارة» و«عملاء السي آي إيه» و«خُدّام آل سعود»، إلى آخر هذه العبارات التي وُجّهت إلى خصوم الحزب ومعارضيه.

وقد ارتبطت السياسة لدى الحزب بمفاهيم الشرف والأخلاق والتنزيه، وساهم هذا النوع من الخطاب في نقل الخلاف السياسي من مستوى الموقف أو الاختلاف في الرأي إلى مستوى التخوين وتصنيف الأشخاص وهويتهم وآرائهم السياسية، بحيث لم يعد مصطلح البيئة الحاضنة يُستخدم كتعريف محايد، بل كأداة تصنيف سياسي وأمني للمجتمع الشيعي، ففرزوا الناس بين من هم داخل البيئة ومن هم خارجها، وبين من يؤيدون السلاح وبين من يعارضون بقاءه خارج إمرة الدولة. ومن الجدير ذكره، أن الحزب نجح في عملية الفصل هذه، عبر منظومة إعلامية كبيرة مواكبة لخطابه، مع كل ما رافق خطابه من تمويل وتحشيد ديني.

البيئة الحاضنة: من الوصف الاجتماعي إلى الوظيفة التعبوية

لا تكمن أهمية مصطلح «البيئة الحاضنة للمقاومة» فقط في كونه وصفًا لجمهور سياسي مؤيّد لـ«حزب الله»، بل في المعاني التي حملها حول طبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع المحيط به. فهذا المفهوم لم يأتِ من فراغ، بل تبلور عبر مجموعة من الآليات والأدوات، منها النفوذ السياسي، ومنها البعد العسكري والأمني، ومنها شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت حول الحزب. كما ارتبط هذا المفهوم بخطاب الحماية الذي قدّمه الحزب لجمهوره، بدءًا من مواجهة إسرائيل و«الموساد»، مرورًا بمخاوف مرتبطة بـ«القوات اللبنانية» وغيرها من القوى التي اعتبرها الحزب تهديدًا للمقاومة وبيئتها، وصولًا إلى مواجهة الدواعش في سوريا تحت عنوان الحرب الاستباقية، كما عبّر عن ذلك الشعار القائل: «لو ما رحنا على سوريا كانوا هني إجو لعنا»؛ وكذلك الدفاع عن مقام السيدة زينب في سوريا تحت شعار: «لن تُسبى زينب مرتين»؛ وكذلك: «طريق القدس تمرّ من حمص والزبداني والقصير»...

لعبت هذه الشعارات دورًا في تخويف الشيعة ودفعهم إلى الانكفاء على ذواتهم في لبنان وفصلهم عن محيطهم العربي، مع التذكير بأن هذا الانكفاء إنما هو سياسي، ولا يعني أن الشيعة، كأفراد، معزولون عن العالم وبقية الطوائف والمجتمعات.

وفي هذا الإطار، حمل مصطلح «البيئة الحاضنة» مشكلات جوهرية، منها التعميم المفرط والتسييس المفرط، إذ اختزل المجتمع الشيعي في لبنان برمّته بكونه مواليًا لـ«حزب الله» والمقاومة ومؤيّدًا لعسكرة المجتمع، متغافلًا عن أن كل مجتمع إنما يحمل في داخله تنوّعًا واختلافًا.

بمعنى آخر، أن أكون شيعيًّا يعني، وفق هذا المنطق، أن أكون حاضنًا للمقاومة، وأن احتضان المقاومة يتطلب القبول بالتضحية بكل ما أملك، حتى لو كانت الحياة نفسها. أما من يخاف أو يعارض أو يرفض التضحية بأملاكه وحياته ومستقبله، فقد يُنظر إليه، وفق هذا المنطق أيضًا، بوصفه متخاذلًا، ما يستدعي ممارسة ضغط اجتماعي عليه كي يعود عن «ضلاله» أو يُلفظ خارج البيئة الحاضنة. والدلائل على ذلك كثيرة، فمن ثقافة «السحسوح»، إلى بيانات التبرّؤ العائلي من كل معارض، إلى شتم كل من تسوّل له نفسه التعبير عن رأيه أو ألمه ووجعه جرّاء خسائره من الحرب، وصولًا إلى المقاطعة الاجتماعية والاقتصادية.

البيئة الحاضنة كهوية أمنية واجتماعية

احتاج «حزب الله» إلى توصيف اجتماعي - سياسي للقاعدة الشعبية التي تشكّل أحد مصادر شرعيته السياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، برز مفهوم «البيئة الحاضنة للمقاومة» بوصفه توصيفًا مختلفًا عن المفاهيم السياسية الرائجة، مثل القاعدة الانتخابية أو الكتلة الناخبة أو القاعدة الاجتماعية للأحزاب.

بهذا المعنى، أصبح المجتمع الشيعي جزءًا من بنية المقاومة، وليس مجرد داعم لها. وهذا هو التحول الأخطر في مفهوم «البيئة الحاضنة»، وهو الانتقال من دعم سياسي يتلقّاه «حزب الله» من أشخاص عاديين إلى اندماج وظيفي بين المجتمع والمشروع السياسي. فقد بات التماهي بين «أشرف الناس» وعسكرَة المجتمع يُقدَّم في هذا الخطاب بوصفه وظيفة اجتماعية داخل البيئة الشيعية، ما يجعل نقد الحزب يبدو وكأنه نقد للمقاومة، ونقد المقاومة يعني نقد السلاح، ونقد السلاح يعني التماهي مع الأعداء!

وعلى هذا الأساس، جرت عمليات الإقصاء، فالبيئة الحاضنة للمقاومة، وفق تصوّر الحزب، يجب أن تبقى متماسكة ونقية وغير قابلة للاختراق. وكما يُشار في علم البيولوجيا إلى أن الحاضن المعقّم هو الخالي من الفيروسات، فقد جرى التعامل، في سياق هذا الخطاب، مع بعض الآراء المخالفة بوصفها عناصر تهدد تماسك المجتمع الشيعي وقد تؤدي إلى إضعافه.

ساهم التحشيد الديني في تعميق صلابة البيئة الحاضنة، فكثيرًا ما كنا نسمع مقولات تفيد بأن من يوالي عاشوراء والإمام الحسين عليه أن يوالي «حزب الله» ومقاومته، وأن يؤيّد خياراته السياسية وحروبه، وفق المنظور الذي رسّخه الحزب. وهذا المنظور لم يولد من فراغ، بل جاء نتيجة خطاب يقوم على التماهي بين مسيرة الإمام الحسين السياسية والعسكرية وبين «حزب الله» والهوية الشيعية.

وهكذا، ارتبط مجتمع كامل بخيار عسكري - أمني محدّد، وأصبح العمل السياسي لاحقًا وسيلة لتثبيت هذا الخيار وإضفاء الشرعية عليه، بما جعل البُعد العسكري عنصرًا تأسيسيًّا في بناء مشروع «حزب الله» ضمن البيئة الحاضنة. ولنتذكر أن هجمة السابع من أيار ٢٠٠٨  في بيروت إنما جاءت لأسباب أمنية تتعلق بشبكة الاتصالات السلكية للحزب وتهديد نفوذه على مطار رفيق الحريري الدولي.

جغرافيا سياسية أقلّ تنوّعًا

على الصعيد الجغرافي، انعكس ذلك في محاولة فلترة كل صوت معارض في الجنوب والضاحية والبقاع. فبينما نجد عند الطائفة الدرزية تعايشًا بين آراء مختلفة وموالين لوليد جنبلاط وطلال أرسلان ووئام وهاب وغيرهم، نجد عند الطائفة السنّية موالين للحريري والجماعات الإسلامية وميقاتي وأسامة سعد وغيرهم من الشخصيات في صيدا والبقاع الغربي وشمالي لبنان. وعند المسيحيين نجد تعدّدًا كبيرًا، فمنهم موالون لـ«تيار المردة» و«القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» و«الكتائب اللبنانية» وغيرها.

كل هؤلاء يتعايشون داخل بيئاتهم الاجتماعية، باستثناء الواقع الشيعي الذي تمّت محاصرته حتى بات يلفظ كل صوت معارض، ونبذت «البيئة الحاضنة» كل من لا يؤيد مشروع «حزب الله». وبالتالي، تحوّلت البيئة هنا إلى بيئة إقصائية في الفضاء العام اليومي، على عكس بقية البيئات الطائفية التي حافظت على تعدديتها ضمن مناطق وجودها، دون أن يخلو الأمر من وجود مناطق نفوذ وأحزاب مهيمنة لدى مختلف الطوائف.

قد يعترض البعض على هذا الطرح بالقول إن هناك معارضين داخل المجتمع الشيعي، وهذا أمر لا ينكره أحد. لكن النقاش هنا لا يتعلق بوجود المعارضة من عدمه، بل بحرية العمل السياسي داخل مناطق الطائفة الشيعية. والعمل السياسي يعني إمكانية فتح المكاتب الحزبية، وإقامة النشاطات السياسية، والتفاعل مع المحيط والبيئة المجتمعية، بموافقة الدولة اللبنانية وتحت سقف القانون اللبناني، وليس بعد نيل الرضى والموافقة من «حزب الله».

البيئة الحاضنة وكلفة الحرب

في اللغة، الحاضنة مأخوذة من فعل الاحتضان، أي الرعاية والحماية وتوفير شروط النمو. فماذا أدّت البيئة الحاضنة من مهام ووظائف في خدمة مشروع «حزب الله»؟ لقد ساهمت، ضمن هذا السياق، في تحويل الجنوب والبقاع والضاحية إلى مناطق ارتبطت بالبنية العسكرية للمقاومة، بما فيها انتشار الأنفاق وتخزين السلاح داخل بعض المناطق السكنية.

وبالتالي، تحولت المقاومة تدريجيًّا من وسيلة مرتبطة بتحرير الأرض إلى مشروع قائم بذاته، وأصبح السلاح لحماية السلاح. وكل ذلك يعزز فكرة أن البيئة الحاضنة لـ«حزب الله» ارتبطت، على نحو وثيق، بمنطق الحرب والاستعداد الدائم لها.

لكن لا يُلام الناس العاديون الذين أيدوا مشروع «حزب الله» من دون معرفة واضحة بكل ما يتضمنه هذا المشروع من عسكرة للمجتمع والحياة، فالناس غالبًا ما تستبعد احتمال انفجار مجتمعاتها من الداخل.

أما اليوم، فهناك خطر حقيقي بخسارة كل ما بناه الشيعة خلال الخمسين سنة الماضية. فها هو الجنوب فارغًا من أهله، وها هم الطلاب الشيعة يعانون فقْدًا تعليميًّا كبيرًا، وها هي صورتهم وعلاقاتهم بمحيطهم الحيوي في لبنان، مع السنّة والدروز والمسيحيين، تتراجع بدلًا من أن تتشابك. وها هم اليوم متهمون، من قبل كثيرين من اللبنانيين، في انتمائهم الوطني بسبب إسناد غزة وإيران، وها هي علاقاتهم مع العرب في أسوأ أحوالها، ناهيك عن العلاقة مع الشعب السوري، التي خلخلتها عشر سنوات من التدخل في الحرب دعمًا لنظام بشار الأسد، وما رافق ذلك من مساهمة في بناء ما عُرف لاحقًا بـ«الهلال الشيعي».

عودة إلى الانعزال؟

لطالما كان سؤال الانعزال حاضرًا في تاريخ لبنان الطائفي، فلنتذكر أن اليمين المسيحي حورب ووُصف بالانعزالي، وأن الشيعة حاربوا ما سُمّي بالانعزال المسيحي، ليعودوا هم أنفسهم إلى القوقعة والانعزال داخل منظومة من الأفكار والشعارات والخطابات والسياسات التي جلبت الويلات عليهم وعلى لبنان. فكيف يمكن تفسير عودتهم إلى الانعزال الذي سبق أن حاربه الشيعة أنفسهم في مراحل سابقة من التاريخ اللبناني؟

مقالات مشابهة
30・07・2026
في المعضلة اللبنانية: تشريح البُنية الذهنية والسياسية لمجتمعٍ يُعيد إنتاج أزمته
جمال نعيم
المشكلة هنا لا تكمن في غياب الأفراد العقلانيين، بل في عجزهم البنيوي عن التنظيم والتأثير. فالبنية السياسية والاجتماعية السائدة تكافئ الولاء أكثر ممّا تكافئ الكفاءة، وتعزّز الانتماءات الضيّقة على حساب الفضاء العام. بذلك يصبح الانخراط في اللعبة السياسية مشروطًا بالانتماء، لا بالكفاءة أو الرؤية.
25・07・2026
العطش إلى الجنوب: ما يتجاوز الحنين إلى حقّ الوجود
علي منصور
يتقاسم اللبنانيون، على اختلاف مناطقهم وطوائفهم، عادةً تكاد تكون الوحيدة التي لم تمسّها الانقسامات: فما إن تحلّ عطلة نهاية الأسبوع، أو مناسبات الأعياد، حتى تبدأ المدن بلفظ سكانها نحو الأطراف، وتستعيد القرى، للحظات، كثافةً سكانية فقَدتها منذ عقود. ومن يراقب الطرقات باتجاه الجبل أو البقاع أو الشمال أو الجنوب، في مساء كل يوم جمعة، يدرك أن القرية اللبنانية، رغم كل ما أصابها من إهمال الدولة...
20・07・2026
الضاحية في عيون العرب: صورة الشيعة اللبنانيين بين التضامن والتنميط
أماني فارس
لا يُختزل الشيعة اللبنانيون أحيانًا في موقف سياسي بعينه فحسب، بل في وظيفة رمزية محدّدة، جماعة مقاوِمة مستعدة لتحمّل كلفة الصراع إلى ما لا نهاية. وحين تُختزل جماعة كاملة في هذه الوظيفة، يصبح الخوف من الحرب أو الاعتراض على نتائجها أو مساءلة الخيارات التي قادت إليها مواقف تبدو غريبة أو غير متوقعة، لا لأنها نادرة بالضرورة، بل لأنها لا تنسجم مع الصورة المهيمنة.